”جرسيف”.. مدينة بين الويدان التي تلد لتهدي أبناءها لوجدة والناظور ولمليلية السليبة

”جرسيف”.. مدينة بين الويدان التي تلد لتهدي أبناءها لوجدة والناظور ولمليلية السليبة

”جرسيف”.. مدينة بين الويدان التي تلد لتهدي أبناءها لوجدة والناظور ولمليلية السليبة

البطالة الآفة التي تقض مضجع العاطلين وغير العاطلين في ”جرسيف”

  • خلوق سفيان

عاطلون حاصلون على الإجازة وديبلومات التكوين المهني، ينتظرون على أحر من الجمر خروج مباريات الوظيفة العمومية أوالمباريات المتعلقة بالشركات الخاصة، والبعض الآخر طحنته عجلات الزمن، مما دفع به إلى العمل مياوما بالضيعات الفلاحية أو البناء أو بائعا متجولا. غالبية هؤلاء العاطلين ملامحهم بدأت تشيخ من كثرة انتظار شغل يحفظ لهم كرامتهم والرغبة في تكوين أسرة صغيرة وبيت متواضع، أو إنقاذ أسرته ومساعدتها على تحمل تكاليف الحياة. قبل ذلك كان جل العاطلين طلبة يحكون لأمهاتهم بأنهم سيدخلون الفرحة عليهن بالحصول على الإجازة أو الديبلوم، وآخرون هربوا من ضغط العائلة بحثا عن لقمة العيش في سهول جرسيف المترامية الأطراف كسهل تافراطة الموجود شرق المدينة للعمل في الفلاحة، إلا أن أكثرية السهول بالمنطقة بدأ الماء ينضب منها نتيجة نفاذ المياه الباطنية بسبب الآبار التي وصل عمقها مئات الأمتار.

بمرور أي كان بأحد شوارع جرسيف، إلا ويلاحظ أحد الشباب العاطل، يستمع لأغنية الفنان ميمون رفروع : «كولشي إروح، كولشي إودار، حد يوضا ذي البحر…»، وعلى قسمات وجهه حلم الوصول إلى ضفة النجاة بطريقة غير قانونية، لمواجهة أمواج البحر الأبيض المتوسط التي من الممكن أن تأتي عليه وتلقي به جثة هامدة بيابسة إسبانيا بعد فشل «الباطرةّ» من الوصول به إلى بر الأمان لينجو ولو لبعض الوقت من معاناة العطالة والبحث عن عمل في ديار القارة العجوز.

في المقابل هناك من يفكر في الظفر بطريقة للحصول على بطاقة التعريف الوطنية لمدينة الناظور، ولو أن مسقط رأسه جرسيف للذهاب إلى مليلية، ليجرب غمار الدخول إلى هناك بنفس طموح المهاجرين غير الشرعيين. فضلا على أن هناك شبابا يتطلع للعمل في ظل انعدام نشاط مكثف بقطاع السياحة في الإقليم، وعلى قسمات وجههم الأمل، وهم يطالبون بغد زاهر قد يصبح فيه السياح يتزحلقون بمحطة بركين الثلجية التي تبعد عن المدينة ب 90 كلم جنوبا، وعلى أن تكون السياحة التضامنية ناهضة بمنطقة ارشيدة وبركين وقصبة امسون التي أرداها الزمن وتعاقب العصور وبقيت دون ترميم.

«فين نخدمو»

أحد الحاصلين على دبلوم التكوين المهني في المحاسبة، تبدو عليه الحسرة، وعلى قسماته وجهه الحزن، وهو يتحدث الشاب عن العمل بسوق مليلية المجاور لحي الشوبير، وعن ال 105 درهم التي يتقاضاها أسبوعيا عن الخدمة التي يؤديها من خلال بيع الخضر والفواكه مكان صاحب المحل التجاري بالسوق كمساعد له. يضيف الشاب العاطل الذي لم يتم عقده الثالث بحسرة شديدة : «لقد ضاع مستقبلنا»، ثم يعلي من صوته بالدارج المغربي ويقول: «فين نخدمو أعباد الله».

تنسيقية جرسيف للدفاع عن الحقوق وضد الحكرة والتهميش، وبلغة من العتاب والحسرة في أحد لقاءاتها في الشهر الماضي أكدت: «أن هناك مشاريع لا زالت حبرا على ورق، لم يرها أي مواطن بمدينة بين الويدان، و لازالت جرسيف بدون حي صناعي الذي برمج منذ سنة 1988، ورغم الغنى الفلاحي ليس هناك سوق مغطى وسوق للجملة بالإقليم، بل لا يوجد مركز مرجعي لتثمين الإنتاج المحلي في الصناعات التقليدية، والمنتوجات الحيوانية المحلية والماشية وإنتاج اللحوم والحليب ومشتقاته والأشجار المثمرة بالإقليم خصوصا الزيتون، وشجر اللوز بجماعة مزكيتام».

وفي القاء ذاته تفاعل المواطنون مع نداء التنسيقية، وأضافوا هم كذلك: «مشاريع أخرى لم تر النور، لعلها تضفي البسمة على وجوه عاطلي مدينة جرسيف»، وذكروا من بين هذه المشاريع: «سوق السمك و السوق النموذجي للباعة المتجولين»، ولحد الآن لم تبن الوحدة الصناعية لإنتاج الحليب ومشتقاته المبرمجة على الورق منذ ثلاث سنين من الآن، ميزانية الوحدة قدرت بمليار سنتيم.

مدينة الزيتون «جرسيف» كما يلقبها الفلاحون ليس لها معصرة نموذجية لزيت الزيتون، ينتظرون بفارغ الصبر أن تسجل زيتها ضمن الأنواع المسجلة في المغرب. وطالب الحاضرون في هذا اللقاء بتجميع كل المعصرات القائمة في إطار تعاونية، حتى تضمن المنطقة إنتاجا لائقا وذي جودة عالية ويحترم مجهود الفلاحين وأرباب العمل، وعاتب الحاضرون في اللقاء الصمت المضروب على صناديق الجماعات السلالية ومداخيلها المليئة بأموال تمكن من إنشاء مشاريع اقتصادية مدرة للدخل على المعطلين بالإقليم.البطالة «كتبكي»

وأن تطأ قدماك منزلا بالأحياء القديمة لجرسيف، إلا وتسمع صوت أحد عاطلي المدينة، يهدئ روع ابنه المزداد حديثا، والمريض. الأب العاطل وجهه يحيل على علامات الرغبة في البكاء، يتحدث الرجل الذي تجاوز سن القدرة على العمل، بلغة من فقدان الأمل في تحمل مسؤوليات ابنه وزوجته، ورغم ذلك لم يستسلم، قال: «إن الهجرة من القرية إلى المدينة تضاعفت وارتفع عدد العاطلين المقبلين على هذه الهجرة، وأن حاملي الشواهد قليلا ما يجدون فرصة للشغل، الشيء الذي يدفع بهم إلى الانتقال للعمل في مجال البناء بأجر بخس لا يتجاوز سبعون درهما، التي لن تكفي حتى لشراء الأدوية لابنه الصغير إذا أصابه مرض ما، والوظيفة العمومية بعيدة المنال لطغيان منطق الزبونية والمحسوبية».

يستكمل الرجل حديثه وملامح وجهه توحي بأنه في سنواته الأخيرة من مرحلة الشباب: «أرباب العمل في القطاع الخاص يمتصون عرق المياومين المساكين، وليس هناك تنافسية في المدينة أو مناصب للشغل، القطاع الخاص تحديدا يرزح تحت الفوضى دون عقلنة أو تقنين رغم توفر المئات من الضيعات الفلاحية، ويلجأ دائما الخواص للعنصر النسوي الذي يعرض خدماته في ما يسمى ب «الموقف» للعمل بأجر أربعين أو خمسين درهما، ولا وجود لتعويض عن البطالة كالدول المتقدمة».

عدد كبير من الشباب العاطل ارتمى بالضيعات الفلاحية وأوراش الصناعة، منهم الحاصلون على الإجازة الأساسية وديبلومات التكوين المهني وشواهد من أصناف كثيرة، فرض الزمن عليهم البحث عن لقمة العيش بكل الطرق، ودخلوا ميدانا تنعدم فيه حقوق الشغل. فاعل جمعوي رفض ذكر اسمه صرح أن مكتب تابع للضمان الاجتماعي بالإقليم لم يتم إحداثه بعد، وطالب بتعميم الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وبالتعبئة لأجل العمل على الحملة بجميع الوحدات الصناعية والضيعات الفلاحية، والقطاعات الخدماتية التي يفرض فيها احترام قانون الشغل وساعات العمل، والتصريح للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتأمين عن حوادث الشغل والعطل، إذ أن حقوق العمال والمستخدمين مهضومة.

أرباب المقاهي بدورهم يستخدمون نوادل لم يصرح بهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهناك من يعمل مدة ثلاثين سنة بدون تسجيل. وبنبرة ممزوجة بالغيض والقلق قال هذا الفاعل الجمعوي: «أشمن حقوق إلا تهرس شي حد والله لا عقلو عليه». الشاب على قسمات وجهه الحسرة ومقاومة الظروف العصيبة يتابع كلامه: «ما عندنا ما نديرو كتنتظرنا المسؤولية كبيرة».

«وعود وعمل»

شبح البطالة تفشى في جرسيف، نسبة البطالة حسب آخر إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط بجهة الشرق وصلت إلى 14,8% بالإقليم الذي تجاوزت ساكنته 200 ألف نسمة، وفعاليات جمعوية بالمعطلين أحصت 2200 معطل من الذكور بالإقليم الحاملين للشواهد العليا، إلا أن المسؤولين بمندوبية التخطيط حسب هؤلاء الفاعلين الجمعويين، لن يتمكنوا من التوصل للرقم الحقيقي. وجمعيات أخرى تعالت أصواتها بلغة من العتاب، مطالبة بإدماج المعطلين من أصحاب السواعد والشواهد، فبعضهم عمره ولج عقده الخامس بدون عمل. إحصائيات أخرى لدراسات بحثية ليست رسمية أظهرت نسبة أخرى للبطالة هي 65,85% سنة 2011.

وتحت الشمس الحارقة، خرجت وفود من المسؤولين بالمجلس البلدي رفقة عامل إقليم جرسيف الجديد خلال الشهر الماضي، وتحدث أحد المسؤولين لبعض المهتمين بالعاطلين، بأن القضية بالإقليم تم النظر فيها. الشخص المهتم ظهر على محياه الأمل. أحد المتابعين صرح أن هناك تحركا لمجلس جهة الشرق بتخصيص 55 مليون درهم للعمل على الدفع بعجلة الاستثمار وخلق مناصب الشغل بالجهة، وتابع حديثه بأن هناك منحة تتراوح ما بين ألفين و4 آلاف درهم عن كل منصب شغل، وعلى قسمات وجهه نبرة من الأمل والابتسامة في حل مشاكل المعطلين.

متابع آخر لملف المعطلين بدا على وجهه التذمر والحسرة صرح وهو جالس، بأنه لا توجد حصة لمعطلي الإقليم حاملي الشواهد في المناصب المخصصة بخصوص الوظيفة العمومية كالتعليم.


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا