حديث الجمعة: النبي والنبوة وذكرى مولد خاتم الأنبياء عليه السلام ..؟ بقلم // ذ. محمد السوسي

حديث الجمعة: النبي والنبوة وذكرى مولد خاتم الأنبياء عليه السلام ..؟ بقلم // ذ. محمد السوسي

حديث الجمعة: النبي والنبوة وذكرى مولد خاتم الأنبياء عليه السلام ..؟

مع هنري لاووست في كتابه: “نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع (8)

بقلم // ذ. محمد السوسي

نعيش في العشرية الأولى من هذا الشهر المبارك شهر (ربيع النبوي) أياما تعود بالأمة الإسلامية إلى تلك الأيام والسنوات الخوالي وهي تستحضر ذكرى مولد الرسول الأعظم حيث كانت الإنسانية تعيش على فترة من الرسل وما أصاب العقائد السماوية والديانات التوحيدية من التحريف وأصاب أهلها من الانحراف عن المقصد الاسنى، والهدف الأسمى لرسالة الرسل والأنبياء من طرف فئة رأت في تغيير دين الله وتشري بآياته ثمنا قليلا، وكانت الإنسانية تبعا لهذا الانحراف تعيش أوضاعا تفشى فيها الظلم، وضياع الحقوق، والانحراف عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهكذا كان العرب وهم من بين هذه الإنسانية المنحرفة عن الجادة تعيش في وثنية مطلقة، ولم يبق بينها إلا قلة الأقلية التي كانت لا تزال ترنو إلى التوحيد واستحضار ما بقي من آثار للعقيدة الإبراهيمية، وقد كان إبراهيم توجه إلى رب البيت وهو يرقع قواعد البيت ضارعا إلى الله «ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، «انك أنت العزيز الحكيم»، إنه دعاء الخليل عليه السلام وابنه وكانت الإجابة هي بعثه هذا النبي الرسول الأكرم بالرسالة الخاتمة التي حملت الخير وجمعت كل ما كان في الديانات السابقة من خير وفضل، وأعادت للبشرية وللإنسانية رشدها، ووضعت حدا فاصلا بين الحق والباطل وسعى الرسول عليه السلام وهو يبلغ الرسالة عن ربه ان يجمع الناس كل الناس على طريق الحق والعدل والإنصاف والتعاون والإخاء، لصون الكرامة الإنسانية التي تعتبر جزء من الفطرة التي خلق الله الناس عليها فقد ذكر القرآن الخلق مقرونا بالكرامة كما ذكره مقرونا بالفطرة، فكانت الصفوة الأولى من المسلمين نموذجا لهذا التعاون والإيحاء الإنساني، بدء بالمواخاة التي بنى على أساسها مجتمع المدينة المنورة وبالتبع المجتمع الإسلامي، فكان هذا المجتمع نموذجا لم يؤسس مثله من قبل وهذا أمر يعترف به مؤرخوا الديانات والحضارات.
هكذا كان وهكذا كانت الأمة خير أمة أخرجت للناس، ولكن هذه الأمة لفرط ما لحقها من الابتعاد عن الأصل الأصيل في العقيدة والشريعة، وابتعادها عنهما صارت تجد من خصومها ومن بين أهلها من يعتبر هذه الخيرية مدعاة للكراهية والميز بين الناس، مع أن كل صاحب نحلة أو مذهب أو فرقة مهما يكن وجهتها يعتز بنحلته وفرقته ويراها خيرا من غيرها، ولكن هوان الأمة الإسلامية وما أصابها من مرض الانحراف وتسلط الطغاة عليها من نفسها ومن غيرها أصبحت المجتمعات الإسلامية على النحو الذي نراه: قتل وتشريد وتعذيب ولعن البعض البعض، وصار أمر الأمة وكأنها لم تكن في الواقع ذات تاريخ مجيد، ودين عادل جامع لكل الخير والفضل.
إن ذكرى مولد الرسول عليه السلام التي بدل ان تكون عامل جمع وتوحيد بين المسلمين يذكرون فيها ما كان عليه من خلق وهو خلق عظيم كما وصفه القرآن والتواصي بالحق والخير وبناء الأمة دينيا وخلقيا وسياسيا واجتماعيا، يشغلون بالقول المكرر حول بدعية الاحتفال وشرعيته وهم يقرأون كل يوم «وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين»، «وذكرهم بأيام الله» وهل هناك في الأيام أفضل من يوم يولد فيه الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، إنها ذكرى للعظة والاعتبار، وتبعا لعادتنا في هذا الركن فإننا نحيي الذكرى مع القراء ببحث حول النبوة مع الشيخ ابن تيمية رحمه الله.

البحث والموضوع
هذا الحديث الذي حاولت أن أتي فيه بخلاصة ما كتبه المؤلف الباحث “هبري لاووس” في موضوع النبوة من وجهة نظر ابن تيمية والجدال الذي حدث بينه وبين غيره من أهل المذاهب الإسلامية الأخرى سواء المعترف بها بين السنة أو المذاهب الإمامية المعتدل منها والمغالي، وهذا الجدال في الواقع استغرق الكثير مما أنتجه ابن تيمية رحمه الله ما يخص هذا الجانب فقهيا كالزيارة وحكمها وحكم قصر الصلاة أثناء السفر من أجلها والإحاطة بهذا أمر صعب وهو ما أردت أن أشير إليه وهو أنه طيلة أيام وليالي رجعت إلى كثير مما أمكنني الرجوع إليه مما أشار إليه الباحث من مراجع ومصادر وما كتبه الشيخ ابن تيمية ومن على منهجه وما كتبه غيره ممن يعارضه ففي شأن الزيارة رجعت إلى (المجلد 27) من فتاويه طبعة “الملك خالد” وغيره من مجموعة الفتاوى وكذلك ما استخلصه احد الباحثين من كتاب الشيخ (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح وأسماه “دلائل النبوة”.
كتب الصوارم
ولكن ما أخذ مني الوقت أكثر هو الرجوع إلى كتاب الشيخ ابن تيمية الصارم المسلول على شاتم الرسول” وكتاب احد نقاد ابن تيمية الشيخ (عبد الباقي السبكي) “الصارم المسلول على من سب الرسول” وكتاب تلميذ ابن تيمية ابن عبد الهادي والذي كتبه بعنوان (الصارم المنكي) في الرد على السبكي” والملاحظة الأولية التي يلحظها من يطلع على هذه العناوين هو أنها جميعا يوجد في عنوانها “السيف” الصارم وهو مسلول ومنكي في نفس الآن، ولن ندخل هنا في المقارنة بين هذه الكتب فابن تيمية يحزم في كتابه على وجوب قتل الساب للرسول مسلما أو غيره وفي ثنايا الكتاب تفاصيل الكثيرة وفيه فقرات وأحكام قابلة للتأويل والاتجاه إلى عقاب غير القتل، والسبكي اتجه اتجاها فيه تفصيل ومراعاة الظروف ودون الدخول في تفاصيل الموضوع وحجج الشيخين.
بين قاض وفقيه
ولكن نشير فقط إلى أن هناك نقطة أساسية من شقين تظهر لماذا كان الفرق بين الشيخين دون الدخول إلى التمكن العلمي للشيخين ولكن نشير إلى جانب عملي هنا وهو أن ابن تيمية عالم منظر فقط، ولكن السبكي فاض مارس القضاء ومن هنا كانت وجهته واجتهاده فيه مع صرامة النص مراعاة الظروف المحيطة بالواقعة بالإضافة إلى ابن تيمية كتب كتابه وهو شاب أكمل الثلاثين من عمره أو كاد وابن السبكي كتب كتابه وهو متقدم في السن وبين تأليف الكتابين إحدى وأربعون سنة، أما ابن عبد الهادي في (السيف المنكي) فهو ينتصر لشيخه ابن تيمية على حساب ابن السبكي وقد وضع محقق السيف المسلول لابن السبكي مقارنة مختصرة يمكن الرجوع إليها.
الذكرى والاختلاف
وإذا كان المسلمون في شرق العالم الإسلامي وغربه سيحتفلون بذكرى مولد الرسول عليه السلام فنحن نعرف أن هذا الاحتفال أخذ في الانتشار مع بداية ابن تيمية حياته العلمية ومعروف موقف بعض السلفيين الذين يعتبرون ذلك بدعة وبين غيرهم من علماء المذاهب الإسلامية السنية الذي لا يرون في ذلك بأسا بل يعتبرونه مما يقوي أواصر المحبة والاقتداء بالرسول عليه السلام وغرس محبته في النفوس لدى الناشئة وقد سبق لنا في هذه الأحاديث ما كتب تأصيلا لهذا الاحتفال، وليس هناك مجالا الآن للعودة إلى ذلك ويوجد في الموضوع كتب كثيرة ومختلفة الأحجام وقوة الحجة والبيان.
مولديات
كما تحدثنا عن كل ذلك تحدثنا عن بعض القصائد التي قيلت في ذكرى مولد الرسول عليه السلام ونعود إلى هذا الحديث الذي نود أن يكون في موضوع وجهة نظر ابن تيمية من خلال ما وصل إليه الباحث في موضوع النبوة وعصمة الأنبياء.
وقد اقتضانا تخصيص هذه الحلقة لذكرى عيد المولد النبوي أن نؤجل الحديث عن بعض القضايا التي تناولها الباحث في المجلد الأول إلى حديث مقبل لننتقل إلى المجلد الثاني الذي خصص فيه الباحث فصلا مهما وهو الفصل الثاني الذي عنونه النبي وتحدث فيه عن النبوة وافتتحه بقوله:
النبوة وعلم الكلام
«لقد طرأ على قضية النبوة تطور كبير في الجدل العقلي الإسلامي، فكاد الاشعري أن يمسها في بحثه عن العقيدة عند حديثه عن شفاعة النبي. وعرض الغزالي في ” الإقصاء في الاعتقاد ” قائمة بجملة العقائد السنية، واكتفى ببحث بعض المسائل عن بعثة النبي. ومع ذلك فقد احتلت نظرية النبوة مكانا بارزا في مذهب ابن تيمية. فباعتبار هذا المذهب مذهبا جدليا كما يتجلى ذلك من منهاج السنة، فقد نشأ بادئ ذي بدء في معارضة لنظرية الشيعة عن الإمامة التي وضعها الطوسي والحلي، وبدرجة أقل في معارضة بحوث ابن عربي التي تقرر تفضيل الولاية عن النبوة حتى في محمد صلى الله عليه وسلم ذاته، هذا التأثير هو ما سنحاول تحليله عند دراسة وظيفة النبوة، وعصمة محمد صلى الله عليه وسلم، وطبيعة معجزاته، لننتهي آلة قضية ميراثه للعلماء.
طبيعة النبوة ووظيفتها
لقد تحدث الباحث تحت عنوان (طبيعة النبوة ووظيفتها) من سلوك وعصمة ومعجزة وتبليغ وغير ذلك مما تناوله العلماء المسلمون وشرع الباحث في ذكر ما يراه ابن تيمية في هذا الصدد بقوله:
«إن مذهب ابن تيمية لا يولي عناية بالمسائل المتعلقة بطبيعة الوحي وحركته بقدر ما يهتم بالنبوة ووظيفتها العقدية التشريعية، ولهذا فقد عني كل العناية بإبراز الحقائق التي وردت بالقران وبالسنة والتي تعطي بعض التفصيلات الثانوية في هذا الموضوع. إن الله يقرر في حرية تامة إرسال واختيار الأنبياء وليس ذلك تحت إكراه عقلي كما يقول الطوسي والحلي. وهو سبحانه يبلغ رسالته إلى الناس بثلاثة وسائل، فقد يكلمهم بغير حجاب كما حدث مع محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج حيث دخل في اتصال مباشر مع الله، والغالب عن طريق ملائكته فتنقل إليهم أوامره ونذره، وقد يكون عن طريق الإلهام في حالة اليقظة أو النوم».
مما لاشك فيه أن اهتمام ابن تيمية بالفصل الواضح بين النبوة والولاية وغيرها امر مهم وأساس بالنسبة لضبط العقيدة ومصدر العقيدة والأوامر الشرعية وغيرها ولذلك فإن الباحث يرى:
بين الولاية والنبوة..
«إن هذا الحذر في التحديد النصي لطريقة الوحي كان رد فعل ضد المذهب الصوفي الفلسفي الذي يعيب عليه ابن تيمية بصفة دائمة أنه يحاول أن يغترف من نفس المنبع الذي أخد منه الملك الذي كان يزور النبي فيهدم بذلك الحدود بين النبي والحكيم والفيلسوف، أو يثبت تفوق حديث أرسطو على حديث محمد صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن اتحاد العقل الإنساني والعقل الوسيط في الملك جبريل كان من القضايا الجوهرية في فلسفة الفارابي وفلسفة ابن سينا، ومعنى هذا الاتحاد مجرد اتصال بين الروح والعالم المعقول وليس اندماجا كاملا بين الإنسان وبين الله، والوحي والإلهام وإن اتفقا في طبيعتهما يختلفان في الطريقة، فبينما الحكيم لا يصل إلى الاتحاد الصوفي إلا بفضل طول التأمل، فان النبي يتحقق له الوحي بممارسة فورية لقدرة خاصة على (التخيل)، ولقد انتقل هذا التفسير الفلسفي والمجازي للحقائق النصية بعد تنسيقه إلى مؤلفات الفارابي الهامة ثم انتقل إلى ابن سينا، ومن بعد ذلك ظهر ثم انتقل في بعضه في مذهب الغزالي الصحيح».
ثم يعود بعد أن يناقش موقف ابن تيمية من التوجه الصوفي وما يرتبط بما يتحدث به الصوفية وبصفة خاصة الغلاة منهم لينتقل إلى موضوع آخر هو موضوع عصمة النبي وهو موضوع تناوله العلماء والكلاميون بتفضيل في علوم إسلامية مختلفة يقول الباحث:
شخصية النبي
«تنظم الوظيفة التي حددها ابن تيمية للنبي الصورة التي كونها عن شخصيته، ومعلوم أن القرآن وكذلك الحديث لم يرد فيهما ما يفيد ضرورة اعتبار العصمة من خصائص النبوة، فضلا عن أن بعض الآيات القرآنية وبعض الأحاديث قد قررت صراحة أن محمدا (صلى الله عليه وسلم) -باعتباره رجلا كأي رجل من رجال قبيلته- معرض للأخطاء الإنسانية. ومعلوم أيضا كيف نشأ الاعتقاد في عصمة الأئمة في أوساط الشيعة ثم انتقل منها بعد ذلك بطريق مباشر أو بواسطة الصوفية إلى النظرة السنية للنبوة. وبجوار هذه القضية الأصلية –وإن احتلها الاعتقاد في عصمة محمد (صلى الله عليه وسلم) وعصمة غيره من الأنبياء في نظر علماء العقيدة السنية والشيعة. وهو ما كافح ضده ابن تيمية باستماتة وكان له فيما بعد أبلغ الأثر على تكوين مذهبه. وكان فخر الدين الرازي قد ألح في ضرورة توسيع دائرة العصمة لتشمل جميع الأنبياء.
الرازي
والواقع أن مذهب الرازي في العقيدة قد عنى كل العناية بتعميق هذا المفهوم بعد أن عمق مفهوم المعجزات في (المحصل) و (معالم أصول الدين) و (دلائل النبوة). وكذلك شأن الطوسي الذي انتقل في كتاب (العقائد) من دراسة المعجزات إلى دراسة “افتراض أن يكون النبي معصوما” وانضم الحلي إلى هذا الاتجاه الفكري واعتبر العصمة من الخصائص المشتركة في النبي والإمام، وبناء على ما تقدم سوف نتعرض في بحثنا لعصمة الأنبياء في مؤلفات ابن تيمية من خلال ارتباطها بمذهب السابقين عليه. وسوف نتناول على التوالي أسبابها وزمانها أوضاعها».
وحدة الأمة
أشار الأستاذ المراجع للكتاب في هامش (ص:51) من المجلد الثاني إلى موقف الرازي في كتابه (عصمة الأنبياء)، وقد ارتأيت أن أذكر النص الذي جاء في المحصول ج2 ص225 وذلك لأنه يشير لأمر مهم لعل هو ما تحاشاه المراجع وهو انه يشير إلى اختلاف الأمة ليفصل وبعض السلفيين الذين لهم موقف، يتسم بالمعاناة في الحكم على الشيعة يقول الرازي في المصدر المشار إليه «اختلفت الأمة في عصمة الأنبياء عليهم السلام والسلام على قولين:
احدهما: قول من ذهب إلى أنه لا يجوز أن يقع منهم ذنب صغير كان أو كبير لا عمدا ولا سهوا ولا من جهة التأويل وهو قول الشيعة.
والآخر قول من ذهب إلى جوازه عليهم ثم اختلفوا فيما يحوز من ذلك وما لا يجوز والاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة ما يقع في باب الاعتقاد وقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يقع منهم الكفر.
ويذكر موقف الخوارج الشاذ والشيعة التي غير ذلك تقيه.
وأما الأمر الثاني فهو التبليغ واتفقوا على انه لا يجوز عليهم التغيير …….. الوثوق بقولهم”.
ويواصل الرازي تفصيل بعض القضايا في الفتوى وغيرها وهي أمور كلامية بشر الباحث إلى بعض منها.
ابن تيمية والروافض
«وقد لا تبدو وشائح الصلة بين نظريات الروافض ونظريات ابن تيمية بالوضوح الكافي إلا عندما تحدد هذه النظريات الوقت الذي تبدأ فيه هذه العصمة وعندما تصف طبيعة الأخطاء التي يمكن أن يقترفها نبي قبل نزول الوحي عليه. فالروافض لا يقرون بعصمة الأنبياء قبل الإعلان جهارا عن بعثتهم. ويستندون في ذلك إلى القرآن الذي ذكر في مواضع متكررة منه قول الله لرسوله بأنه وجده ضالا فهداه وعلمه الكتاب والإيمان. ومع ذلك فغالبية أئمة السنة قد أقروا باحتمال وقوع الأنبياء في بعض الأخطاء الجسيمة قبل بعثهم وإن كانت هذه الأخطاء لا تصل إلى درجة الكفر واستشهدوا بمثل موسى، ويخفف من وزن هذه القضية ندرة هذه الأخطاء مما يتيح للأنبياء التوبة بحيث لا تتلوث كرامتهم في شيء، أما الإصرار الواعي على اقتراف مثل هذه الأخطاء (الإصرار على الذنوب) فإنه يسيء إلى سمعة الأنبياء ويفسد عليهم مقدما وظيفة المبلغ الصدوق. تلك هي نظرية الرازي، أما الروافد فقد توغلوا أكثر من ذلك، إذ اعتبروا عصمة النبي الكلية والكاملة ضرورة منطقية».
معنى الآية
أرى من المناسب هنا أن أشير إلى ما أشار إليه مراجع الكتاب في الهامش الدكتور مصطفى عبد الحليم وهو روايته لما جاء عند الفخر الرازي في تفسير سورة الضحى وهو:
الأول: وجدك ضالا عن النبوة فهداك إليها، ويؤكده قوله تعالى (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان).
الثاني: وجدك ضالا عن المعيشة وطريق الكسب
الثالث: وجدك ضالا في زمان الصبى في بعض المفاوز
الرابع: وجدك ضالا –أي مضلولا عنه في قوم لا يعرفون حقك- فهداهم إلى معرفتك كما يقال فلان ضال في قومه إذا كان مضلولا عنه.
الحلي والعصمة
«وينظم الحلي إلى هذا الاتجاه الفكري ويررون أن الأنبياء معصومون منذ لحظة ميلادهم حتى مماتهم، ولم يذهب ابن تيمية هذا المذهب وإنما اتجه اتجاها أكثر شدا، ففي (العقيدة الواسطية) انحاز في هذه النقطة إلى موقف الخوارج التقليدي، وقرر أن محمدا كان معصوما منذ ذلك الإعلان عن بعثته. ولم يكن هذا الرأي من جانب عالمنا الحنبلي ليمردون إثارة للدهشة. فهو يقول إن النبي إمام اتخذه الله وسيطا بينه وبين الناس، وبدلا من أن يمنحه الله العصمة مع الوحي، آتاه الوحي لعلمه أن نبيه معصوم.
مضمون العصمة
فما مضمون هذه العصمة؟ من الناحية السلبية يمكن تعريف العصمة باستحالة النبي أن يرتكب عملا يوصف بالكفر. وعند التمسك بالمعنى العكسي يقول الرازي إن طائفة خوارج الفاضلية ترى أن (العصيان) البسيط كالكفر مما أدى بهم استنادا إلى منطق مذهبهم هذا إلى القول بتكفير النبي جزئيا».
هذه النظرية أو القول عند هذه الفرقة التي تعتبر فرقة ثانوية صغيرة من بين فرق الخوارج تعتبر من الفرق الغالية والتي لا يؤخذ بقولها في هذا الشأن مثل كثير من المغالاة عند الخوارج.
تحديد العصمة
«وهناك ثلاث صفات تحدد هذه العصمة بطريقة ايجابية، ولها في مذهب ابن تيمية أهمية بالغة، وتعتبر مظاهر ثلاثة لهذه الفكرة الجوهرية ألا وهي الشمولية، فالأنبياء قبل كل شيء رجال مخلصون غاية الإخلاص ويسيطر الصدق بأشمل معانيه وأكملها على “تبليغهم” لرسالتهم الربانية ولأعمالهم التشريعية (استقلالهم في تشريع الأحكام) وهناك مذهب أثار معارضة ابن تيمية وهو مذهب الفارابي وابن سينا وبشر بن فاتك وغيرهم من الإسماعيلية –ومضمونه أن الأنبياء وجهوا حديثهم الى الجماهير ولم يتكلموا إلا “بالمجازات” تاركين بذلك للفلاسفة وللصفوة الاجتهاد في فهم المعنى الباطن المقصود من الوحي. ولا يقل عنه في الابتداع مذهب ابن رشد أو المذهب المنسوب إلى ابن تومرت والذي يقرر أن الأنبياء يكذبون من أجل الصالح العام، ولقد رفض ابن تيمية هذه النظريات بكل ما أوتي من قوة، فهي تؤدي إلى إلصاق الكذب بالوحي النبوي وإن كان على شكل مخفف».
المجاز والعصمة
أثارت مسألة المجاز وقبوله أو رفضه جدالا كبيرا بين المتكلمين وابن تيمية هنا يدخل في جدال كلامي واضح وعلى أي حالة فإن العصمة لا ينال منها ما يقوم به الساحر أو غيره كما لم ينل سحرة فرعون من موسى والمجاز والنبي لا يكذب ولا يشرح كما قال الرسول عليه السلام إذ حتى مزاجه لا يقول فيه إلا حقا.
فالمجاز نوع من الكذب “كذب في طريقة الشرح والتوضيح”. كما تجعل هذه النظريات من المستحيل التمييز بين النبي وبين الساحر إلا من حيث النية فقط. «فالنبي يريد الخير والساحر يريد الشر. ولكل منهما معجزات تنحصر في القوى الروحية. وكلاهما يكذب. الساحر يكذب يدافع من المصلحة والإثم والنبي يكذب من أجل الصالح العام. فهو لا يستطيع أن يقيم العدل إلا بالكذب.(ص:61-62)
علامات الأنبياء
في الفقرة الموالية يناقش الباحث وجهة نظر ابن تيمية علامات النبوة
«يرى في النبي أن رسالته معلنة ومعززة، وأن إخلاصه مؤكد بعديد من العلامات (آيات، ونادرا، دلائل). بهذه العبارات عرض ابن تيمية لقضية المعجزات التي أثارها الجدل العقلي عند بحثه لرسالة الأنبياء وبصفة أشمل لرسالة الأولياء وعلامات يوم القيامة والبعث ويفضل ابن تيمية على كلمة “المعجزات” عبارة “الآيات”. فالقرآن لم يتحدث عن معجزات الرسول وإنما وصف آياته وعددها في تفخيم. ولقد ظلت اصطلاحات ابن تيمية تتسم بالتحفظ، كما صاحب عودته إلى اللغة التقليدية مراجعته ونقده للمفاهيم التي تعتبر عنها هذه اللغة. ففكرة المعجزة ذات أصل عقلاني، تفترض تسلسلا منتظما في نظام الأشياء يضطرب فجأة بتدخل شبه تحكمي من قدرة الله العظمى. والمعجزة تشارك في ثنائية تقوم بين قوة الله وانتصام الظواهر في الدنيا. وهذا الانتظام لا يفسره الإسلام بالقوانين وإنما (بالعادات). أما الآيات فإنها تعود بالمعجزة إلى النظام المألوف والى القاعدة المتبعة وتسلبها الطابع فوق الطبيعي والتحكمي. وبالإضافة إلى ذلك فإن رابطة التبعية وثيقة بين الآية وبين مدلولها، ويظهر المفهومان في وقت واحدة ويفرض كل مفهوم مدلوله بالتبادل. ويفضل ابن تيمية أن يعتمد على هذه الفكرة لإثبات وجود الله عند الاستدلال العقلاني الذي يستند إلى مبدأ الضرورة والسببية والقصدية».
الهجرة
أثارت مسألة الهجرة نقاشا كلاميا كبيرا بين المسلمين ولا تزال مسألة الهجرة المادية وما تطرحه من حيث الرواية والوثوق تثير لعطا عند بعض الناس وبصفة خاصة مع بداية النهضة الفكرية الحديثة وانبعاث الروح السلفية من جديد في مواجهة الكتب التقليدية الاشعرية التي تدرس في علم التوحيد والعقائد.
وعلى أي حال فالكاتب يشير إلى موقف ابن تيمية في هذا الصدد.
وأخيرا فإن مصطلح المعجزة الذي ابتكر في وقت متأخر قد دخل في علم الكلام بمعرفة الباقلاني, وبعد هذه التحفظات استخدم ابن تيمية الاصطلاحات التي استخدمها سابقوه كما فعل علماء التوحيد الذين توجه إليهم بالكتابة أو بالنقد، مثل فخر الدين الرازي وأبي البركات النسفي، الذين تنالوا في بحوثهم طبيعه المعجزات.
وهناك قضية استحوذت على اهتمام ابن تيمية. فبعد أن عرف النبي في مقابل الإمام والولي، اقتضى الأمر أن يميز بين فئتين كبيرتين من المعجزات هي معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، ولقد اقترح فخر الدين الرازي التعريف التالي لمعجزات محمد: (إنما وقائع تؤدى إلى قطع مفاجئ في استمرار مجموعة من الظواهر يمثل تعاقبها في العادة نظاما ثابتا، ويصحب هذه الوقائع من جانب النبي تحد للناس جميعا لا تقابله أية معارضة من جانبهم).
الطوسي وابن تيمية والمعجزة
«ويأخذ الطوسي بهذا التعريف ويعتبر المعجزة دليلا صارخا يلزم الله به بالضرورة أن يجمع القلوب على التسليم بصدق نبيه. ويأخذ الحلى بهذه الصيغة ذاتها مع التخفيف منها بعض الشيء. فيقول إن المعجزة خرف للعادات ولكنها وحدها لا تثبت صدق النبي ما لم يضطلع النبي في نفس الوقت بصفة النبوة. وتمكن الحلى بذلك أن يستبعد من تعريف المعجزة عنصرين اثنين كان الرازي يعتبرهما جوهرتين: الأول تحدي النبي الذي يعلنه على الناس والثاني عجز الناس من منافسته، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك، فقد قرر كقاعدة عامة أن كل من يستطيع أن يدعي النبوة ويتمكن من تحقيق إحدى المعجزات ينبغي اعتباره كذلك. ولاشك أن هذا الموقف على جانب من الخطورة البالغة في نظر ابن تيمية إذ يعاب عليه أنه لم يميز بالقدر الكافي بين النبي والولي. وذلك بعد أن أثبتت الشيعة إمكان الخلط بين النبي والإمام لأنهم كانوا حريصين على أن يمنحوا كلا منهما خصائص مشتركو ومهمة متشابهة».
الكرامة
يناقش الباحث مسألة الكرامة للأولياء وعلاقتها بالمعجزة وهو موضوع تناولته المناقشات الكلامية والاشعرية على رأي إثبات الكرامة للأولياء وفي هذا يقول صاحب جوهرة التوحيد:
واثبتن للأولياء الكرامة ومن نفاها فانبذ كلامه
هل معنى ذلك أنه يمكن أن ننفي كرامات الأولياء؟ إن الاتجاه الرشيد في الإسلام في جملته لم يبد معارضة كبيرة في الإقرار بوجودها. وكان الجهم أول من اعترف بجميع المعجزات بلا تيمييز بينها عندما قال: “خارق العادة جائز مطلقا” سواء وقع ذلك من نبي أو من تقي أو من ولي. وحظيت كرامات الولي بشبه إجماع أهل السنة والفلاسفة المعنيين بدراسة الفلسفة اليونانية (الفارابي وابن سينا يفسرانها بنظرية القوى النفسية) وقيدتها الإمامية بالنسبة لأئمتها مثل النوبختي، ولم يرفضها سوى المعتزلة الذين يحتجون بعدم ورود اللفظ في القرآن ويميلون –بمنهجهم العقلاني- إلى نفس العنصر فوق الطبيعي في الكون وينذر من بين أهل السنة من ينكر كرامات الأولياء فيما عدا…


شارك برأيك

إلغاء الرد