حديث الجمعة: مع المرحوم عبد الكريم غلاب.. الحرب الصليبية في المغرب الإسلامي أبعادها ونتائجها..؟

حديث الجمعة: مع المرحوم عبد الكريم غلاب.. الحرب الصليبية في المغرب الإسلامي أبعادها ونتائجها..؟

في تأبين الأستاذ عبد الكريم غلاب.. محمد السوسي: كان عبد الكريم غلاب صادقا لا يزايد ولا ينافق يقول كلمته بصدق

  • بقلم // ذ. محمد السوسي

اليوم الجمعة ثالث ذي الحجة وهو أول جمعة في هذا الشهر والناس في كل أنحاء العالم الإسلامي بل المسلمون في كل مكان يتأهبون لعيد الأضحى بعد أسبوع، وفي نفس الأيام يتجمع الحجيج الآتون من كل آفاق إلى بيت الله الحرام، لأداء مناسك الحج مناسك الحج الأكبر، وهو بمثابة المؤتمر السنوي العام لكل المسلمين، إذ لا تخلو دولة أو جماعة دون ان يحضر منها في هذا الموسم من يمثلها قل أو كثر، وفي هذا اليوم بل في هذه الأيام تحققت فعليا وبالمشاهدة حقيقة ان المسلمين أمة واحدة رغم تباعد الأوطان وتنائي الديار، واختلاف الألوان والألسنة ولكن الكل يلهج بنفس الكلمات، لقد توحدت المشاعر وتوحدت الكلمات وتوحدت اللغة والمضامين فالكل ينادي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك..

      ويردد الناس في عرفات أفضل الدعاء الذي قاله الرسول وقال الرسل والنبيئون من قبل لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» إنها الوحدة في أسمى صورها وأجلى مظاهرها بين الأمة الإسلامية وان هذه أمتكم امة واحدة.

      انه المظهر، والمفروض أن يكون المخبر كذلك، انه المظهر العام الذي تلبى فيه الأمة نداء إبراهيم عليه السلام، ومن ثنايا هذا المظهر نجد أمرا آخر لا يكاد يستقيم مع هذا المظهر، انه الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة الإسلامية في كل مكان، انه واقع الآلام والأحزان، وواقع الدماء التي تسيل انهارا ولا تكاد تتوقف في ديار الإسلام، انه واقع الابنية والدور والمعابر والمصانع والمدارس والأسواق والقناطير التي تدمر في ديار الإسلام، انه واقع الطفولة المشردة، والاراميل المعذبة، والأمهات الثكلى، والرجال الذين ديست كرامتهم، انهم المعتقلون بعشرات الألوف في السجون، انه واقع الفقر المدقع، انه واقع الظلم المسلط على الشعوب من كل ناحية، انه واقع التخلف، انه واقع الانحراف عن الدين ومقاصد الشرع، انه واقع الخوف والهلع الذي تعيشه الشعوب، انه واقع الإذلال والتهديد المسلط على المسلمين وعلى ديار الإسلام، انه واقع انحراف الكثير من العلماء والدعاة عن منهج الإسلام في الدعوة والإصلاح «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» انه واقع صمت فريق آخر من العلماء والدعاة عن واجب النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق ما أناطه الإسلام بأهل العلم منهم وأمرهم بالقيام به بل امتدحهم به.  

      عندما قال عليه السلام (يحمله من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغاليين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)، إن هذه الأصناف الثلاثة لعله لم تبتل الأمة الإسلامية بهم مجتمعين مثل ما ابتليت بهم في هذا العصر وفي هذه الأيام بالذات.

      إن واقع الأمة اليوم ما وصل إلى ما هو عليه إلا لان هذه الأصناف يكاد صوتها يعلو على صوت غيرها بين الأمة، فالمغالاة في الدين وإلباسه لباسا غير لباسه في كل مظاهر الحياة أمر يعسر اليوم تجاوزه أو التصدي له، لان هذه المغالاة تواجه إن ووجهت بمغالاة بل تكون اشد، وما يجري في كثير من ديار الإسلام اليوم من سفك للدماء وانتهاك للأعراض وإهلاك للمال والولد، الا جزء من هذه المغالاة والمغالاة المضادة، أما تجرؤ المبطلين على أحكام الدين ونسفها واستعمال الحكام والنافذين السلطة التي بين أيديهم لنصرة المبطلين والطاعنين في الدين فليس بالشيء الذي يقل أثره السلبي عن الأمة الإسلامية.

      ناهيك عن دور الجاهلين الذين يتصدون للإفتاء والتوجيه وما هذا كله إلا لأن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء قصروا فيما حملهم الله من أمانة التبليغ والذود عن حياض الدين ونصح الأمة بتجرد ونزاهة وابتعاد عن أهل الأهواء والزيغ والانحراف حسب تعبير الأقدمين.

      إنها خواطر ومشاعر انهالت علي وأنا امسك القلم لأخط سطور افتتاح هذا الحديث، وما ملكت نفسي وقد حاولت حتى لا أجرح أحداً ولا أنال مِن عمل مَن عمل عملا فأنا أولا وأخيرا أنطلق من قوله عليه السلام (ما بال أقوام)، ولهذا فإنني في نفس الآن أرجو الله أن يسدد خطى العاملين ويهدي الحيارى منا إلى الحق الذي يجب أن يكون هو الغاية والهدف.

      ونعود لحديث الجمعة الذي جعلناه ختاما لتلك الأحاديث التي بدأناها منذ أسابيع في شأن الهمجية القوية التي يعاني منها الإسلام والمسلمون وفي المقدمة المسجد الأقصى و فلسطين، والتي سماها صاحبها (الحرب الصليبية الثانية).

*********

الانسجام المفقود

تتسارع الأحداث خلال هذه الأيام في العالم الإسلامي، ومن خلال هذه السرعة التي تتطور بها الأمور تجد الأمة نفسها أمام تزايد المشاكل واستعصاؤها عن الحل وذلك لان الأمة لا تتوفر على قيادات في مستوى هذه المشاكل المعقدة، والتي تتطلب أول ما تتطلب الانسجام بين هذه الحكومات أو القيادات وشعوبها ، ولكن هذا الانسجام يكاد يكون منعدما، لان الشرط الأساس والدول في وجود هذا الانسجام هو الرضى من لدن الشعوب على هذه الحكومات وما تقوم به أو تنجزه من الأعمال والرضى لا يمكن ان يكون وأحد الطرفين يفرض نفسه على الناس بالإكراه أو ما يشبه الإكراه.

الزردة

 وإذا كان الإكراه واضحا في فرض الحكام والحكومات وجودهم على رأس السلطة بالانقلابات العسكرية والشبه العسكرية، فان الإكراه الآخر يأتي عن طريق التلاعب بإرادة السكان عن طريق الانتخابات في إطار ديمقراطية شكلية لا تحترم إرادة الناخبين، ويتم ذلك عن طريق تزوير الانتخابات بأساليب وطرق مكشوفة، حيث تكون هذه المواسم الانتخابية على غرار ما كان يسميه “مالك بن نبي” (الزردة)، فالانتخابات في كثير من البلدان الإسلامية إن لم يكن الكل هي زردة يتم فيها توزيع المكاسب والمغانم، وليست فرصة لتباري البرامج والتصويت الحر والنزيه لينتج عن ذلك حكومة شرعية مسؤولة أمام الرأي العام التي انتخبها وهيأ لها الظروف لتتولى تدبير الشأن العام وفق برنامج تقدمت به وصادق عليه الناس في صناديق الاقتراع، إن هذا الشكل من الحكومات التي تعبر عن رضى أغلبية المواطنين لم تحظ به المجتمعات الإسلامية، رغم كل الصخب الإعلامي الذي يصرخ هنا وهناك متغنيا بديمقراطية هذا النظام أو ذاك.

أصل الداء

لقد كان أصل الداء في المجتمعات الإسلامية هو انعدام هذا الاختيار الحر للحكومات ومن يدبر شؤون الأمة، ولازال هو الداء الذي تعاني منه الشعوب الإسلامية وحتى إذا ظن الناس في وقت مَّا أو في لحظة من اللحظات ان وقت تجاوز الحكومات غير المنتخبة انتخابا حراً، فوجئوا أن ما ظنوه ليس إلا الظن الخادع الذي يكذبه الواقع وتصدمه الحقائق.

ومن هنا كان ما غنمنا هذه من فوضى عارمة هنا وهناك، وما يعم بعض المجتمعات الإسلامية من صراعات مسلحة واقتتال لا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد.

تعميم الفساد

ولا تستغرب أن بعض الجهات المسؤولة هنا أو هناك لها اليد بكيفية مَّا بما يجري، والواقع أن الاستغراب سرعان ما يزول عندما ينشر تقرير هنا أو هناك يفيد بتورط مسؤول أو آخر فيما يجري، والذي يضيف استغرابا آخر ولا يمكن فهمه هو أن يتم ذلك بتورط مكشوف مع جهة أجنبية، وينبغي أن نضع كلمة (أجنبية) بين قوسين لنقول أن هذا الأجنبي لا يعني دائما الخصم التقليدي يعني الغرب، أي الاستعمار القديم أو الجديد، فإن بعض الجهات في الدول العربية و الإسلامية لم يعد يكفيها أن تعبث بمصالح الشعوب التي ابتليت بتربع هؤلاء الناس على دست الحكم فيها، ولكنها تنقل ما تعيشه في بلدانها إلى بلدان أخرى.

دور الوكيل

 ولكن الذي لا يستغرب هو أن يتضح فيما بعد أن هذا التدخل إنما كان بالوكالة لأنها في الواقع إنما تنفذ السياسة التي وسمت في دوائر ودهاليز حكومات وأجهزة أجنبية بالفعل عن العالم الإسلامي والعربي،  وإنما تسعى إلى الرفض والهيمنة والتحكم عن طريق تلك الكراكيز العربية التي قدمتها في الواجهة وهي انما تقوم بدور الوكيل.

مزيدا من التخلف

إن هذا الوضع المتردي الذي تعيشه الأمة في العالم الإسلامي، لم يترك فرصة للتنمية وإنما فرغ مزيدا من الفقر والجهل والمرض، ومع ذلك يتسع مجال التخلف ويتسع معه شقة الابتعاد بين الشعوب والحكومات، ومتى يمكن لشعب ايطمئن للمسؤولين الذين يكون دورهم محصور في زيادة المعاناة التي تعيشها الشعوب.

ثقافة الكراهية

وهذا الوضع الذي توجد عليه الأمة الإسلامية تولد شيئا آخر وهو ما كان يعد له الخصوم بالفعل ولكنه يظهرونه كإفراز لهذه الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإذا قام بعض الناس برد الفعل تجاه الأزمة دفع به المتربصون إلى حافة الانحراف ويسقط في مهاوي العنف والتطرف ليقال أن ثقافة مبنية على دين الإسلام هي ثقافة العنف والكراهية وتلك حجة يركب عليها الغرب  المغرض، لمواصلة حربه الدائمة والمسماة من طرفه بالحرب الصليبية، وهذا هو الحديث الأخير في هذا السياق ولكن استسمج القارئ أن أشرك معي في هذا الحديث رجل له باع كبير في النضال الوطني.

في الغرب الإسلامي

إن هذا الشخص الذي نشركه معنا اليوم في هذا الحديث ليحدثنا عن الحرب الصليبية في المغرب هو المرحوم عبد الكريم غلاب، لقد كتب بحثا مهما عن الحرب الصليبية في المغرب الإسلامي ضمن كتابه الرائع المعنون «في الثقافة الإسلامية والآداب القرآنية نقتطف منه ما يتعلق بالمغرب يقول:

فما هو حظ المغرب من هذه الحروب؟

ابتدأ المرحوم ما يخص المغرب في هذا الكتاب بالسؤال أعلاه ليجيب:

المغرب كما عرفنا كان هو الدرء الحصين للإسلام في الأندلس، وكان هو الجبهة الموالية بعد سقوط الأندلس في أيدي الغزاة الصلبيين، وكان لابد أن تنتقل إليه المعركة إذا أرادت الصليبية أن تطمئن إلى مصيرها في أوروبا. فهي لا تنسى أن العرب والمسلمين في المغرب دقوا أبواب بواتيي في قلب بلاد الغال كما دق العرب والمسلمون في المشرق أبواب فيينا.

بداية الهجوم

       وبدأت الهجوم على المغرب، وكانت المعركة الأولى احتلال إحدى أبوابه المهمة على البحر الأبيض وهي سبتة احتلها البرتغال في هجوم غادر سنة 818ه-1416م وقد سلموها بعد ذلك إلى اسبانيا باتفاق بين الدولتين سنة 1080ه بعد أن حاصروها ست سنوات، واستمر هجوم الدولتين على أرض المغرب الكبير، فاحتل الاسبانيون بجاية في الجزائر سنة 1504 والمرسى الكبير سنة 1505. ووهران سنة 1508. وفي نفس السنة احتلوا جزيرة بادس بالمغرب الكبير وحاصروا الجزائر العاصمة، ودمروا ميناء طرابلس سنة 1510 واحتلوا وهران وتلمسان سنة 1542. وكانوا في نفس الوقت يطاردون المسلمين الذين طردوا من الأندلس وهم يتجهون بحرا إلى المغرب والجزائر وتونس فكانوا يقضون عليهم في البحر. وقد كون المغرب أسطولا مهما لحماية هؤلاء المسلمين المهاجرين حتى يصلوا إلى شاطئ الأمان، واشتبك هذا الأسطول مع البحرية الاسبانية والبرتغالية في معارك طاحنة أظهرت من جديد قوة المغرب واستمراره في الدفاع عن الإسلام، وزادت في مخاوف الصليبيين التي كانت تراودهم من المغرب. فازدادوا إصرارا على احتلال المغرب وتنفيذ وصية ايزابيلا الكاثوليكية بالقضاء عليه كدولة وتنصير من سيبقى من أبنائه.

المعارك البحرية

       ومن المهم أن نشير إلى أن المعارك البحرية التي اندلعت بين المغرب المسلم وبين اسبانيا والبرتغالي المسيحيتين اتخذت طابع القرصنة أحيانا، وما هي بالقرصنة كما عرفها التاريخ البحري في الأبيض المتوسط على الأخص، ولكنها حرب تنتهي كل معركة منها بالاستيلاء على الأسطول المعادي بما يحمل من أشخاص ومتاع وأموال. والحرب –كشأنها اليوم- لم تكن تفرق بين الأسطول الحربي والأسطول التجاري، ولهذا فحينما تتحدث الرواية الغربية ويتلقفها بعض المؤرخين المحدثين –من العرب وغير العرب- عن القرصنة التي كان يقوم بها المغرب على الأخص في البحر الأبيض يجب أن ندرك أنها كانت في منطلقها جهادا. ولم تكن قرصنة تحولت إلى جهاد على نحو ما عرف عن المغامرين المجاهدين التركيين “بابا عروج” ثم أخيه خير الدين برباروسا اللذين كانت القرصنة البحرية هي منطلقهما الأول. وانتهت حركة القرصنة عندهما بالدفاع عن الشواطئ التونسية والجزائرية وفك الحصار الذي ضربه الاسبانيون على الجزائر، ثم كونا إمارة في جزيرة جربة، وكان نضالهما ضد السليبية وتكوين إمارتهما الصغيرة سبيلا إلى استيلاء العثمانيين على الجزائر.

اتجه البرتغاليون إلى احتلال الشواطئ المغربية مبكرا قبل ان تسقط آخر معاقل الأندلس، وذلك ليعملوا على تطويق الأندلس التي كان شمس الإسلام آنذاك يغرب عنها. فكانوا مدفوعين إلى ذلك بنفس الفكرة التي شرحناها، أي أن يقطعوا الإمداد الإسلامي المغربي عن الأندلس باحتلال الشواطئ المغربية وإشغال المغرب عن واجبه في الدفاع عن الإسلام في شبه الجزيرة الايبيرية. وكان من ذلك أن دخلوا مدينة سلا، وهي من أقدم المدن الحضارية في المغرب على الشاطئ الأطلسي (تقع بجوار الرباط يفصل بينهما أبي رقراق) دخلوها غدرا منتهزين فرصة نزاع على السلطة بين المسؤولين. وذلك سنة 658 (1260م) ثم أجلوا عنها بالقوة بعد مدة قصيرة.

بعد عشر سنوات أي سنة 668 (1270م) هاجموا مدينة العرائش على الشاطئ الأطلسي ودمروها وارقوها.

سبتة رأس الجسر

       اتخذوا مدينة سبتة رأس جسر لمهاجمة الشواطئ المغربية الأطلسية على نحو ما تم الاتفاق بينهم وبين اسبانيا. حاصروا مدينة طنجة سنة 841 (حوالي 1435) ولكن المغرب دافع عن المدينة العتيدة بمواقعها الستراتيجي المهم. دارت معركة ضارية مع الجيش البرتغالي، انهزم فيها البرتغال بقيادة “فرناندو” وأسر الجيش المغربي القائد البرتغالي فيمن اسر من الضباط والجنود. ثم حاول البرتغاليون افتكاك أسراهم واشترط المغرب لذلك الجلاء عن سبتة فقبل البرتغاليون. ولكن “فرناندو” مات في السجن، وكان ذلك من سوء حظ المغرب فلم تتحرر سبتة. واغتنم البرتغاليون الفرصة فهاجموا مدينة طنجة في سنة 869 واستولوا عليها. وقد ظلت تحت قبضتهم 265 سنة، وسلموها هدية 1072-1662 لانجلترا في عملية مصاهرة يوم بدأت انجلترا تمد سلطانها لتتخذ من المدينة المغربية ومركزها الإستراتيجي المهم قبل أن تحتل جبل طارق المقابل لطنجة على الشاطئ الأوروبي، لتتخذ منها محطة للالتفاف حول إفريقيا في طريقها إلى المحيط الهندي، بحثا منها عن المستعمرات الغنية وقد استرجعها المغرب بعد ذلك من انجلترا سنة 1095-1684).

توسع الاحتلال البرتغالي

       استمر البرتغاليون ينتهزون فرص ضعف الدول المغربية فاحتلوا مدينة “أصيلا” القريبة من طنجة سنة 876 (1471م) وفي نفس السنة احتلوا مدينة “انفا” (الدار البيضاء حاليا) ونزل أسطولهم جنوبا حتى بعض شواطئ إقليم “سوس” واحتلوا مدينة الجديدة سنة 907 (1502م) والعرائش وأكادير سنة 910 (1503م) وآسفي سنة 912 (1505م) وأزمور 914 (1507م) والمعمورة (المهدية) 920 (1514م).

وهكذا أصبحت معظم مراكز الشاطئ المغربي الأطلسي تحت الاحتلال البرتغالي.

الدولة السعدية

       «وحينما خلفت الدولة السعدية الدولة المرينية في أوائل القرن السادس عشر كان في مقدمة مهامها تجنيد الشعب لمقاومة الاحتلال البرتغالي واستجاب الشعب فنهض بالمسؤولية، وخاض المغرب حروبا طاحنة ضد البرتغال فاسترجع كل الشواطئ بين سنتي 915ه (1510م) و 985ه (1577م) ولم تبق من المدن المحتلة الا سبتة وطنجة والجديدة.

لم تستلم البرتغال فقد صممت على القيام بحملة كبرى استنفرت إليها قوات من كل الدول المسيحية في غرب أوروبا. وبارك البابا هذه الحملة التي قام بها وقادها الملك البرتغالي سبيستيان. واستعد المغرب لمواجهة الحملة التي اختارت لها البرتغال وادي المخازن بالقرب من العرائش. وقاد جيوش المغرب الملك السعدي عبد المالك وأخوه أحمد، الذي دعى فيما بعد بالمنصور الذهبي وتطوع في المعركة آلاف من المواطنين، إلى جانب الجيش النظامي يتقدمهم العلماء والمثقفون والطلاب. ووقعت معركة ضارية قتل فيها سيباستيان. واستشهد عند المالك وقتل أخ له كان يطمع في الملك والتجأ إلى البرتغال ليخوض معه المعركة طمعا في أن يلي الملك إذا انهزم أخوه، وعرفت المعركة في التاريخ بمعركة الملوك الثلاثة.

واد المخازن

       ويتحدث رحمه الله عن معركة وادي المخازن:

كان ذلك سنة 986ه (4 اغسطس 1578م).

كانت هذه المعركة نهاية المجد البرتغالي. فعادت البرتغال إلى أخر الصف بين الدول التي تتطلع إلى احتلال العالم الثالث واستعماره.

أما المدن الأربع التي بقيت تحت سلطة الاحتلال السليبي فقد استرجع المغرب منها الجديدة من الاستعمار البرتغالي وطنجة من الاستعمار الانجليزي بعد حصار طويل ومعركة ضارية سنة 1095 (1984م) وبقيت بيد الاستعمار الصليبي مدينتان تمتازان بمركز استراتيجي مهم هما سبتة ومليلية، اللتان تحتلهما اسبانيا حتى الآن كشاهد على المعركة الصليبية التي خاضها المغرب ضد ثلاث دول كبرى هي اسبانيا والبرتغال وانجلترا وأضيفت إليها في العصر الحديث دولة رابعة هي فرنسا.

ويضع رحمه الله استنتاجا حول النتائج التي يمكن ان تترتب على نتيجة المعركة:

أقطار مرسخة للاحتلال

       لو انهزم المسلمون في المشرق لاحتلت بعض أقطارهم. والأقطار المرشحة للاحتلال المسيحي آنذاك كانت فلسطين مهد المسيح وسوريا ولبنان ومصر أو جزء منها. ومن المؤكد أن الهدف بعد ذلك سيكون منبع الإسلام مكة والمدينة. فالعداء الصليبي كان ساحقا. وتبقى ربما بعض الأقطار الإسلامية الإفريقية والأسيوية –صامدة في وجه المد المسيحي، ولكن لو انهزم المغرب في وجه المد الاستعماري المسيحي الاسباني –البرتغالي ويسنده كل مسيحي أوروبا لانهار الإسلام نهائيا في الغرب الإسلامي الإفريقي كما انهار في الغرب الإسلامي الأوروبي (الأندلس). ذلك لأن مسيحي أوروبا كانوا مدفوعين بفكرة الانتقام من الذين فتحوا الأندلس وحموا الإسلام فيها ثمانية قرون. وكانوا مدفوعين بفكرة الدفاع عن بلادهم خوفا من أن يسترجع المغرب الأندلس كما فعل في عهد المرابطين والموحدين والمرنيين. والدفاع كان يتمثل في الهجوم وفي احتلال الموقع المتقدم للمهاجمين، وليس هو إلا المغرب وكانوا مدفوعين بفكرة الانتشار الإمبراطوري. والذين عبروا المحيط إلى أمريكا الجنوبية، كان المغرب اقرب إليهم من القارة المجهولة البعيدة ولو وضعوا قدمهم ثابتة على أرض المغرب لأصبحت إفريقيا جميعها اسبانية برتغالية على نحو ما أصبحت القارة هؤلاء إلى طرابلس (ليبيا) ووصل الآخرون إلى مصر وبذلك كان العالم الإسلامي سيطوق من مشرقه إلى مغربه. ونحن نعرف أن البرتغاليين وصلوا إلى الخليج والاسبانيين وصلوا حتى الفيلبين فيما بعد، وبذلك كان الصليبيون بالعقلية الصليبية سيستولون على كل مناطق حضارة العصور الوسطى ليسلموا هذه المناطق جميعها إلى الحضارة الاستعمارية الجديدة التي تبعث مع  عصر النهضة بكل تطوره التقني وإمكاناته العلمية والاقتصادية والمواصلاتية.

لو انهزم المغرب

       ولو انهزم المغرب لانهارت الثقافة العربية بكل مقوماتها الحضارية، أو لانهارت الحضارة العربية في إفريقيا جميعها بكل مقوماتها الثقافية، ولاختفى ما تبقى من مظاهر الثقافة الأندلسية، وهي المظاهر التي التجأت إلى المغرب العربي من طرابلس حتى المغرب مرورا بتونس والجزائر.

لو انهزم المغرب في الحروب الصليبية لعرف الإسلام وحضارته فترات مظلمة من تاريخه، أكثر ظلاما من التي عرفها حتى الآن.

ولذلك كان دور المغرب عظيما في حماية الإسلام، جديرا بالدور التاريخي الذي قام به في نشر الإسلام في الغرب الإسلامي، وجدير بالدور الذي يفرضه عليه مركزه الجغرافي الإستراتيجي على أبواب قارة أصبحت أعظم قارات العصر، هي أوروبا، وقارة أخرى كانت أعظم قارة تمثلت فيها حضارة أخرى هي الحضارة الزنجية التي كان لها وزن بين الحضارات، وقد نستعيد مكانتها يوم ينحسر عنها التخلف الاقتصادي والثقافي.

فهل ما يجري في بلادنا يؤهل المغرب ليواصل القيام بهذا الدور؟

شارك برأيك

إلغاء الرد