الناجي: شخصيات من عيار الفاسي والطريس والخطابي كانوا سبّاقين للتواصل السياسي بالمغرب

الناجي: شخصيات من عيار الفاسي والطريس والخطابي كانوا سبّاقين للتواصل السياسي بالمغرب

• الرباط: عبد الناصر الكواي

اعتبر جمال الدين الناجي، الباحث الإعلامي، أن التواصل السياسي بدأ مع الصحف الأولى في المغرب مع بداية القرن الماضي، على يد شخصيات مثل علال الفاسي، وعبد الخالق الطريس، وعبد الكريم الخطابي، وغيرهم.. وهو ما يُخالف ما اعتدنا عليه في البحث والدراسة في هذا المجال، حيث دائما ما نرجع إلى التجارب الغربية للتأريخ لظهور أولى إرهاصات هذه النظريات. جاء ذلك خلال محاضرة نظمها ماستر التواصل السياسي بالمعهد العالي للإعلام والاتصال يوم الخميس المنصرم، في موضوع “التواصل السياسي ولغز الديمقراطية:  مقاربة المغرب في العالم”.

مسيّر المحاضرة ومنسق الماستر، محمد عبد الوهاب العلالي، أشارَ في تلخيصه للمحاضرة، إلى أن ما وصفه بالنزعة السالبة متجسدة في كون الباحثين والطلبة في بلادنا غالبا ما يتبنون الدراسات الغربية التي لا تقف عند خصوصية العلاقات بين السلط، التنفيذية والتشريعية والقضائية، والرأي العام، ووسائل الإعلام، والسلطة الحاكمة في بلد معين، أو الجيش وغيره من المؤسسات.. معتبرا أن هذه السلط مازالت تحتاج بدورها إلى استراتيجيات خاصة في التواصل السياسي.

الناجي: شخصيات من عيار الفاسي والطريس والخطابي كانوا سبّاقين للتواصل السياسي بالمغرب

الناجي: شخصيات من عيار الفاسي والطريس والخطابي كانوا سبّاقين للتواصل السياسي بالمغرب

كما تطرق الناجي، الأستاذ السابق بالمعهد، والخبير المؤسس لكرسي اليونسكو في الاتصال العمومي والجمعوي، إلى مُنطلقات ومبادئ الاستراتيجيات الكبرى للتواصل، وإكراهات الانتقال إلى وسائل الاتصال الحديثة، والعلاقة بين المرسل والمتلقي، مثيرا لإشكالية يطرحها سؤال لماذا في عالم اليوم كلما ازدادت الإمكانيات والوسائل التواصية زادت معها الصراعات والنزاعات؟ وضرب لذلك مثلا بقناة “فرانسا 24″، التي قال إنها لو لم تكن إفريقيا موجودة لما وجدت ما تشتغل عليه كمادة خام من تغطية للنزاعات والنعرات العرقية والطائفية والسياسية وغيرها..

شروط التميز  في المجال..

ومن الشروط التي وضعها الناجي للمستشار السياسي المتميز، أن يكون من الأصل صحافيا، وعارفا بقواعد اللعبة الإعلامية والتواصلية، واضعا من أجل ذلك مقاربة تنطلق من كون المغرب لم يعد منغلقا على نفسه بل هو “مغرب العالم”، وهو ما يجب علينا النظر إليه دون أي مركب نقص، يقول الناجي، عكسَ ما يمكن أن يكون في مجالات أخرى مثل الطيران والبحوث الفضائية والأقمار الصناعية، لكن في التواصل لا وجود له، إذ لا فرق بين الطالب أو الباحث المغربي ونظيره في كوريا أو أمريكا أو أي بلد آخر.

وأوضح الأستاذ المحاضر، خلال الحدث الذي عرف حضور المدير الأسبق للمعهد وفقيه القانون، محمد الإدريسي العلمي المشيشي، والمدير الحالي، عبد المجيد فاضيل، وعدد من وأساتذة وخريجيه والطلبة، (أوضح) أن الرسالة التواصلية تنطوي على نوع من السلطوية، انطلاقا من كون المرسل يختار ما يقرأه المستقبل في الجريدة مثلا، وذلك في ضل ضوابط وقواعد وآليات محدودة، آية ذلك حسب الناجي، أن لدينا أخبارا تصدر بعد 48 ساعة في الصحف المغربية.

واعتبر الناجي، أن الحرية في هذا المجال تبقى نسبية، وتناول المادة 19  من الإعلان الأممي، التي تقول إنها حرية مطلقة والواقع غير ذلك. داعيا إلى تغيير نظرتنا إلى التواصل التي كانت سائدة خلال التسعينات، مفسرا كيف أصبح فيه اليوم الخبر وناقل الخبر، وفيه تداخل بين المرسل والمتلقي، وهناك تواصل وتفاعل وتقاسم وحوار وحرية شبه مطلقة في وسائل معينة. مشددا على غياب الضوابط المهنية، التي تضبط المحتوى، “فلا حدود جغرافية ولا قانونية ولا أخلاقية…” على حد تعبيره.

وسلّط الأستاذ المحاضر الضوء على مجموعة من الحقول المعرفية والمقاربات والنظريات حول التواصل السياسي، منها  نظريات مثل: la théorie des effets, la théorie fonctionnaliste, la théorie des comportements, théorie libéralisme، لرواد مثل لاسويل، جون ماري كوتري، دومينيك بولتن، نومان، ديريدا، هابرماص،  ونعوم تشمسكي وكونفيشيوس، وغيرهم.  كما تناول تفاصيل عن تاريخ التسويق السياسي، واستطلاعات الرأي السياسية، والعلاقات العامة، والإشهار، والدعاية، والصورة التي قال كونفيشيوس في الصين سنة 500 قبل الميلاد إنها بألف كلمة وما تزال مقولته الشهيرة محافظة على وهجها حتى اليوم.

دور محوري للصحافة..

وكجواب عن سؤال من أي جئنا كتواصليين؟ اعتبر المحاضر أن الصحافة كانت تلعب دورا محوريا، فهي المنبع للتواصل السياسي حيث كانت تسيطر عليها القوى الدولية والإقليمية في فترة معينة، مذكرا بدراسة سبق إجراؤها في هذا الصدد، تكشف أن جرائد قديمة جدا ترجع لبداية القرن الفائت حوت بوادر العملية التواصلية السياسية.. مشددا على أن السياسيين الخطباء هم من أحدث التواصل السياسي في المغرب، من أمثال علال الفاسي وبلافريج وبنسودة والخطيب والطريس والوزاني والناصري وبنبركة..

ودعا الناجي الباحثين والطلبة في مجال التواصل السياسي، إلى “الحفر” في تاريخ أعمال هؤلاء الأعلام، وذلك بتقصي طريقة عبد الخالق الطريس في التحرير، وبلحسن الوزاني في كتابة الافتتاحيات، وكيف أن قليلين هم من يعرفون أن علال الفاسي كان شاعرا.. وكيف كان عبد الكريم الريفي ما بين 1908 و1915 رئيس تحرير لصحيفة “لاتيليغرام دو ريف”، موضحا أن هؤلاء فهموا في وقت مبكر جدا ضرورة جعل التواصل السياسي في خدمة العمل السياسي.

واعتبر حكيم الهاكا، أن معالجة المعلومة وتوظيفها في الحاضر من أجل المستقبل هو ما يميز الإنسان عن الحيوان. فالمعلومة برأيه، هي ما يمكّن الإنسان من برمجة اليوم والغد والمستقبل، فالاتصال السياسي الطامح لتغيير الغد يجب عليه أن يرتكز على إعطاء معلومات دقيقة وذات مصداقية، موضحا كيف مررنا من الإعلام والاتصال السلطوي الذي كان في القرون الأولى إلى أن وصلنا إلى الاتصال والتواصل بالمعلومة التي لا يمكن أن تقوم إلا على الحقيقة والمصداقية التي تتيح نجاعة التواصل في الميدان السياسي.

وحول اللجوء إلى الكذب في السياسة، اعتبر الناجي، أن هناك كذاب عبثي مكشوف وآخر فيه فنية، موردا ما يسمى بـ”سياسة الحقيقة” التي ظهرت في الغرب سيما كندا وفرنسا، والجدلية الثابتة ما بين الحقيقة والمعلومة، وما بين الحقيقة والشرعية السياسية، والمعلومة والمصداقية الإعلامية، وكيف أن أحزابا أحدثت جرائد قبل أن تُخرج تنظيماتِها السياسية إلى الوجود سعيا وراء الشرعية، وثنائية الحرب والسلم، وكيف أن المعلومة والحقيقة دائما كامنة وراءهما.

كما تحدث المحاضر، عما وصفه بـ”لعنة الإعلام”، حيث يوجد الصحافي في قلب الحروب والنزاعات. وكيف أن الاتصال داخل في حيواتنا بشكل يومي، والمعلومة حاضرة في كل شيء، منبها إلى المفارقة ما بين الشمال والجنوب في التعاطي مع المعلومة، حيث جعل الغرب الجنوب بحروبه وفقره وهجراته ومستجداته الدرامية والإرهاب مادة دسمة للإعلام، وهو ما يتطلب التفكير فيه وفي التموقع الذي نتخذه إزاء الآخر في هذا المجال.

محمد عبد الوهاب العلالي، منسق ماستر التواصل بالمعهد

محمد عبد الوهاب العلالي

محمد عبد الوهاب العلالي

المحاضرة تندرج في إطار برنامج الأنشطة الفكرية والعلمية لماستر التواصل السياسي برسم السنة الجامعية 2016 2017، إذ سبقت بتنظيم يوم دراسي بشراكة مع مركز مدى للدراسات والأبحاث الإنسانية بالبيضاء حول التواصل السياسي، ولقاء آخر حول معالم التواصل السياسي والفضاء السمعي البصري، مع السيد مصطفى الخلفي وزير الاتصال والناطق باسم الحكومة السابق.

وهي أنشطة تكرس مبدأ جعل الأنشطة الإشعاعية والفكرية للماستر، فرصة للطلبة الباحثين في المجال والمهتمين للانفتاح على تجارب ومجالات علمية متداخلة مرتبطة بالتواصل السياسي. ونأمل في تعاون أطراف مختلفة لتنمية التكوين في هذا المجال الحيوي وتعزيزه، لمواكبة الاحتياجات الأساسية لبلادنا لمتخصصين وباحثين في هذا الميدان. كما أن سياق هذا النشاط واكب مداولات نهاية المسار الدراسي  للفوج الأول من طلبة ماستر التواصل السياسي.

فاطمة الزهراء الراجي، طالبة بماستر التواصل السياسي بالمعهد

فاطمة الزهراء الراجي

فاطمة الزهراء الراجي

تنظيم هذا اللقاء بمشاركة الخبير الإعلامي والصحافي والأستاذ السابق بالمعهد، الدكتور جمال الدين الناجي،  يأتي في سياق يمر فيه المغرب من ظرفية سياسية حرجة ترتبط بتعثر تشكيل الحكومة وكل ما تكشف عنه هذه الظرفية من نواقص في تواصل الأحزاب وقياداتها وفي مقدمتهم رئيس الحكومة المكلف، وفي تعاطي هذه المؤسسات مع وسائل الإعلام التقليدية والجديدة. وهو سياق يمكن أن يرسم إلى حد ما معالم تواصل سياسي نشأ في دولة يمكن القول إنها تشق طريقها نحو ممارسة سياسية ديمقراطية، مع مؤسسات تفتقر وتجهل آليات التواصل السياسي.

والحديث عن هذا المعطى نابع من مدى تأثير تواصل هذه الأحزاب وتعاطيها مع وسائل الإعلام والرأي العام  سلبا أو إيجابا على صورتها ومواقفها خاصة في حالات الأزمة، وبالمقارنة مع تجارب دولية يمكن  اعتبارها في رائدة في مجال التواصل السياسي، كالولايات المتحدة مثلا، وبعض دول الخليج، ومجموعة من الدول الأوروبية كذلك.

كما سلط اللقاء الضوء أيضا، على ضرورة تكوين مختصين في مجال التواصل السياسي لدعم مختلف الأحزاب والمؤسسات، أخذا بعين الاعتبار لتأثير ودور الشبكات الاجتماعية على هذا التواصل خاصة.

نبيل حبيبو، طالب بماستر التواصل بالمعهد العالي للإعلام والاتصال

نبيل حبيبو

نبيل حبيبو

في إطار برنامج الأنشطة  الفكرية والعلمية لماستر  التواصل السياسي بالمعهد العالي للاعلام والاتصال، نظمت محاضرة للأستاذ جمال الدين الناجي حول موضوع : التواصل السياسي ولغز الديمقراطية… حيث بدأ الأستاذ الناجي مداخلته بالتعريج على مفهوم التواصل والسياق التاريخي، وذكر أهم محطات التواصل بين الشعوب بصفة عامة، والتواصل في مجال الإعلام بصفة خاصة.

ليربط بعد ذلك الموضوع بالتواصل في المجتمع المغربي، مرورا باهم المحطات، وصولا إلى التواصل في عصر التقانة وخصوصا مع ظهور وسائل اتصال حديثة قلبت كل أشكال التواصل بمفهومه الكلاسيكي؛ حيث أصبح مضمون الرسالة يأخذ الحياة بعد أن يتم نشره، وذلك من خلال مختلف التفاعلات والنقاشات التي يطرحها. وخلص في نهاية مداخلته لذكر مجموعة من المراجع والرواد/ المدارس في هذا المجال.

 

 

 


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا