بالوجه المكشوف: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة

بالوجه المكشوف: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة

  • بقلم // زكية حادوش

ليس في نيتي في هذا الركن التقليل من هيبة القضاء ولا القضاة في بلادنا، لأنهم يصدرون الأحكام باسم جلالة الملك (ودستور المملكة واضح فيما يتعلق بالاحترام الواجب لشخص الملك) ولأنني- وعلى مستوى شخصي أكثر-  سأقف مرة أخرى أمام المحكمة استئنافيا في غضون الأسبوع القادم في إطار ما يعرف بقضية “كلنا أبناء هذا الوطن”، ولا أريد أن أؤثر على القضاء بأي صفة كانت.

سأتحدث بكل تجرد عن القضاء كأساس للمُلك في المقام الأول، وكآلية لحفظ النظام العام والدفاع عن “المصلحة العامة” في المجتمعات الحديثة في المقام الثاني. تاريخيا، وبدون الغوص في معطيات تاريخية معقدة، ينظر إلى القضاء في حضاراتنا الإسلامية كمنبع للعدل الذي هو أساس للمُلك. وبما أن الله حرم الظلم على نفسه فكيف بعباده، جمع القضاء في مخيالنا الجماعي بين كونه دينيا ودنيويا في نفس الوقت. لذا أحاطت به في الماضي هالة من التقدير والرهبة وكانت للقضاة هيبة دينية على اعتبار أن القاضي لابد وأن يكون متفقها وعلاَّمة في الشريعة ويصدر أحكامه وفقا لمقاصدها بالاحتكام إلى علمه هذا وإلى ضميره، وليس إلى تعليمات خارجية صادرة عن أصحاب النفوذ الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي. 

إضافة إلى ذلك، كانت للقضاة هيبة دنيوية يستمدونها من هيبة الدولة، لأنهم كانوا يعيَّنون من قبل السلطان مباشرة. وفي هذا الشق تختلف الروايات بين قضاة لم يخشوا في الله لومة لائم، ووقفوا إلى جانب الحق وعدلوا في أحكامهم حتى وإن كلفهم ذلك منصبهم، بل حياتهم؛ وقضاة سايروا الطغاة في ظلمهم وتجبرهم وأصدروا أحكامهم طبقاً لأهوائهم. دائما، حسب نظام الحكم السائد وحسب شخصية الحاكم والتركيبة الاجتماعية للأمة، بل والتركيبة النفسية لكل قاضٍ.

لا أعتقد أن الأمور تغيرت كثيرا منذ تلك العهود السحيقة، رغم مرور المنظومة القانونية والقضائية في بلداننا إلى ما يسمى بالقانون الوضعي والقضاء العصري. أما قضاء 2.0 الذي نحاول التمسح به فليس أحسن ولا أسوأ حالاً. أسوق مثالين من هناك لتأكيد أن القضاء “المعولم” هو واحد.

يوم الأربعاء الماضي، بتت محكمة بريطانية باسم جلالة الملكة في فاجعة “الهوليغانز” التي أدت إلى وفاة 96 شخصاً. الغريب ليس الحكم لكن أن الحادثة وقعت سنة 1989، وظلت عائلات الضحايا تنتظر في معاناة طيلة 28 سنة.

المثل الثاني يتمثل في قرار الإدارة الأمريكية إثقال الخشب الكندي المستورد بضريبة أخرى انضافت إلى 20 بالمائة زادها “ترامب” بمجرد التحاقه بالبيت الأبيض على سلسلة من الضرائب والرسوم ضربت خشب كندا في الصميم. طبعاً لجأت هذه الأخيرة إلى القضاء الدولي كالعادة. غير أن أصدقائي الكنديين المتخصصين في الخشب يقولون إن القضية ستتطلب خمس سنوات على الأقل وتكاليف كبرى.  وحتى إن ربحت كندا الدعوى كما حدث من قبل، ستكون الولايات المتحدة قد حققت أرباحا خيالية وكسرت الخشب الكندي في السوق وشردت قرى بأكملها من أسر العمال الغابويين. 

هكذا يكون القضاء الجديد وإلا فلا! عندما تحدث اضطرابات اجتماعية يتدخل بسرعة البرق ويوزع الأحكام للردع فورا حفاظا على “الأمن العام”، وللحفاظ على مصالح الشركات المتعددة الجنسيات المتحكمة في الدولة “يجرجر” رجليه، أما إنصاف المواطنين البسطاء فقد يستغرق أكثر من ربع قرن. الآن فقط فهمت معنى الحديث الذي كان يردده القاضي حادوش رحمه الله: “قاضيان في النار وقاض في الجنة”. 

زكية حادوش

زكية حادوش

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا