أجهزة ذكية وبشر أغبياء !

البارحة أعلنت « ياهو » عن الاشتباه بسرقة معطيات شخصية من مليار حساب « ياهو »… هذا رقم مهول، لكن ما خفي أعظم لأن هذا النوع من السطو ليس مسلحاً سوى بالتمكن من التكنولوجيا والقيام بالعمليات في سرية تامة سواء من طرف « المجرمين الافتراضيين »، أو الشركات الكبرى التي تحاول التكتم على هذا النوع من الاقتحامات لتحمي اسمها وبالتالي أسهمها في السوق. والأدهى من ذلك أن ضحايا هذا السطو على معطياتهم غالبا ما لا يفهمون ما يجري في حساباتهم الالكترونية ولا كيف حصل ذلك، ونادرا ما يقدرون خطورة الأمر.

ربما أن ما يقع عند منافسي « ياهو »، دون ذكر اسمهم فهو أشهر من نار على علم، أكثر خطورة لكن حجمهم ونفوذهم يسمح لهم بمنع تسرب أخبار من هذا القبيل إلى الجمهور/المستهلك. فتتسرب فقط فضائح كبرى مثل وضع أنظمة الداخلية والدفاع الفرنسية في خطر بسبب صفقة معلوماتية من العيار الثقيل مع شركة أمريكية عملاقة تحتكر هذا النوع من الخدمات. أما سرقة المعطيات الشخصية للمواطنين البسطاء فلا تستحق، في نظر هؤلاء الفاعلين الكونيين، ضجة ولا مزايدة إلا ما تعلق بدفع غريم لهم خارج حلبة المنافسة المالية، أو دفعه إلى بيع شركته لتنضم إلى إمبراطورتيهم.

حقيقةً لا أفهم ولا أتفهم كيف نستمر في الإقبال كالقطيع على خدمات مجانية على الإنترنت، معرضين حياتنا الشخصية لاقتحام شتى أنواع الغرباء والمحتالين والجاهلين (وهي صفات قد تكون متفرقة أو مجتمعة في شخص واحد أو جماعة موحدة). كيف نعتقد أنه في زمان سيادة المال المطلقة قد يوجد شيء مجاني، متاح هكذا بدون مقابل؟ وكيف نثق في علامات تجارية نحن المتوجسون من أقرب المقربين؟!

ما الخير الذي قد يأتي من جهات تنظر إليها كمجرد كائنات استهلاكية من الدرجة الاقتصادية، وتنظر إلى معطياتنا الشخصية كمنتجات قابلة للاستعمال دون إذن، كأرقام يمكن بيعها لمن يدفع قيمتها، وهي ذات قيمة لا نعرفها نحن لكن تلك الجهات تعرفها حق المعرفة، وإلا لما كانت قد استثمرت في قطاع « مجاني » وعممته على جميع سكان الأرض، من الرضيع حتى الشيخ، ومن الذي لا يملك قوت يومه إلى من يطعم حيوانه الأليف قيمة ما تستهلكه أسرة كاملة في الشهر؟

هي حرب قذرة دائرة رحاها بين الفاعلين على الصعيد الكوني، اسمها حرب المعطيات أو البيانات « الفوقية » (Métadonnées) ونحن فيها المفعول بهم وفيهم… نقبل الهدايا المسمومة من طينة الحسابات المجانية وخدمات الاتصال المجاني، ونعتقد أننا نستعملها في حين أنها هي التي تستعملنا، في صراع مستقبلي على الأبواب سيأتي من دون أدنى شك على آخر قلاع الحرية، ألا هي الحياة الشخصية جدا.

ما موقعنا نحن؟ وبالتالي ما موقفنا؟ أحيانا مجرد التساؤل قبل اقتناء منتج ما أو خدمة ما قد يشكل الفرق، مجرد التمييز بين حاجياتنا الحقيقية وحاجياتنا المصطنعة يضعنا على طريق استخدام ذكائنا البشري بدل الاعتماد على ذكاء الآلة…

علينا أن ندرك أن الاستهلاك كلما تيسر، خصوصاً بنقرة أو بضغطة زر، كلما صار موجَّها، وكلما وضعنا مصيرنا بين أيدي تلك الأجهزة والخدمات الذكية ومنتجيها كلما ازداد الاحتمال في أن نكون أغبياء!

 

 

Leave a Comment

Cancel reply