ترامب بين تهديدات الإنقلاب السياسي والإقالة: صراع الأجهزة يضع الولايات المتحدة في مفترق طرق خطرة

ترامب بين تهديدات الإنقلاب السياسي والإقالة: صراع الأجهزة يضع الولايات المتحدة في مفترق طرق خطرة

العلم: بقلم // عمر نجيب

 إلى أين تسير الولايات المتحدة الأمريكية؟. سؤال كثر من طرحوه منذ أن تم إنتخاب دونالد ترامب رئيسا للجمهورية خلال شهر نوفمبر 2016. 

 بعد أقل من شهرين على تولي ترامب قيادة أجهزة الحكم من البيت الأبيض يوم 20 يناير 2017 غدت الولايات المتحدة تواجه عاصفة معارك سياسية داخلية يعتبرها البعض الأشد منذ فضيحة ووتر غيت التي قادت الرئيس ريتشارد ملهاوس نيكسون إلى الإستقالة في 8 أغسطس عام 1974 بعد ثبوت تورطه في عملية التجسس على منافسه في الإنتخابات الرئاسية الديموقراطي هيوبرت همفري، وفي 8 سبتمبر 1974 أصدر الرئيس الأمريكي جيرالد فورد عفوا بحق ريتشارد نيكسون قبل أن تبدأ اجراءات محاكمته.

 أنصار ترامب يؤكدون أن الرجل جاء ليعيد للبلاد إزدهارها الإقتصادي وهيبتها وقوتها ومركزها كالقوة الأولى في العالم، بينما يشبهه خصومه بالرئيس السوفيتي يلتسين الذي قاد عملية تدمير وتفكيك الإتحاد السوفيتي سنة 1991، ويحذرون وفي مقدمتهم الديمقراطيون من أن إستمراره في قيادة واشنطن يهدد بتدمير البلاد وربما تقسيمها.

ترامب بين تهديدات الإنقلاب السياسي والإقالة: صراع الأجهزة يضع الولايات المتحدة في مفترق طرق خطرة

معركة مع أوباما

 الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في رده على الحملات الموجهة اليه شدد اتهاماته النارية إلى سلفه باراك أوباما، إذ طلب يوم الأحد 5 مارس 2017 من الكونغرس التحقيق في عمليات تصنت هاتفي محتملة عليه أمر بها الرئيس السابق قبل انتخابات الثامن من نوفمبر.

وبعد ساعات، أعلن رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي أن اللجنة ستسعى إلى “معرفة ما اذا كانت الحكومة قامت بانشطة مراقبة طاولت مسؤولين أو ممثلين لفريق حملة اي من الاحزاب السياسية”.

وجاء طلب ترامب، الذي كان يقضي عطلة نهاية الأسبوع في فلوريدا، غداة إطلاقه اتهامات على تويتر بأن باراك أوباما تنصت على مكالماته الهاتفية، وهو ما نفاه متحدث باسم الرئيس الديمقراطي السابق واصفا الاتهامات بانها “خاطئة”.

ورغم عدم وجود أدلة، اثارت تلك الاتهامات شكوكا كبيرة وسط الطبقة السياسية الأمريكية.

وأشار المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر في بيان إلى تقارير غير محددة عن “تحريات قد تكون مسيسة قبل انتخابات 2016 مباشرة” ووصفها بأنها “مقلقة للغاية”.

وأضاف أن “الرئيس دونالد ترامب يطلب من لجنة الاستخبارات في الكونغرس وفي إطار التحقيقات في النشاطات الروسية، أن تمارس سلطاتها لتحديد ما إذا استخدمت السلطة التنفيذية صلاحياتها للتحري في 2016″.

وبدت الكلمات في البيان موزونة والصياغة حذرة جدا، على عكس التغريدات النارية التي نشرها ترامب.

وفجر ترامب يوم السبت قنبلة سياسية بعدما كتب في سلسلة تغريدات صباحية “أمر فظيع! علمت للتو بأن الرئيس أوباما تنصت على خطوطي الهاتفية في برج ترامب قبيل فوزي”.

وأضاف متسائلًا: “هل من القانوني أن يقوم رئيس بالتجسس على مرشح للرئاسة؟”. وأوضح ترامب أن “حادثة التجسس وقعت في أكتوبر 2016، دون الإشارة إلى كيفية اكتشافه لذلك”. وتوعد الرئيس ترامب باللجوء إلى محام واتخاذ إجراءات قانونية بحق أوباما.

وفي تغريدة أخرى، ذكر الرئيس الأمريكي أن أوباما تلقى 22 زيارة من قبل السفير الروسي في واشنطن سيرغي كيسلياك، الذي يتهم أعضاء في إدارته بامتلاك علاقات سرية معه.

وشبه الأمر بفضيحة التجسس السياسي “ووترغيت” التي دفعت بالرئيس آنذاك ريتشارد نيكسون الى الاستقالة في 1974، متهما أوباما بأنه “شخص سيء أو مريض”.

وكان ترامب قد اتهم كذلك باراك أوباما بالوقوف وراء الاحتجاجات ضد نواب جمهوريين أثناء لقائهم مع مواطنين في مناطقهم الانتخابية، والتسريبات المتعلقة بالأمن القومي.

وقال لقناة فوكس نيوز التلفزيونية “أوباما يقف وراءها، لأن جماعته وراءها بالتأكيد” ثم أضاف “أظن أنها السياسة”.

ويبدو أن تلك التغريدات جاءت استنادا إلى تأكيدات من دون أدلة نشرها موقع “بريتبارت” اليميني، والذي كان يرأسه المستشار الإستراتيجي لترامب، ستيف بانون.

لكن المتحدث باسم أوباما، كيفين لويس، أكد في بيان السبت “لم يأمر الرئيس اوباما أو البيت الأبيض بالتنصت على أي مواطن أمريكي”.

من جهته، أكد رئيس أجهزة الاستخبارات الأمريكية في عهد أوباما جيمس كلابر لقناة “أن بي سي” أنه “لم يتم تنفيذ أي عملية تنصت” من قبل الوكالات التي كانت تحت إمرته ضد ترامب، سواء قبل الانتخابات أو بعدها.

ربط بالانشطة الروسية

 بطلبه من الكونغرس توسيع تحقيقاته، فإن ترامب يقوم بنفسه بعملية الربط مع الأنشطة الروسية التي تظلل ولايته منذ تسلمه السلطة.

وتحقق ثلاث لجان على الأقل من مجلس الشيوخ والبرلمان حول تدخل روسيا خلال حملة الانتخابات الرئاسية بهدف ترجيح كفة ترامب في مواجهة منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون.

وكانت إدارة أوباما قد اتهمت روسيا بالوقوف وراء عمليات قرصنة رسائل البريد الإلكتروني لمقربين من كلينتون وفرضت عقوبات على موسكو في أواخر ديسمبر 2016.

وإضافة إلى ذلك، فإن الاتصالات المتعددة بين مقربين من ترامب ومسؤولين روس، خلال الحملة الانتخابية وفي الأسابيع التي تلت فوز الميلياردير، غذت الشبهات في إمكانية التورط.

وأجبر مايكل فلين الذي اختاره ترامب لمنصب مستشار الأمن القومي على الاستقالة في 13 فبراير 2017 على خلفية اتهامه باجراء اتصالات مع السفير الروسي في واشنطن سيرغي كيسلياك.

ونهاية شهر فبراير، اضطر وزير العدل جيف سيشنز لتوضيح اجرائه اتصالات بالسفير نفسه.

وشدد كلابر على أنه عندما كان في منصبه “لم يكن لدينا أي دليل على تورط” بين المقربين من ترامب وروسيا.

بالنسبة إلى المعارضة الديمقراطية، فإن اتهامات ترامب لأوباما ليس لها إلا هدف واحد، هو صرف الأنظار عن الملفات الروسية التي تثير جدلا سياسيا كبيرا منذ تنصيب الرئيس الجمهوري في 20 يناير.

وقال سناتور منيسوتا الديمقراطي آل فرانكن لقناة “اي بي سي” الأحد “أعتقد أن الأمر ليس إلا تحويرا. صرف الأنظار عن التدخلات الخطيرة جدا جدا لقوة أجنبية في ديموقراطيتنا”.

أما زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب نانسي بيلوسي فاعتبرت على قناة “سي أن أن” أن الروابط “السياسية والمالية أو الشخصية لدونالد ترامب مع روسيا، هي الحقيقة التي نريد معرفتها”.

ويأتي الجدل الجديد بعدما حظي ترامب بقبول واسع بين الطبقة السياسية وبعض المنابر الصحفية اثر خطابه الذي وصفه البعض “بالرئاسي جدا” يوم الثلاثاء 28 فبراير أمام الكونغرس.

  تحول بعض وسائل الإعلام عن سياسة العداء لترامب جاء بعد أن كان الرئيس الأميركي قد إتهم يوم الجمعة 24 فبراير مكتب التحقيقات الفدرالي “أف بي آي” بالعجز عن وقف تسريبات تضر بالأمن القومي، بينما هاجم الإعلام بشدة وقال إنه ينقل الأخبار الزائفة عن مصادر مجهولة ويعمل على تقويض سلطة الشعب.

وقال في مؤتمر عام لـ الحزب الجمهوري إن الصحفيين والمحللين السياسيين عملوا على إقناع الأمريكيين بأنه لن يفوز في الانتخابات الرئاسية “ولكن الشعب أظهر أنهم مخطئون تماما”. وكرر ترامب أنه ماض في مقارعة الإعلام الزائف كونه عدو الشعب حيث يختلق الأخبار ويجري استطلاعات خاطئة تفضي لخطاب مزور.

وكان ترمب وصف مؤخرا وسائل الإعلام التقليدية الكبرى بأنها “عدوة للأمريكيين” واعتبر مستشاره المقرب ستيف بانون أن الإعلام هو المعارضة.

وفي خطوة غير معهودة، انتقد ترامب ما سماه عجز “أف بي آي” عن وقف تسريب معلومات متعلقة بالأمن القومي من داخل الجهاز نفسه إلى الصحافة، وقال في تغريداته الصباحية المألوفة “أف بي آي عاجز تماما عن وقف مرتكبي التسريبات حول الأمن القومي المندسين في حكومتنا منذ وقت طويل”.

وأضاف “لا يمكنهم حتى العثور على مسربي المعلومات داخل “أف بي آي” نفسه. إن معلومات سرية تسلم إلى الإعلام، ما يمكن أن يكون له تأثير مدمر على الولايات المتحدة. اعثروا عليهم الآن”.

وجاءت هذه التغريدات بعد أن بثت شبكة “سي أن أن” صباح الجمعة تقريرا يفيد بأن “أف بي آي” رفض مؤخرا طلبا من البيت الأبيض لنفي تقارير إخبارية تحدثت عن اتصالات أجراها أعضاء في فريق حملة ترمب مع عناصر في أجهزة الاستخبارات الروسية خلال 2016.

واستندت الشبكة التلفزيونية في تقريرها إلى “عدد من المسؤولين الأمريكيين المطلعين على الملف طلبوا عدم كشف أسمائهم”.

فضيحة جديدة

  توالت الهجمة الشرسة للصحافة الأمريكية على إدارة الرئيس دونالد ترامب عندما تم الكشف مجددا فجر السبت 4 فبراير عن وثائق رسمية جديدة تفيد ان نائب الرئيس استعمل بريده الشخصي في مراسلات حكومية رسمية وهي نفسها العملية التي وجهت فيها الإتهامات للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلنتون.

 وكشفت وثائق رسمية أن نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس استخدم بريده الإلكتروني الشخصي في مراسلات رسمية عندما كان حاكما لولاية إنديانا، رغم مطالبته بجانب الرئيس دونالد ترامب، على مدار أشهر الحملة الانتخابية الرئاسية، بمحاكمة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون بسبب استخدامها لبريدها الشخصي عندما كانت وزيرة للخارجية.

 واتهم بينس كلينتون بعدم الأمانة وتهديد الأمن القومي الأمريكي، وقال بينس إنه “يجب التحقيق في ذلك لأنه أمر خطير ولا يوجد أحد فوق القانون”.

وحصلت صحيفة “إنديانا بوليس″ على 30 صفحة من رسائل بينس، بموجب طلب سجلات رسمية، من حاكم الولاية الحالي إيريك هولكومب، الذي رفض تسليم الصحيفة باقي الرسائل، مبررا ذلك بقانون الولاية الخاص بالكشف عن السجلات الرسمية، الذي يتيح للمسؤولين عدم الكشف عن وثائق تناقش تشكيل السياسة العامة.

وكما حصل مع كلنتون تعرض بريد بينس للقرصنة، في ربيع سنة 2016، وتم إرسال رسائل من بريده تقول إنه تعرض للسرقة خارج البلاد ويحتاج بعض الأموال، بحسب ما أكده مسؤول تابع لبينس. وأوضح المسؤول حسب متابعة نشرتها سي إن إن  أن بينس قام بفتح حساب بريد شخصي جديد بعدها.

ترامب بين تهديدات الإنقلاب السياسي والإقالة: صراع الأجهزة يضع الولايات المتحدة في مفترق طرق خطرة

خطر الصراع الداخلي

كتب زياد حافظ أمين عام المؤتمر القومي العربي يوم 24 فبراير 2017:

  تتسارع الأحداث في المشهد السياسي الأمريكي بشكل ينذر بتطورات خطيرة جدا تهدد استقرار الولايات المتحدة ومعها العالم أجمع. فإذا كان فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في شهر نوفمبر 2016 زلزالا سياسيا في المشهد الأمريكي وحتى العالمي فإن النخب التي كانت متحكمة في مفاصل السلطة في الولايات المتحدة لم تقبل ولم تستسلم للواقع الجديد. وبات واضحا من أول يوم بعد الانتخابات أن ما يسمى بالدولة العميقة ستجهد لجعل ولاية ترامب صعبة، هذا إذا ما كتب لها البقاء. فهناك من يتكهن أنها لن تتجاوز مئتي يوم حسب موقع “انرفورماشيون كليرينغ هاوس” الواسع الانتشار. فالدولة العميقة أعلنت الحرب على ترامب لإسقاطه دون الانتظار أو حتى التفكير بترويضه. فعلى ما يبدو اعتبرت الدولة العميقة أنه غير قابل للتطويع وإن كان ميله الطبيعي عقد الصفقات. فلا صفقات معه والمعركة على ما يبدو ذاهبة إلى النهاية.

الدولة العميقة اليوم يتصدرها مجمع مؤسسات الاستخبارات ضمن المجمع العسكري السياسي الأمني والمالي. واليوم يمكن إضافة السلطة الرابعة، أي الاعلام المهيمن إلى ذلك التحالف حيث أسقط الاعلام أي زعم بالمهنية وأخذ بتصنيع الأخبار الكاذبة حول ترامب. بالمقابل يعتبر ترامب أن “الاعلام هو العدو”. ويجب الاعتراف أن ترامب سهل ويسهل إلى حد كبير مهمة خصومه بسبب تسرعه في اتخاذ القرارات ثم التراجع عنها وكأنها ستكون دون أي تأثير. وهذا ما يجعل هدفه في “تجفيف المستنقع″ مهمة في غاية الصعوبة لشراسة أرباب “المستنقع″ وخفة الرئيس الأمريكي في اتخاذ القرارات.

وبالفعل، ارتكب الرئيس الجديد عدة أخطاء متتالية ساعدت الاعلام وأجهزة الاستخبارات على خوض حملة ناجحة ضده وكأنه عاجز عن الرد حتى الآن. وليس في الأفق ما يدل على إمكانية رد فعال غير المكابرة في الكلام أو التراجع الموقت. أما الأخطاء التي ارتكبها عديدة: أولا ما زال يعتبر نفسه في مرحلة الحملة الانتخابية ولم يستوعب أنه أصبح الآن في الحكم. فما زال يطلق مواقف لا تتجاوز مرحلة الشعارات، أي دون دراساتها بعمق وخاصة تداعياتها وسرعان ما يقوم بالتراجع عنها.

الخطأ الثاني هو عدم اعداده لفريق عمل متجانس يمكن الاتكال عليه. فالتسميات لمناصب عديدة أثارت العديد من الجدل خاصة فيما يتعلق بأمرين: أولا التناقض مع شعاراته الانتخابية بأنه يمثل الشعب وأنه سينقل السلطة إلى الشعب كما صرح في خطاب القسم، وإذ يعين العديد من أصحاب المليارات في وزاراته. وثانيا، يفتقد العديد من هذه أصحاب هذه التعيينات الحد الأدنى من الكفاءة في علم إدارة الدولة أو الشأن العام، أو أنهم يمتلكون تصورا لما يمكنوا أن يقوموا به.

فوزيرة التربية بتسي ديفوس نالت على موافقة مجلس الشيوخ بشق الأنفس بسبب قلة خبرتها وحنكتها رغم أنها كانت رئيسة فرع الحزب الجمهوري في ولاية ميشيغان، وهي ومن أصحاب المليارات وشقيقة أريك برنس مؤسس إحدى أكبر الشركات الأمنية في العالم “بلاك واتر”. الجدير بالذكر أنها لم تكن من أنصار ترامب واعتبرت أنه لا يمثل الحزب الجمهوري فكيف تمت تسميتها من قبل ترامب؟. أو هل هناك جهة أخرى داخل الفريق المقرب من ترامب تقترح الأسماء دون التعمق في خبرة المرشّحين وكأنها تريد إفشاله؟.

المرشح الثاني الذي اضطر إلى الانسحاب هو المرشح لمنصب وزارة العمل اندرو بوزدر وذلك بسبب عدم كفاءته. مثل ثالث على عدم كفاءة فريق العمل داخل الإدارة تعيينه لشون سبايسر كناطق باسم البيت الأبيض الذي يتخبط بالتناقضات والمعلومات الخاطئة أو الناقصة. يرافق كل ذلك أخبار وتسريبات عن صراعات داخل البيت الأبيض بين فئات متخاصمة تسعى للتأثير على الرئيس ما يزيد من البلبلة والغموض حول آليات العمل داخل الإدارة الجديدة في البيت الأبيض. هذه بعض الملاحظات حول فريق العمل الجديد ويمكن الاسترسال في الأمثال لتأكيد ما أوردناه.

ومن الهفوات القاتلة في التعيينات تعيين مايك فلين كمستشار الأمن القومي الذي أربك الرئيس الأمريكي ونائبه مايك سبانس بسبب معلومات ناقصة لم يفصح عن كاملها ما أفقده ثقتيهما به. وقضية فلين تنذر بإعادة سيناريو إسقاط نيكسون في السبعينات من القرن الماضي حيث بادر بعد النواب والشيوخ في الكونغرس إلى طرح ضرورة تحقيق من قبل محقق مستقل لمعرفة ما كان يعلم ترامب من محادثات بين فلين والروس. لسنا متأكدين أن هذه الحملة قد تنجح بإطاحة ترامب ولكنها قد تضرب مصداقيته على الصعيد الدولي. وقد تجلى ذلك من النتائج المحدودة للزيارة الأولى لوزير الخارجية الجديد ريكس تيللرسون ولقائه مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

لكن رغم كل ذلك فما زال ترامب يتمتع بشعبية كبيرة تقارب أكثر من خمسين بالمائة ما يغيظ خصومه. فمعهد رساموسن لاستطلاع الرأي العام، والمعروف بجدية ودقة استطلاعاته، نشر استطلاعا منتصف فبراير يدل على مدى موافقة الجمهور الأمريكي على سياسات ترامب. والأهم من ذلك، جاء في ذلك الاستطلاع أن الجمهور الأمريكي يثق أكثر بترامب مما يثق بأخبار الاعلام المهيمن، أي بمعنى آخر أن مصداقية ذلك الاعلام لدى الجمهور الأمريكي مشكوك بأمرها. كما أكد ذلك الاستطلاع عدم رغبة الجمهور الأمريكي بالتورط في قضايا خلافية خارجية. من جهة اخر فإن استطلاعا آخرا قام به موقع “يوغوف” حول التهديدات الخارجية كما ينظر إليها الجمهور الأمريكي أبرز أن روسيا تأتي في المرتبة السادسة 22 بالمائة، وراء كل من كوريا الشمالية 57 بالمائة في المرتبة الأولى، ويليها كل من إيران 41 بالمائة، وسوريا 31 بالمائة، والعراق 29 بالمائة وأفغانستان 23 بالمائة. لكن جميع هذه الاستطلاعات، باستثناء الخطر الكوري الشمالي تفيد أن التهديد لا يتجاوز الخمسين بالمائة عند الجمهور الأمريكي. فكل الكلام الإعلامي ولرموز الاستخبارات أن روسيا هي الخطر الأول يتعارض مع رأي الأمريكيين.

لكن بات واضحا أن الانفصام بين النخب والجمهور العام الأمريكي يتزايد. لذلك نرى “التقدميين الليبراليين” في الولايات المتحدة يدعون إلى ابتكار الوسائل الفاشية كعدم السماح لإعطاء رأي مخالف لرأيهم. كما أن هذه الجوقة من “التقدميين الليبراليين” يدعون إلى تصعيد المواجهة مع روسيا والصين. فسخرية القدر هو تبدل المواقع بين المحافظين التقليديين والذين كانوا من “الصقور” وبين الليبراليين الذين كانوا يبدون اعتراضهم على المغامرات الخارجية الأمريكية. فمنذ ولاية كلنتون أصبحت النخب الأمريكية بمختلف تشكيلاتها تؤيد التدخل الخارجي واليوم متحالفة مع صقور الأمس من الجمهوريين في إعادة أجواء الحرب الباردة. وما يؤكد ذلك هو استطلاع آخر أجرته مركز المصلحة الوطنية بالاشتراك مع مؤسسة كوخ حيث تبين أن 69 بالمائة من الأمريكيين أن المصلحة الوطنية هي التي يجب أن تحرّك السياسة الخارجية وليس المواقف العقائدية تجاه الصين أو روسيا. كما أن نشر الديمقراطية في العالم عبر القوة العسكرية كما يتمناه المحافظون الجدد والمتدخلون الليبراليون لم يحظ على 24 بالمائة من التأييد بينما الأكثرية خالفت ذلك التوجه.

تحالف مراكز الاستخبارات الأمريكية مع الاعلام الأمريكي أطاح بمايكل فلين. ولكن هل يستطيع ذلك التحالف في الاستمرار في هجومه على الرئيس الأمريكي للوصول إلى إما تنحي الرئيس أو إسقاطه في الكونغرس؟ وماذا ستكون ردة الفعل الشعبية؟. الانقسام الحاد بين الأمركييين من جهة وبين النخب الأمريكية وجمهور ترامب يساهم في ضرب تماسك النسيج الاجتماعي خاصة مع تفاقم الأزمة الاقتصادية. من الواضح أن النخب لا تكترث إلى حال المواطن الأمريكي العادي وتريد أن تصور وتتصور أن معظم الامريكيين يؤيدونها في صراعها مع ترامب. من يتابع وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية يكتشف مدى حدة الانقسام الذي يحاول أن يخفيه الاعلام المهيمن. والاستمرار بالصراع المفتوح ودون ضوابط ينذر بالتحول إلى مجابهة شعبية مع أنصار ترامب الذين لا يقل عددهم عن نصف الناخبين. لم نصل إلى تلك المرحلة ولكن هناك العديد في الولايات المتحدة من يعتبر أن احتمال حرب أهلية أصبح واردا.

أجواء الحرب الباردة ضرورة حيوية للمجمع العسكري الصناعي. ففي عصر التراجع الاقتصادي تزداد الضغوط على الحكومة لخفض النفقات العامة. ولكن ما لا يمكن تخفيضه بالنسبة للمجمع العسكري الأمني الصناعي هو نفقات الدفاع والأمن الذي يحظى بتأييد الجميع. يبقى تخفيض نفقات الخدمات الاجتماعية وهذا يمس مباشرة مصالح الجمهور الأمريكي. فأصحاب المليارات الذي يتولون مناصب في إدارة ترامب مهمتهم تخفيض نفقات الإدارة وخاصة في البرامج الاجتماعية والتربوية والبيئية والصحية ولكن دون المس بالدفاع والأمن.

وفقا لهذه المعطيات فإن إدارة ترامب مقبلة على اتخاذ قرارات تمس برفاهية المواطن الأمريكي. هناك أحاديث حول إعادة هيكلة الضمان الصحي للمتقاعدين. كما أن الحديث عن إبطال قانون التغطية الصحية الذي أوجده الرئيس أوباما والمعروف “باوباماكير” يتفاعل في الكونغرس رغم الصعوبات في إبطاله. الاوليغارشية الأمريكية أصبحت تحكم بشكل مباشر الولايات المتحدة بينما كانت توظف سياسيين لذلك الغرض. الغريب أن الهجوم على ترامب لا يتناول بشكل ملموس الأجندة الداخلية التي قد تكون في الحد الأدنى مطابقة للنيوليبرالية التي بدأت في الولايات المتحدة في عهد ريغان وتصاعدت في عهد كلينتون لتصل إلى ذروتها في عهد أوباما. الخلاف هو حول الأجندة الخارجية حيث ترامب أعلن في حملته الانتخابية عن رغبة في “تحسين العلاقات” مع روسيا وعدم التورط في حروب لا تخدم المصلحة الأمريكية كما يفهمها هو.

فما هو مستقبل سياسة ترامب، على الأقل بالنسبة للشعارات التي رفعها؟ من الواضح أن المجمع العسكري الصناعي ومعه الإعلام المهيمن ربح جولة كبيرة في إبعاد مايكل فلين ولكن هل كانت حاسمة؟ النتيجة الأولية هي إضعاف مصداقية الولايات المتحدة في المحافل الخارجية. المؤتمر الأمني الأخير الذي عقد في ميونخ خلال الثلث الأخير من شهر فبراير تحدث عن الخطر الروسي الذي يهدد كل من الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. الجدير بالذكر أن نفقات وزارة الدفاع الروسية في حدود 66 مليار دولار بينما معظم الدول الأوروبية تنفق أكثر من روسيا على الدفاع فكيف تحولت روسيا إلى تهديد حيوي لأوروبا؟ هذا التهديد هو ما شدد عليه الشيخ الأمريكي جون ماك كين على هامش المؤتمر مخالفا بالتالي موقف ترامب. صحيح أن وزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين تكلما عن تهديد روسي ولكن بشكل غير مقنع. فأين يقين الموقف الأمريكي؟ الأسابيع المقبلة ستحمل بعض الأجوبة ولكن في اعتقادنا فإن إدارة ترامب ومعها الولايات المتحدة دخلت مرحلة لا توازن ولا استقرار وحالة ضعف خطيرة قد تطول طالما لم تستوعب النخب مدى عمق التغيير الحاصل في المجتمع وضرورة الانصياع إلى ذلك الواقع الجديد.

ترامب بين تهديدات الإنقلاب السياسي والإقالة: صراع الأجهزة يضع الولايات المتحدة في مفترق طرق خطرة

هل هي بداية نهاية ترامب؟

 إذا كان البعض يتوقع أن ينتصر ترامب على خصومه، فإن آخرين يقدرون العكس.

 يوم الجمعة 3 مارس 2017 نشرت صحيفة الإندبندنت البريطانية موضوعا بعنوان “الوضع سيئ في البيت الأبيض وهذه قد تكون بداية نهاية ترامب”.

تقول الصحيفة إن الرئيس الأمريكي أقدم على تغيير مواقفة بخصوص الكثير من الملفات في طريقه للوصول إلى منصبة كرئيس للولايات المتحدة. وتوضح أن ترامب غير رأيه أكثر من مرة في عدة موضوعات أبرزها منها ملف “الرعاية الصحية أو أوباما كير” وملف إبعاد المهاجرين وغيرها.

وتضيف الجريدة أن اهم النقاط التي ركز عليها ترامب خلال حملته وصدقه الناخبون بخصوصها هي حرصه على تطهير المؤسسة السياسية الامريكية من الفساد، طارحة تساؤلا حول كيفية تصديق الناخبين لأن ملياردير العقارات الذي يدير صفقات بالمليارات يمكنه حقا أن يطهر البيت الأبيض من الفساد.

وتقول الجريدة إن ترامب بدلا من القضاء على الفساد بعد نحو شهرين في المنصب وجدناه فقط يقوم بالاستعراض امام الكاميرات.

وأضافت أن ترامب إن لم يقم فورا ببدء التطهير الذي وعد به وتنظيم الفوضى التي أسسها فإننا في الغالب سنراه يحزم حقائبه ويغادر البيت الأبيض قبل حلول موعد الانتخابات المقبلة عام 2020.

وتقول الجريدة إن ترامب حتى الآن يواجه أكثر من 40 قضية حركت ضده في المحاكم وأغلب القرارات الإدارية التي يصدرها يتم منعها بأحكام قضائية كما أن مساعديه يتساقطون كما يتساقط الذباب ومؤخرا أمسك المشاهدون بأحد مساعديه يكذب امام الكاميرات وهو تحت القسم وعلاوة على ذلك يعد حزب ترامب أكبر أعداءه.

وتخلص الجريدة إلى أنه في كل مرة يعتقد البعض أن ترامب وصل إلى أسوأ وضع ممكن يتضح انهم أخطأوا فوضعه يزداد سوءا مع مرور الوقت وإن كان ترامب يرغب في الاستمرار في منصبة حتى نهاية مدته عليه ان يحرص على تجميع قاعدة مؤيديه والتصرف بحرص شديد.

كما حذرت الجريدة من ان الجمهوريين يمكنهم أن يتحملوا بعض الأكاذيب لفترة محدودة وبعدها سيفقدون صبرهم تماما وحينها يمكن ان يحدث أي شيء.

ترامب بين تهديدات الإنقلاب السياسي والإقالة: صراع الأجهزة يضع الولايات المتحدة في مفترق طرق خطرة

بوتين حذر من انقلاب

 مصادر رصد أوروبية تتبع بشكل وثيق التطورات التي تجري في الولايات المتحدة، أشارت مع إحتداد المواجهات حول ترامب إلى أن موسكو كانت قد ح\رت في وقت مبكر من خطورة الأوضاع. فيوم 17 يناير 2017 قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن المنافسة السياسية الحادة في أمريكا مستمرة، مضيفا أن ذلك يترك ليه انطباعا باستعداد قوى معينة لتنظيم انقلاب على الرئيس المنتخب دونالد ترامب.

وقال بوتين، الثلاثاء 17 يناير، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره المولدوفي، إيغور دودون، الذي كان يزور موسكو: “نشاهد استمرار المنافسة السياسية الحادة في الولايات المتحدة على الرغم من انتهاء الانتخابات الرئاسية بفوز ترامب الذي لا مجال للشك فيه”.

واعتبر الرئيس الروسي أن وراء هذه المنافسة أهدافا عدة، بات بعضها واضحا للعيان. وأوضح أن الهدف الأول هو زعزعة شرعية الرئيس المنتخب على الرغم من الخسائر الهائلة التي تلحقها هذه المنافسة بالمصالح الأمريكية.

وأضاف: “يترك ذلك انطباعا بأنهم، بعد البروفة في كييف، مستعدون لتنظيم “ميدان” خاص بهم في واشنطن، من أجل منع ترامب من تولي مهام منصبه”.

أما الهدف الثاني لهذه المساعي حول رأي بوتين، فهو تكبيل يدي الرئيس المنتخب ومنعه من تنفيذ التعهدات التي قدمها خلال الحملة الانتخابية بشأن السياسية الداخلية والخارجية.

وأشار الرئيس، في هذا الخصوص، إلى تكرار المزاعم حول تدخل “الهاكرز الروس” في الانتخابات الأمريكية، وتساءل كيف يمكن لترامب أن يعمل على تحسين العلاقات الروسية الأمريكية على خلفية مثل هذه الهجمات، على الرغم من كون كافة المعلومات التي كشف عنها “الهاكرز” حقيقية.

بوتين: مفبركو “المستمسكات” على ترامب أسوأ من بائعات الهوى.

وصف بوتين توجه خصوم ترامب إلى استخدام أساليب الفبركة والتلفيق لتشويه سمعة الرئيس المنتخب، بأنه “حالة فريدة”.

وأوضح قائلا: “استخدام مثل هذه الأساليب ضد الرئيس الأمريكي المنتخب حالة فريدة. ولم يحصل مثل هذا الشئ في التاريخ أبدا. ويدل ذلك على انحطاط النخبة السياسية في الغرب ولاسيما في الولايات المتحدة”.

وشدد قائلا: “تعد الدعارة ظاهرة اجتماعية قبيحة. أما الناس الذين يدفعون مقابل فبركة، مثل هذه المواد التي يتم توزيعها حاليا للإضرار بالرئيس المنتخب، أو يلفقونها بأنفسهم ويستخدمونها في المنافسة السياسية، فهم أسوأ من بائعات الهوى، وليست لهم أي خطوط حمراء أخلاقية”.

واستغرب الرئيس الروسي ما جاء في “التقرير السري” حول “المستسكات” على ترامب، من مزاعم حول لقاءاته مع بائعات هوى في غرفته بفندق أثناء زيارة لموسكو. وذكر بأن ترامب، عندما زار موسكو قبل سنوات عدة، كان بالنسبة لموسكو، مجرد رجل أعمال أمريكي على الرغم من كونه من أغنى أثرياء أمريكا، إذ لم يكن أحد آنذاك يعرف عن وجود أي طموحات سياسية لديه.

وتساءل، قائلا: “هل يفكر أحد فعلا بأن الاستخبارات الروسية تطارد كل ملياردير أمريكي؟ طبعا، يعد ذلك كله هراء”.

وأشار إلى أن ترامب، الذي تولى لسنوات طويلة تنظيم مسابقات “ملكة جمال الكون”، كان يتعامل مع أجمل حسناوات العالم، ومن المستبعد أن يجري مثل هذا الرجل، فور وصوله موسكو، إلى فندق ليلتقي فيه بائعات هوى روسيات.

ترامب بين تهديدات الإنقلاب السياسي والإقالة: صراع الأجهزة يضع الولايات المتحدة في مفترق طرق خطرة

ترامب بين تهديدات الإنقلاب السياسي والإقالة: صراع الأجهزة يضع الولايات المتحدة في مفترق طرق خطرة

صعود وسقوط

المؤرخ الأمريكي بول كيندي صاحب كتاب “صعود وسقوط القوي العظمي” الذي صدر سنة 1987 يؤكد:

اذا زادت الالتزامات الاستراتيجية للدولة العظمي علي امكانياتها الاقتصادية فإنها تسقط‏، بالمعني التاريخي للكلمة‏، بمعني الاضمحلال التدريجي لقوتها‏.‏ وقد دلل كيندي علي صدق مقولته حين اختبرها بالنسبة لامبراطوريات متعددة سبق لها في عصور شتي ان صعدت صعودا بارزا‏،‏ ومارست هيمنتها علي العالم‏، ثم ما لبثت ان لحقتها عوامل التفكك‏.‏

ويجادل كيندي بأن قدرة قوة عظمى يمكن قياسها على النحو الملائم فقط مقارنة بقوى أخرى، ويقدم نظرية حول ذلك: هيمنة القوى العظمى على المدى البعيد، أو في صراعات محددة، لها علاقة قوية بالموارد المتاحة والتحملية الاقتصادية، التمدد العسكري المفرط والأفول النسبي المصاحب هو التهديد المستمر الذي يواجه القوى ذات الطموح والمتطلبات الأمنية التي تتجاوز ما يمكن تقدمه مواردها المتاحة.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

ترامب بين تهديدات الإنقلاب السياسي والإقالة: صراع الأجهزة يضع الولايات المتحدة في مفترق طرق خطرة

ترامب بين تهديدات الإنقلاب السياسي والإقالة: صراع الأجهزة يضع الولايات المتحدة في مفترق طرق خطرة

شارك برأيك

إلغاء الرد