بالوجه المكشوف: عن أي لهجة يتحدثون؟

بالوجه المكشوف: عن أي لهجة يتحدثون؟

  • بقلم // زكية حادوش

يوم 26 يونيو 2017 تم بث أول نشرة إخبارية بلغة “الكاناك” (Kanak) في كاليدونيا الجديدة. والكاناك هم الشعوب الأصلية لتلك الأراضي الجزرية البالغة مساحتها ما يفوق 18 ألف كيلومتر ونصف مربع. أما موقع كاليدونيا الجديدة، التابعة لفرنسا منذ عام 1853، لمن لا يعرفها فموقع استراتيجي في الكرة الأرضية، في المحيط الهادي بين أستراليا ونيوزيلندا. ورغم أنها بعيدة عن الجمهورية الفرنسية ب22 ألف كيلومتر فهي تخضع لسيادتها.

تاريخيا، خضعت لما يدعى بالحماية التي ما هي كما تعلمون إلا تسمية “لايت” للاحتلال المباشر والاستعمار قبل أن تتطور وضعيتها تدريجيا إلى نوع من الاستقلالية (تختلف كثيرا عن الجهوية الموسعة المفترى عليها من طرف مهندسيها الوطنيين). في إطار اتفاق “نوميا”، وهو بالمناسبة اسم عاصمة تلك الأراضي، صار لكاليدونيا الجديدة رئيس حكومة وحكومة منتخبة وبرلمان خاص بها إضافة إلى منتخبين في الجمعية الوطنية الفرنسية يمثلونها لدى الدولة المركزية، في انتظار استكمال جميع مراحل وتعاقدات هذا الحكم الذاتي سنة 2018. الشخص الوحيد الذي لا يتوفر لديهم محليا هو رئيس الجمهورية، لكنهم يشاركون في انتخابه مثلهم مثل أي مواطن فرنسي.

وما يجعل هذه الوضعية فريدة من نوعها على صعيد القانون الدولي علاوة على كل ما سبق هو أن لكاليدونيا الجديدة عملتها الخاصة، وهي الفرنك الباسيفيكي. 

مع ذلك، وحتى أواخر الشهر المنصرم، كانت النشرات الإخبارية في التليفزيون العمومي لكاليدونيا الجديدة تبث حصريا باللغة الفرنسية، ولم تكن تعرَف هذه المنطقة سوى بالتجارب النووية التي تجريها فرنسا في أعماق مياهها الإقليمية. وها هي أصبحت تدشن عناوين الأخبار الفرنكوفونية بسابقة نشرتها الإخبارية بالكاناكية إن صح التعبير. لم يقِّم أحد الدنيا ولم تتزلزل الأرض في العاصمة الباريسية وضواحيها وهوامشها على القارة الأوربية. اعتُبر الأمر عاديا وكان يجب أن يحدث منذ زمان. لم ينهض لا أكاديميو الجمهورية ولا أشباه الخبراء، المتخصصون في كل شيء سوى في إقفال فمهم حين لا يعرفون، للقول بأن الكاناك ليست لغة بل مجرد لهجة وبأن الشعب الكاليدوني انفصالي وبأن اللغة الفرنسية هي أفضل لغة على وجه البسيطة.

ومقارنة بما يحدث عندنا، ولو أن في المقارنة مزحة سمجة، انبرى بعض خبراء تلويك اللسان (الذي لا يمت إلى اللسانيات بصلة) إلى  الرد على خبير في اللسانيات تخصص في البحث في اللغة الأمازيغية وقدم خلاصاته على شكل مقالات (أرجو شخصيا أن ينشرها كتاباً ليُقرأ كاملاً). وكانت الردود مضحكة أحيانا، وأحيانا مزعجة إن لم أقل عنصرية، ومجانبة للصواب في أغلبها، مثل تصنيف الأمازيغية إلى لهجة، علما أن اللسانيات الحديثة لا تعترف بهذا التصنيف لأن كل لغة هي لهجة للغة سبقتها وليست هناك لغة أصلية للبشرية، أو على الأقل لم يتوصل العلم بعد إلى اللغة الأولى التي تحدث بها الإنسان الأول (النازل للتو من الأشجار حسب نظرية الارتقاء أو الهابط من الجنة حسب رواية الديانات التوحيدية). 

اللغة العربية جميلة جدا وهي لغة القرآن وهذا لا شك فيه، لكن هذا لا يعني أن اللغات الأخرى لهجات أو أنها ليست لها جماليتها الخاصة ورصيدها في الأدب وفي التاريخ الشفهي والكتابي والحضارة البشرية جمعاء. والأبحاث الجادة في هذا المجال أثبتت أن هناك “ميكانيزمات” لغوية مشتركة بين جميع لغات العالم وبين كل شعوب الأرض. ولا يضع الأصبع في جحر التفرقة سوى غير المؤمن أو الغبي أو الانتهازي.  

زكية حادوش

* زكية حادوش

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا