أخبار عاجلة
الرئيسية / slider / تراجيديا وطعنات في ظهر الهواء لمحمد بلمو

تراجيديا وطعنات في ظهر الهواء لمحمد بلمو

آخر تحديث :2020-02-06 14:37:10
رسالة للفن الشاذ لا يقاس عليه.. المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية: ما له وما عليه.. بقلم // ذ. بوسيف طنان
قراءة الأستاذ الباحث الفنان بوسيف طنان

تراجيديا وطعنات في ظهر الهواء لمحمد بلمو

صدر عن جمعية الفكر التشكيلي – مطبعة rvb edition – الطبعة الأولى لديوان الشاعر: محمد بلمو بإيداع قانوني رقم: 2019 M 05149، ردمك: 3 – 646 – 38 – 9920 – 978  تحت عنوان: طعنات في ظهر الهواء.

ديوان جاء ليعزز إصدارات الشاعر الصحفي المهني بعد إصداراته المتنوعة: صوت التراث، عن اتحاد كتاب المغرب (2001) شعر حماقات السلمون، باشتراك مع عبد العاطي جميل (2007) شعر رماد اليقين في طبعتين شعريتين (2013 – 2017)

حمار رغم أنفه باشتراك مع عبد الإله بنهدار (2018) مسرحية في انتظار مولوده المنتظر: خمسة أيام في فلسطين المحتلة (أدب الرحلة)

طعنات في ظهر الهواء ديوان يحتوي على 15 قصيدة، تتصدرها مقدمة رائعة للباحث الجامعي الجمالي الدكتور: محمد الشيكر

في الغلاف:

ديوان محمد بلمو كتاب جيب يمكن للمولع بالشعر أن يرتفقه معه أينما تنقل ليترنم ببعض مقاطعه، يحتوي على قطع قابلة للتلحين للحيوية التي يشملها بين طياته، حيوية يسلطها تصميم الغلاف الذي جاء بلون المداد أو اللون الحجري الذي كنا نردده أيام سلطنة حزب الاتحاد الاشتراكي على الساحة النضالية بالوطن خاصة مع انتشار وصعود كفة اتحد كتاب المغرب قبل استوزار السيد: محمد الأشعري بأقل من جيل، لون الصلادة والقوة، يظم بين ثناياه مدلول البرود والعتمة كشعور قبلي بالألم والعذاب، بالرفض وترديد الأءات المسترسلة مع الأيام والليالي، به خيوط نيرة تكاد تخبو وكأنها نجوم ساقطة بانحرافية موجهة لموطن بعينة، سقوط يعبر في العمق عن المضمون ونفسية الشاعر المتذمرة إلى حد التغني بتراجيديا إغريقية حديثة راسخة في الذهن والوجدان.

غلاف يحتوي على منقصة تتمثل في عدم إيراد اسم المصمم لهذا الغلاف المتضمن للوحة تشكيلية منجزة بأسلوب المونوتيب monotype كأسلوب قادر على التعبير الصريح عن تقنية مضطربة وجد قلقة يعتريها هوس أحداث ووقائع متماهية فيما بينها لتؤسس كيان أنا ضائع بين الحال والمحال، بين الماضي المؤلم والحاضر المتسائل عن غد محكوم عليه بالتساؤل المتعلق بأهداف، وميض يلازم عتمة الموت، وكأن هذا الديوان مؤشر عن مدلول تقريري عن حال صاحبه: التعلق بالفناء، هذا الاتجاه الماسح لكل كيان حي متضارب الأنفاس إلى درجة الانقطاع والمحق، والملاحظة المعيبة الثانية التي انتابتنا ونحن نجوب حديقة هذا الديوان المخملي: عدم ورود ثمن البيع للعموم ولا الرقم التسلسلي أو القن السري الخاص بالبيع والتوزيع وكأنه ديوان مسجل لأهل الإبداع، غير قابل للبيع واستخلاص ثمن طبعه على الأقل، لكني شخصيا أفضل أن يتضمن مثل هذه الإشارات مادام الزمن لا يرحم ويد المنون تخطف عمال الإبداع دون إعلان أو إعلام، والتاريخ شاهد على كل ما نخلفه وراء الأجيال قد تولع مثلنا بالورق والوراق والطبع والطباعة، القراءة والكتابة إن لم تأتي عليها أيادي المنون المنتظرة: العولمة الرقمية.

ديوان طعنات في ظهر الهواء للشاعر محمد بلمو
ديوان طعنات في ظهر الهواء للشاعر محمد بلمو

في التسمية:

من العنوان تظهر الصورة الشعرية الأخاذة التي توحي للمقتني لهذا الديوان أو القارئ له وحتى من يقع بصهره على غلافه الدال على مكنوناته، حيث اللون المدادي يعود بجيل السبعينات إلى ذلك العهد الموغل في البساطة حيث الحبر والمجرة، القمطر والمحفظة المهترئة والأرجل الشبه حافية، أشياء بسيطة أصبحت اليوم بمثابة منبع سعادة وحنين مراهن على عودته بذكرى، إشارة أو شيء يرمز إليه، مهما أنه كان في الأصل مبعث سخرية البعض، وغصة في قلب يكابد مرارة العيش وصعوبة الوصول إلى المدرسة والفصل، لأن الفقر المدقع كان حاجزا بين الرغبة الأكالة في فهم الدروس والكتب والظروف الاجتماعية والعائلية التي تقوض هذه الرغبة وتكاد تعصف بها لولا القلوب الرحيمة التي كانت تجعل من المحال ممكنا، ومن المعاناة لقاحا يدفع نحو المثابرة، الجدية، ونزع المكانة بين الأقران، صراع مرير شبيه بحرب معلنة في السر، حرب هاهي اليوم تسلط عليها الأضواء الشعرية عبر ديوان: طعنات في ظهر الهواء. عنوان يحيلنا على تراجيديا متواترة: محاربة المطاحن الهوائية، فلا الهواء يطحن ولا الحرب حرب، أو بالأحرى مغزى المقولة: تصب الماء في الرمل، فالرمل لا يعترف بكمية الماء التي تصب فيه مادام هو القادر على شربه مهما التكرار. 

عنف متبادل بين الضارب والمضروب، فعملية الضرب الصادرة عن الضارب: الشاعر، عملية تحيل دوما على حركة عنيفة، قادرة على الخلوص إلى ذهن ناقدها: طعنة الظهر – الخصر – البطن – الكتف، مجرد  كلمة لكن تحيلك على صورة أو لقطة مفعمة بسينما الحركة والعنف، والمقابل: المضروب ظهر الهواء، ومادام المنطق يقتضي عدم توفر الهواء على ظهر مادام متماهيا مع الجو والأجواء، غير مرئي، لكنه محسوس دون جسد قادر على منحك منتهى الصورة التي كونتها مع الطعنات، ومن ثم تصبح لديك صورة ذهنية لعملية طعن تشبه رقصة سورية بالخنجر تلك الرقصة الجميلة التي دأب أهل سوريا فلسطين، لبنان والأردن، على الاعتداد بها في كل حفلاتهم كناية على رجولتهم واعتدادهم بنفسهم وتمكنا من بطولاتهم الموروثة.

بلمو عبر هذه الصورة المعقلنة النافذة إلى النفس والموروث يؤسس لتصميم كوريغرافي أخاذ يجذب القارئ المولوع بلذة النص حسب رولان بارث أو المتعة الجمالية المنبعة بتأريخها من نص ينضح بالأبحاث والدلالات، مفعم بالكنايات والمجارات، قادر على أخذ الذات الموغلة في متاهة اللغة وتعابيرها إلى جمال اللغة: البلاغة، هذا التاج الذي يركبه الشعراء ويمتطيه فرسان الكلمة، ليعتلوا منابر وصروح الإبداع الخلاق، بلمو يغوص بنا في جداريات الموت المنفلت والآتي:

جداريات تشكيلية واعدة شاخصة أمام أعيننا المستقرئة لخطوط متعرجة وألوان قاتمة وخوف من الغد، هذا الآتي الذي لم يعد يطمئننا بقدر ما يركب على الخلفية الأخرى للسور حيث الماضي البعيد ذو الفضاءات الرحيمة يشحد هممه وآثاره وأفكاره اللقيطة التي تحتاج لباعث يخرجها من ثنايا الجير أو الإسمنت بين اللبنات المرصوصة للسنوات العجاف التي خضبت ذاكرتنا بدم قان وذكرى تصارع ذكرى بين الأمل والألم، الحب والكراهية، الحكمة والسذاجة، الكل يتزاحم يتراكم، ويتكوم على نفسه كنفايات مزبلة تاريخ لم نشأ تأسيسه ولا النبش فيه، لكن الإحالات لا تغفر لنا زلاتنا المولعة في الردة والتردد، الشحنة العاطفية والحركة الكونية، لنكون أولا نكون إلا ما كنا سنكون في وسط هذا الكون: رمادا أو تيرا

الصورة القاتمة المدرجة في المأساوية، تطل علينا بعد العنوان من خلال الا هداء إلى أريج اسم مفقود يظم أربعة أرحف تكون: فصول السنة، تكون الاتجاهات الأربع، تكون الطبائع، أربعة حروف موغلة في الطيب، تنفح الأنف، تولد الشعور بالخوف من الآتي، هذه الرائحة المفتقدة لابد أن تأتي من ثنايا التراب لتحيي ريحانيتها في النفس، لتصبح زكية، ندية، رقيقة، قادرة على الخلق والإبداع،  على كسر السكون بكلمات الأريج بين روح الكاتب وروح المهدى لها. بين الروح والروح نفح طيب يعري المسكوت عنه: ألطف، هذا القدر الخفي الذي لا يحتمل ولا يتقبله عقل ولا منطق، ولا أصلد القلوب وأعتى العتاه، ومن ثم جاء في تصدير مدخلتيه الشعرية ما يدل أنه متيقن بأنه لا طائل ولا جدوى وراء تكرار المحاولة في محاربة السراب وفعالية الفراغ إذ قال: ” لو طرقت الخزان يا غسان مائة عام – لما سمعني أحد غير الجدران”، إشارة وإحالة إلى المرحوم غسان كنفاني في رحلته عبر الخزان وهو يختنق ويطرق ولا من يسمع صوته حتى مات، فيؤكد الرؤية والصورة بعدها بقوله: “رحلت أريج – انطفأ قلبي- غار الجرح في جرحي- انغلقت سمائي – الحق اكفهرت روحي-  هجر قلبي قلبه – استحال بوحي”

صورة تؤسس لصورة، معنى يحيل على آخر، قتامة أمل دفين ترصها آلام أخرى ليحل الصمت باستحالة الكلام، صعوبة الحوار وهو في الأصل والعمق، كناية على الموت البطيء.

إنها لوعة الشوق للمفقود، يؤسسه: صعوبة الكلام والبوح، كما جاء في قصيدة: “الهمهمات”، قصيدة تلهو بأصابعه، بأعصابي تلعب – الحروق – والكلمات” وهنا تصبح الصورة الشعرية أكثر ذكاءا وتصويرا وكأنها لوحة تشكيلية تتماهى مع زيغ النظر الجامد أمام هول المأساة: فعوض أن تلهو أصابعه، ومن ثم تعصف بمشاعره لتنهار أعصابه التي تلعب بها الحروق، وكأنك ترى حروف اللغة أصبحت ذات كيان واضح المعالم، له القدرة على اللعب بتشييء ما لا يمكن تشييئه: الأعصاب، هذه الخيوط والذرات، هذه المادة، الأيونات، والأصباغ الصبغية والمواد الكيماوية والملحية، الماء والزيوت… هذه المادة المعروفة المبنى والمعنى، الغير قادرة على مدارات النوائب بمسح الشوائب وتخطي حاجز اليقين بأن القوة الداخلية ترتكن على كل باق، واه بسيط، ” ضوء ضئيل يزعج الظلام” صورة أخرى تصور بريق أمل يحارب الظلام، ضوء يطعن الظلمة، يحاول أن يحدث شرخه القوي في السديم الروحي الموغل القتامة.

وبهذا يكون الشاعر: بلمو قد امتهن الكتابة الشعرية الموغلة في البصريات، وكأن فنان تشكيلي عوض الريشة والألوان بالحروف والكلمات، كما يدعم ذلك بقوله: ” كلما التفت سألتني النوافذ – عن حال حروف سقطت –  في حرب المجانين – عن لوحات فنان أصاب القصف ما قبل الأخير ورشته- وهل سوى المغني كمانه يوم ثار في وجه العسكر – وعبثوا بأغنيته”.  

حركة عنيفة التصوير تعصف برتابته وهو يقتعد الكتابة لاقتناص الحروف الهاربة من جوفه المغلف بالتنك القابل للقرع عند مصارعة الحروف الجارفة القوة لكيانه المطمور بين ثنايا حب موؤود وعهد مسود وعمر مقدود ما ينفع معه وعد ولا وعيد ولا تكالب حماسة أو رغبات نسيان عاصف. 

ماذا سيحدث إن فعلا سقطت الحروف في حرب المجانين وتكون النوافذ هي السائلة؟ أليس هذا عته مبيت؟ ظلام مقيت يعصف بنورانية العقل المضيء في درب الحياة، أليس هذا هو الموت اللامرغوب فيه؟ إنه الفنان والورشة، كينونة مبدع نسفتها أحداث ووقائع كما تنسف ورشة رسام على أيدي قاصف غير معلن الهوية أضاع الجمال، أضاع الفن: اللوحات.  

“أيها الهادئ في ثغور العمل وفي حقول كدحي – ينتشي قتلة الأمل” تأتي في منهج مولع في العتمة والسوداوية المريرة حيث الامية المعبرة عن الرفض، للأم مأخوذة من مبدأ: لا، تصرخ ملأ الرئة بأن المفقود غير محتمل فقدانه والضياع لا يمكن مجارات وقعته، حين يتوج الخبث – ينكسر الصفاء – على إيقاع المتبذل- وأنا أثور على نفسي ولا أزل…”.   

القصيدة الامية 2012، توحي في العمق أنها: تأتي ضمن سياق مجموعة من لاميات سابقة، لاميات ترفض الأمر الواقع، تهرب من جحيم الفراغات الممحصة في كل ذكرى غير قادرة على إحياء المحتفى باستحضاره مهما الغياب الأبدي،”ما أبهاك صغيرتي – لأنك مثلي – لا تهزك ضوضاء الوقت – لا تحرك أهدابك – أضواء فاقعة خائفة من  حكمة الأزل – من ريح مفاجئة لجيوش الكسل”.

هكذا يتيه بنا سيزيف الكلمة المدارية للحرب القدرية، التي تداريها الكلمات والجمل الشعرية ليبين لنا أن الطعنات الموجعة جعلته يمتطي صهوة فرس الحروف ليحارب الهواء المغتصب لروح تشبع بحضورها، وأسست بغيابها حضورا أكثر قوامة ونصرة للعواطف الجياشة والقلب الرهف، المفعم بالحساسية. 

الشاعر المغربي محمد بلمو
الشاعر المغربي محمد بلمو

بلمو كجورج براك أوكاندانسكي يوغلنا في التعبير المجازي حيث الفن التشكيلي المفعم بالحركة المتماهية مع الخطوط والألوان وعلم الدلالة يطفح لينسف المنطق الذي نرى به الأشياء ونسمي به المسميات، حركية ذؤوبة تشد الأنفاس لطلاقتها وهواها البارد الساكن للفرائض، فهو لا يكتب القصيدة كالمعتاد بل يرسم قصيدة تشكيلية بارعة النظم، موغلة في الإحالة والرمزية قادرة على توليد منظومة بصرية يروضها بحروفه الجارفة لمشاعر المتلقي المحب للكلمة الصادقة، العفيفة، الرحيمة المنشأ والمنبت، شعر بلمو يضاهي فطاحلة الشعر الحر الحديث، ينحو بنا نحو منبت الكلام المقفى ليمكننا من نزع شتلات قادرة على النمو بأريحية في مخيلتنا وموروثنا البصري، لأخذ مقر دائم لا محيد عنه.

 

” ما أبهاك صغيرتي – لأنك مثلي – هشة – رخوة- كأن الكون كله – لا يقوى على تنهيدة، قلبك المشتعل”، هكذا يفضح لنا عن كينونته الضائعة بين الخجل المحبط لعزيمة أردتها الهشاشة سرابا بحرقة حب صحيح ماهو بالمفتعل، ”وأنا الآن – عار تماما- أضحك في وجه الحزن المر- أقاوم أمواج الخلل”، فراغ أضاع منه صوابه إلى درجة عدم قدرته على معرفة ومواجهة هذا الفقدان المسبب لخلل في ذاته. 

” لم يا صغيرتي – لا تدثريني بالدفء – المصادر بالشعر المرتجل – أنا لازلت أنتظر قدومك – لدياري الهالكة – في أعلى الجبل”. 

هكذا تساق العواطف الجياشة والمشاعر الجارفة المعبرة عن أسى وألم وليد فراق جاء على غفلة ودون حسبان، ليخلق للشاعر عالما انطوائيا موغلا في مباحث وجودية مستقرئة للأحقية بالوجود: عبر الكلمات والحروف، عبر أنشودة تترنمها الروح.

تكبر الغصة ويتجدد الألم في قصيدة: عودي أريج لكي نرقص، حيث وتيرة العذاب تتصاعد “والآن – من ينتشلني. من ضبابي – من عذابي – من غيابك المر وتسونامي الحنين”

” من ذا الذي- لم يمهلك- أريج البعيدة- في القصيدة- كي تطفئي شمعتك الأولى”

ألم وعذاب ومرارة تناطح بعضها البعض في حروف تجرف سامعها وقارئها تذوب القلوب الرقيقة المجبلة على العطف والحنان والحب والكرم الوقتي، إنها النبرة الخانقة للقصيدة الموؤودة الجمل الطافحة بالتقطيع حيث الكلمات تتلو الكلمات عوض الجمل الموسيقية تصاحب أخواتها لخلق ترنيمة قلب منهوك، كلمات وراء كلمات تصور لنا نفسه المقطوع وكأنه مصاب بالربو الممكن إيقاف نبضه وفضح جموده، “كم عليك أن تصمدي أريج – كي تصمدي كي لا يقتلني كمدي كي لا يستسلم كبدي – وأنا الصبور اللدود – المنبوذ العنيد – الأجير المؤقت العاري”

ينتقل الديوان من طعنات الفقيدة أريج إلى طعنات قدر العروبة، فالديوان يجمع بين تاريخ قلب مفطور من حب أبوة شاء القدر أن ينعم بها لفترة زمنية لم يكتمل نضجها وتسعف قلبه باستكمال كينونتها وما كان ينتظر من الحياة إزاءها، لطعنات دهر تصور الكيان الصهيوني ومن معه من ممتهني الاغتصاب والعبث بالحقوق ليس في فلسطين فحسب بل في العديد من بواطن الأرض الرازخة تحت ذلهم وغدرهم.

ففي قصيدة: طعنات سحيقة: ”هذا الهواء المتعب – هل تعرفوه – هل تسمعون أنينه. حين تستنشقوه – مكشوف الظهر – باسم الحضارة – الحقارة – القذارة – تطعنوه- يا كلاب الرأسمال المجنون – كم مرة خنتم الماء – كم مرة سحلتم السماء – على دخان مهازلكم – كي يضحك الثقب – كي يشهق الجرح – يتعنكب الألم”. 

” يلعب العالم بالقتلى – كأن الفرجة من جحيم – والألوان تكلى”، ”ما أكثر الأتقياء- وفي المحن – شماتة في حسائك – نقع في مراياي – مسامير في حذائي”. 

” كفرت بلغوهم كفرت بدهرهم – كفرت بالصداقة – وبالأناقة – وبالعلاقة – كفرت باليمين وبالوسط وبالحصار”. 

” بئس الذين صادقتهم يوما باسم البلد – وما ولد وأنا ابن كل الأرض وما وجد – وأنا ابن كل الأرض وما وجد”. 

هكذا يرى بؤسه فيمن لا مصداقية لهم فيمن عاهدوه وعاهدوا الناس به من أقوال بلا أفعال، جيلا بعد جيل حتى صار الألم حصالة قلوب نيرة كانت بالأمس حالمة بالأخلاق الحميدة والمحبة الدائمة والصدق الموثوق في الصديق والرفيق وحتى هاته الأرض التي تشبعنا بتربتها في انتظار الوعد الأخير مادام السر كل السر: في العدم. 

” أحبتي وراء قضبان الألم – لا سلاح لكم – غير جوعكم لا عرب في خندقكم – لا عجم.” 

أنتم الأحرار – في سجون الجلادين – ونحن عبيد طلقاء – فوق أرض ينهش لحمها الندم”.  

جثث تأكل جثث – تقتل جثث – وعلى بياض الجرائد – يغزو حدثها الحدث. وأنت يا بطل الكرامة – بجوعك تعبر جسر الحرية – ولا تنتظر أحدا كي تموت – لا تنتظر أحدا كي لا تصيبك – لوتة العبث”، كلام يجمع بين الطوبية والسخرية من هذا القدر المقدر علينا دون إعلام وكأننا خلقنا لهذه المتاهة التي ما اختارتها سليقتنا ولا طعمة الروح السارية في قلوبنا المتذمرة على طول الوقت، في انتظار من يحييها ببسمة، بكلمة أو عبارة شاعرية قادرة على مسح سبورة أحلامنا الملطخة بلألم، شعرية بلمو: إن لم تتحفنا بالموسيقى الداخلية فهي قادرة على زعزعة كياننا بقصف دموي قادر أن يحيي فينا نخوتنا ويعيدنا لماضي عتيد كانت فيه الشهامة عنوانا للرجولة، للإنسانية، للصدق والمصداقية، فالكلام الحر المبين على صدق النية والطبع، حتما سيوقظ فينا ما نام، وما الشعر إلا: آلة من آليات مداراة الفرد لهواجسه وأفكاره إحياء لشعورة وروحه، عالم طوبوي يخرجنا من فضائنا المعتم السحيق ذو القوة القهرية، لألا نلوم أنفسنا فحسب بل العالم البئيس الذي يضمنا مرغمين.

”صدقوني – أنا لا أكتب – أحاول أن أشعل القلق في القضبان – والخوف في القيود – والضوء في الدهاليز – المقفرة – كي تنبعث من حروفي – رائحة البارود – نيران المدافع – لأن تجار الحروب – لا يريدون السلام – أن يحط يوما على هذه الأرض”. 

كلام مولع كنيران أتون في قلب رهف يتماهى مع الأحداث والوقائع التي لا تتوقف وكأن الخلق لا يهوى إلا مصير الذمار وسفك الدماء، واللعبة السرمدية لن تنتهي إلا بانتهاء تجار الشر والمكر والضحك على الذقون. 

”صدقوني – أنا لا أكتب – فقط – أعلن النفير – في استعارتي – كي أقف في وجه ظالمي”، هكذا نراه بجلده وصبره يقاوم تعاسة القدر، بأسئلة تحيل إلى أسئلة، ومسلك الحياة لا يتأتى إلا بها وعبرها، حيث الممكن والمستحيل يتقاسمان روح الكلمة، هذا المجال الخصب المشبع بالمعاجم القادرة على خلق طفرة تواصلية قادرة على تحدي الصمت القابع في أرواحنا، ”عندما أموت – أمشي وحيدا – إلى المقبرة – في الصباح أحيانا – في المساء – اختار ربوة – صغيرة – أدفنني واقفا – مثل شجرة – أغرس البحر في جبهته – والزعتر في قدمي – وفوق رأسي قبرة”

هكذا انتهى بي المطاف للبس لبوس هاته المجازات الحربية المسماة شعرا: طعنات في ظهر الهواء، فأردتني مثله: هواء مطعون، بطعنات قصائد، من شأنها أن تمنحني كما منحته: نفسا طويلا للاستمرار في الصمود معولا على الصبر الفريد. 

قراءة الأستاذ الباحث الفنان بوسيف طنان

(Visited 170 times, 1 visits today)

عن العلم

العلم

شاهد أيضاً

المغرب يبرم اتفاقية شراء اللقاحات ضد كورونا من الشركة المنتجة

وقع وزير الصحة، خالد آيت الطالب، اليوم الجمعة، مذكرة تفاهم لاقتناء لقاحات ضد كوفيد-19 تنتجها شركة "إر-فارم" بترخيص من مجموعة "أسترازينيكا".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *