بالوجه المكشوف: التاريخ للشجعان وللجبناء النسيان!

بالوجه المكشوف:

التاريخ للشجعان وللجبناء النسيان!

  • بقلم // زكية حادوش

بعد صعود فيديل كاسترو إلى الرفيق الأعلى عن سن يناهز التسعين، تم وضع رماده يوم الأحد الماضي في مقبرة « سانتا إيفيخينيا » ضمن طقس جنائزي لم يتجاوز ثلاث دقائق، بحضور أفراد عائلته الذين لا يُرَون إلا نادرا وحفنة من القادة ينتمون إلى أمريكا اللاتينية وإفريقيا…

الدوام لله ومصير كل إنسان مهما علا شأنه في الدنيا الموت، وأقصى ما يمكن للمرء أن يدعو به هو الرحمة للموتى وللأحياء أيضاً. بكل بساطة قد نحزن لموت شخصية بَصَمَت، رغم كل شيء، تاريخ القرن العشرين، بدءاً بملحمة سانتا كلارا مع « الكوماندانتي »، مرورا بأزمة خليج الخنازير التي حبست أنفاس العالم بأسره وتركت لنا صورة تاريخية لخروتشيف وهو يدق بحذائه على طاولة الأمم المتحدة! وانتهاء بالصمود ضد حصار خانق فرضته أقوى دولة في العالم على جُزَيْرة لم يتبق لها من السَّنَد بعد انهيار جدار برلين سوى إيديولوجيا قد تكون طوباوية لكنها متينة، وبنيان عتيق وسيارات لم تعد تشاهد إلا هناك، إضافة إلى سيجار لم يتغير طعمه (حسب العارفين من المدخنين ولست منهم) لأن الشركات المتعددة الجنسيات لم تمتد بيدها الأخطبوطية إلى تلك الصناعة بعد.

المهم أن الأمور سارت على ذلك النحو، ولا يمكن لكائن من كان أن ينكر الطابع الكوبي على أشياء كبرى من قبيل الثورة وأحلامها، وأخرى رائعة في بساطتها مثل القصائد والموسيقى والروايات والسيجار، إضافة إلى حب الحياة والجمال الخلاسي لأهل تلك البقعة من الكرة الأرضية.

كان لفيديل ما أراد حين غادر هذا العالم رمادا، وقد دخله بدون إرادة مثلنا جميعا كنطفة، لكن الدولة تستمر وقد تنحرف بموته عن مسارها « الثوري » لتصبح قلعة أخرى من قلاع الرأسمالية أو مجرد مَصْيَف لعظام الليبرالية المهترئة… الغيب لا يعلمه سوى علام العيوب، لكن الأكيد أن رحيل « الليدير ماسيمو » سيغير المعطى على الجزيرة وحولها وتحتها.

نرجو فقط أن يظل الإسهام اليساري اللاتيني جزءا من الذاكرة الإنسانية، بمحاسنه ومساوئه، ولن يتعرض للسطو الحضاري من قبل الثقافة الاستهلاكية السائدة التي تحاول تحويله إلى عرض سياحي ومنتجات استهلاكية تطبع عليها صورة « تشي »…

إذا نحت الأمور هذا المنحى، كمْ سيصير العالم بشعاً وبئيساً ومبتذلاً! مثل أولئك الجبناء الذين خرجوا للاحتفال في ميامي إثر الإعلان عن وفاة فيديل كاسترو. جبناء هم حتى وإن كانوا يشهرون صفتهم كلاجئين سياسيين أو منفيين هاربين من قمع النظام الكوبي. جبناء لأنهم عبروا بعد الوفاة وكما يقول مثلنا الشعبي « البكاء بعد الميت خسارة ». أكره من ينتظر عزرائيل ليحل مشكلته مع الظلم إن اعتبر نفسه مظلوما. وأحب من ينهض لمقاومة الظلم إن أحس به عندما يكون الظالم المفترض على قيد الحياة وفي أوج قوته. حرية التعبير والنضال من أجل الحق يتطلبان الشجاعة. هي وحدها تحسم الموقف وتسجَّل في الذاكرة الجماعية للبشرية مهما اختلفت الإيديولوجيات وتباينت المعسكرات. التاريخ لا يعترف سوى بالشجعان، أما الجبناء فمصيرهم النسيان، حتى لا أقول مزبلة التاريخ…

Leave a Comment

Cancel reply

1 Comment

  • Ali
    15 décembre 2016, 23:44

    الم يذهب كاسترو إلى مزبلة التاريخ قبل موته ؟

    REPLY