المواجهة الصينية الروسية مع الولايات المتحدة عبر كوريا الشمالية: واشنطن تتعثر في منع قيام نظام عالمي جديد

المواجهة الصينية الروسية مع الولايات المتحدة عبر كوريا الشمالية

واشنطن تتعثر في منع قيام نظام عالمي جديد

عمر نجيب

  • بقلم // عمر نجيب

منذ أشهر عديدة يتابع الكثيرون عبر العالم تطورات الصراع بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، ومن حين لآخر يشعرون أن العد العكسي قد بدأ لمواجهة نووية لا مفر منها ولكنهم لا يلبثون بعد حين إلى توقع العكس وإنتظار تسوية سياسية.

منذ منتصف سنة 2017 سجل الملاحظون إضطرابا متزايدا في التحركات والتصريحات الواردة من العاصمة الأمريكية واشنطن، كما لوحظ أنه بعد أن كانت إدارة البيت الأبيض تطالب بوقف كوريا الشمالية لتجاربها النووية والصاروخية وتعتبر رفض ذلك مبررا لشن الحرب ضدها، تحولت إلى إعتبار تهديد بيونغيانغ بقصف الأراضي الأمريكية مؤشرا لبداية حرب نووية.

يوم الاثنين 14 أغسطس 2017 صرح وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس إنه إذا أطلقت كوريا الشمالية صاروخا على الولايات المتحدة فإن الوضع قد يتصاعد إلى حرب.

وأردف قائلا للصحفيين “إذا أطلقوا النار على الولايات المتحدة فإن ذلك قد يتصاعد إلى حرب بسرعة جدا”.

وأضاف أن الولايات المتحدة ستعرف خط سير أي صاروخ تطلقه كوريا الشمالية “في غضون لحظات” وإذا تم تقدير أن هذا الصاروخ سيصيب جوام “سندمره”.

بفارق ساعات على تصريحات جيمس ماتيس، اعتبر مايك بومبيو مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي ايه” أن كوريا الشمالية تطور قدراتها على شن هجوم نووي على الولايات المتحدة “بوتيرة مقلقة”، لكنه حرص على التقليل من خطر حدوث مواجهة عسكرية وشيكة مع بيونغيانغ.

وردا على سؤال عن مدى احتمال سقوط صاروخ نووي كوري شمالي على الأراضي الأمريكية خلال مقابلة مع قناة “فوكس نيوز″، قال بومبيو “كل مرة يجرون فيها تجارب صاروخية، يزدادون خبرة، والأمر سيان إن جربوا صاروخا نوويا، ويمكننا القول إنهم يتقدمون بوتيرة مقلقة”.

وعندما سئل عما إذا كان للأمريكيين أن يقلقوا من اشتداد التوتر مع النظام الكوري الشمالي، صرح بومبيو “ما من أمر وشيك”. وأكد “ما من أمر وشيك اليوم لكن لا بد من التنبه إلى أن… ازدياد إمكان استهداف الولايات المتحدة بصاروخ نووي هو تهديد خطر جدا”.

واستطرد “ما أقصده هو أنني سمعت الكثير من الكلام مفاده أننا على شفير حرب نووية. لكن ما من معطيات استخباراتية تفيد بأن الوضع وصل إلى هذا الحد”.

وكشف بومبيو أن الاستخبارات الأمريكية “لديها فكرة واضحة بما فيه الكفاية” عما يجري في كوريا الشمالية.

وتأتي هذه التصريحات بعد أسبوع من تصاعد الحرب الكلامية بين واشنطن وبيونغيانغ مع توعد الرئيس دونالد ترامب خصوصا بإنزال جحيم من “النار والغضب” بنظام كيم جونغ أون.

وهددت كوريا الشمالية من جهتها بإطلاق أربعة صواريخ على جزيرة غوام الأمريكية في المحيط الهادئ التي تكتسي أهمية استراتيجية عسكرية ويتمركز فيها نحو ستة آلاف جندي أمريكي.

وأقر مايك بومبيو بأنه متأكد من أن كوريا الشمالية ستواصل تطوير قدراتها الصاروخية في عهد الرئيس كيم جونغ أون، قائلا “لن أفاجأ بتجربة صاروخية أخرى، فقد سبق لهم أن قاموا بتجربتين في يوليو”، في إشارة إلى اختبارين لصواريخ بالستية عابرة للقارات اجراهما النظام الكوري الشمالي في يوليو.

وانعكست وجهة النظر هذه أيضا في تصريحات أدلى بها مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي هربرت ريموند ماكماستر في مقابلة مع قناة “ايه بي سي”.

وقال الأخير إن التهديد الذي تشكله كوريا الشمالية “يقارب نقطة مفصلية” لكنه حرص على التشديد على “أننا لسنا أقرب إلى الحرب مما كان عليه الحال قبل أسبوع″.

وأكد “نردّ بالقول إننا مستعدون للتعامل عسكريا مع المسألة إن دعت الحاجة إلى ذلك. ونحن لا نوفر جهدا خارج الإطار العسكري لمواجهة هذا التهديد الخطر جدا على الولايات المتحدة والعالم بأسره”.

تباين

المراقبون سجلوا أن هذه التصريحات جاءت بعد أن حاولت الإدارة الأمريكية التقليل من اهمية التباين في تصريحات ترامب ووزير خارجيته تيلرسون.

فيوم الأربعاء 9 أغسطس أكدت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية ان الولايات المتحدة تتحدث بصوت موحد حول كوريا الشمالية، مقللة من اهمية التباين في التصريحات بين الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية ريكس تيلرسون.

وقالت هيذر نويرت خلال مؤتمر صحافي “سواء كان البيت الابيض ام وزارة الخارجية ام وزارة الدفاع، فنحن نتحدث بصوت واحد”.

واضافت “وفي الحقيقة فان العالم يتحدث بصوت واحد، وقد رأينا ذلك في القرار الذي وافق عليه مجلس الامن الدولي قبل اسبوع″ لفرض المزيد من العقوبات ضد بيونغيانغ.

وجاء كلامها بعد تحذير ترامب للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بأنه سيواجه “النار والغضب” حول برنامجه للصواريخ البالستية.

وتابع ترامب من نيوجيرسي حيث يمضي عطلته عرض القوة عبر تغريدة قال فيها ان القدرات النووية للجيش الأمريكي أصبحت أقوى منذ توليه الحكم.

لكن وزير الخارجية الامريكي ريكس تيلرسون استخدم نبرة مختلفة، وشدد خلال عودته إلى الولايات المتحدة من جولة في جنوب شرق آسيا انه لا يعتقد “أن هناك تهديدا وشيكا” من كوريا الشمالية.

وقالت نويرت ان تعليقات ترامب تتناسب مع “حملة الضغط” لاجبار كوريا الشمالية على التراجع عن تطوير سلاحها النووي واجراء التجارب الصاروخية، وان هذه الحملة تعمل بالشكل الصحيح.

واضافت ان ترامب وتيلرسون تحادثا هاتفيا لمدة ساعة بعد ان ادلى الرئيس بتصريحاته.

وقالت “دعونا نأخذ بعين الاعتبار ما ينذر بالخطر تجربتان لصاروخين عابرين للقارات في أقل من شهر، وتجربتان نوويتان أجريتا العام الماضي”.

60 قنبلة نووية

الإضطراب أو التباين في مواقف مسؤولي إدارة البيت الأبيض، إنعكس على وسائل الإعلام وتصريحات لعسكريين حيث شككت بعضها في قدرة صواريخ كوريا الشمالية على حمل رأس نووي خاصة على إعتبار أن بيونغيانغ لم تنجح بعد في تصغير أسلحتها النووية ليمكن نقلها بالصواريخ أو لأن محركات الصواريخ مصصمة في روسيا أو أوكرانيا ليكون مداها متوسطا وليس عابرا للقارات ولم تتمكن كوريا الشمالية بصنع محركات بديلة وأقوى.

خلال الثلث الأول من شهر أغسطس 2017 أنهت صحيفة “واشنطن بوست” هذا الجدل وذكرت أن كوريا الشمالية صنعت رأسا نوويا صغيرا بما يكفي لتركيبه على صواريخها، في ما يعد تطورا مهما.

ونقلت الصحيفة عن تقرير تحليلي أعدته وكالة الاستخبارات العسكرية أن لجنة الاستخبارات تعتقد أن كوريا الشمالية لديها “أسلحة نووية يمكن تركيبها على صاروخ بالستي” بما في ذلك صواريخ بالستية عابرة للقارات. وأضافت ان الاستنتاجات تحقق منها مسؤولان أمريكيان على اطلاع على التحليل.

ولم تعلق وزارة الدفاع الأمريكية على التقرير على الفور.

وذكرت “واشنطن بوست” إنه من غير المعروف إن كانت كوريا الشمالية اختبرت بنجاح الرأس النووي الصغير رغم أنها أعلنت السنة الماضية أنها فعلت ذلك.

ويعني هذا التطور أن كوريا الشمالية تقدمت على مسار حيازة صاروخ نووي يمكن إطلاقه.

وقالت “واشنطن بوست” أن تقريرا استخباراتيا آخر قدر حيازة كوريا الشمالية لما يقارب 60 سلاحا نوويا، أكثر مما أعلن عنه سابقا.

في العاصمة البريطانية لندن ورأت افتتاحية الغارديان أن تحذيرات الرئيس دونالد ترمب ستجعل من الصعب معالجة التهديد الذي يشكله البرنامج النووي لكوريا الشمالية. واعتبرت طمأنة وزير الخارجية ريكس تيلرسون بلاده بأنها ليست على وشك الحرب ليست كافية، لأنه بذلك يقلل من أهمية الكلمات النارية التي أطلقها رئيسه الذي وعد بـ “نار وغضب لم يشهده العالم من قبل” ليس ردا على هجوم ولكن لمجرد تهديدات من بيونغيانغ.

وأشارت الصحيفة إلى أن تصريحات بيونغ يانغ العدوانية تستحق دائما التحليل الدقيق. ففي الماضي هددت البر الرئيسي للولايات المتحدة، بل وحتى البيت الأبيض، بهجوم نووي إذا كان بقاؤها مشكوكا فيه. واليوم قالت إنها تدرس خططا لضرب الأراضي حول جزيرة غوام الأمريكية، وتتحدث عن احتواء وليس ضرب القاعدة العسكرية فيها.

وألمحت إلى ما يقوله الخبراء بأن المعلومات الاستخبارية عن كوريا الشمالية شحيحة جدا، وقدراتها متقدمة جدا بحيث لا يمكن تدميرها بالكامل في ضربة استباقية، وخطر الانتقام الشديد بالوسائل التقليدية وحدها هائل.

ومع ذلك، رأت الصحيفة أن عبارات ترمب تضعف مصداقية الولايات المتحدة وتقوض قدرتها على التعامل مع التهديد القادم من كوريا الشمالية. وقالت إن حلف شمال الأطلسي يشعر بالجزع من إمكانية العمل العسكري. وختمت بأن الكلمات لها أهميتها بالرغم من ذلك وأنها أفضل من الأسلحة.

من جانبها أكدت افتتاحية صحيفة إندبندنت خطر تهديدات كوريا الشمالية، لكنها رأت ضرورة أن يعالج ترمب الموقف بحذر، وأشارت إلى أنه لم يحدث تاريخيا أن كان هناك مثل هذا الحجم المحتمل للتدمير بأيدي رجلين أقل ملاءمة لمهمة حفظ السلام.

وألمحت إلى أنه بالرغم من الرعب المحيط بهذا السيناريو فإنه قد لا يكون شيئا سيئا أن العالم بدأ يفكر فيما قد يبدو عليه شكل المواجهة بين واشنطن وبيونغيانغ. وقالت إنه سواء كانت المواجهة بصواريخ طويلة المدى أو القصف قصير المدى أو غزو كوريا الجنوبية، وسواء كانت موجهة إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة أو قاعدة عسكرية كالتي في غوام، وسواء كانت نووية أو تقليدية، فإن عواقب هذه الحرب تختلف فقط في السرعة التي ستؤدي بها إلى نهاية العالم.

وقالت الصحيفة إن الحرب ستؤدي لموت الملايين، والتسبب بسقوط مصابين وظهور جوعى أكبر من ذلك بكثير، والضرر البيئي سيكون واسعا وعلى الأرجح غير قابل للإصلاح، وسيغرق الاقتصاد العالمي في الكساد. ولن يحل هذا الأمر شيئا، إلا إذا كانت وجهة النظر المعتمدة هي أن السبيل الوحيد للحفاظ على الاستقرار في شمال شرق آسيا هو تحويل المنطقة إلى مقبرة.

كوريا الشمالية.. تهديد حقيقي أم أداة ضغط؟

جاء في تقرير تحليلي صدر خلال شهر أبريل 2017، أثارت التطورات الأخيرة في منطقة شرق آسيا انتباه المراقبين.

والسؤال المطروح: هل أن التحركات الأمريكية تهدف فقط إلى مواجهة كوريا الشمالية، أم أن أهدافاً أخرى تسعى واشنطن لتحقيقها في هذه المنطقة؟

الإجابة عن التساؤل تتلخص بما يلي:

بعد تسلم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لمهام عمله في العشرين من يناير 2017 سعت الإدارة الأمريكية الجديدة إلى مواصلة ذات السياسة التي انتهجتها إدارة الرئيس السابق “باراك أوباما” في شرق آسيا بهدف توسيع نفوذها في هذه المنطقة المهمة والاستراتيجية من العالم.

ومن الأهداف الأخرى التي تسعى واشنطن لتحقيقها احتواء نفوذ الصين في عموم المنطقة خصوصاً في الجانب الاقتصادي، بعد أن نجحت بكين في مد نفوذها في هذا المجال إلى أغلب دول العالم بما فيها أمريكا.

وكان ترامب قد أعلن أثناء حملته الانتخابية بأنه سيرغم الدول الحليفة لواشنطن بدفع التكاليف الأمنية والعسكرية التي توفرها لهم، ومن بين هذه الدول كوريا الجنوبية واليابان. وهذا الإجراء يأتي في إطار مساعي إدارة ترامب لابتزاز هذه الدول بحجة الدفاع عنها في مواجهة تهديدات كوريا الشمالية.

وبعد دخول ترامب البيت الأبيض وسعيه لترجمة شعاره الانتخابي “أمريكا أولاً” على أرض الواقع سارعت واشنطن لإثارة قضية كوريا الشمالية كذريعة لتعزيز وجودها العسكري في شرق آسيا. وتزامنت هذه الإجراءات مع جولة وزير الدفاع الأمريكي “جيمس ماتيس” في المنطقة التي شملت اليابان وكوريا الجنوبية والتي جاءت أيضاً بهدف تعميق الروابط السياسية والأمنية مع هذه الدول.

ويبدو أن تحالف واشنطن مع “طوكيو” و “سول” لا يستهدف فقط كوريا الشمالية، بل يتعداه لمحاصرة نفوذ بكين التي تمكنت إلى جانب نجاحها الاقتصادي من تقوية نفوذها العسكري في مياه بحر الصين الجنوبي.

وبعد الإجراءات التي اتخذتها الصين في هذا المجال ومنها إنشاء جزر صناعية في مياهها الإقليمية، ارتفعت حدة التوتر في المنطقة، خصوصاً وإن هذه الإجراءات ترافقت مع اشتداد الأزمة بين بكين وطوكيو حول جزر “سنكاكو”.

من جانب آخر زادت أمريكا ميزانيتها العسكرية بمبلغ 54 مليار دولار من أجل تقوية نفوذها العسكري في مناطق متعددة من العالم ومن بينها منطقة شرق آسيا، وهذا الأمر قد أثار حفيظة كوريا الشمالية والصين خصوصاً وإن الأخيرة قد اعترضت على نشر واشنطن لصواريخ “ثاد” في كوريا الجنوبية وطالبت بإزالتها باعتبارها تمثل تهديداً لأمنها القومي.

وتعتقد بكين بأن التعزيرات الأمريكية في المنطقة تستهدف في نهاية المطاف تطويق قدراتها العسكرية والاقتصادية تحت غطاء مواجهة كوريا الشمالية، ولهذا سارعت إلى نشر المزيد من قواتها في المياه الإقليمية ومن ضمنها بحر الصين الشرقي.

ذريعة

  من خلال هذه المعطيات يمكن الاستنتاج بأن التلويح بمخاطر كوريا الشمالية ليس سوى ذريعة تتستر بها واشنطن لنشر قوات إضافية في شرق آسيا والحيلولة دون توسع نفوذ الصين التي باتت تؤرق الإدارة الأمريكية أكثر من أي وقت مضى بسبب نجاحاتها الكبيرة لاسيما في الميدان الاقتصادي.

وينبغي الإشارة هنا إلى أن الصين تسعى لتقوية تحالفاتها الإقليمية والدولية لمواجهة أي تهديدات أمريكية في المستقبل، إلى جانب مساعيها لتسوية الأزمات وفي مقدمتها الأزمة في شبه الجزيرة الكورية، ولهذا طالبت بكين، كوريا الشمالية بوقف تجاربها الصاروخية والنووية، كما طالب كوريا الجنوبية واليابان بوقف مناوراتهما البحرية المشتركة مع أمريكا لإبعاد شرق آسيا عن التوترات الأمنية والعسكرية التي تغذي التوترات السياسية في هذه المنطقة الحساسة من العالم.

موقف كوريا الشمالية من تهديدات الولايات المتحدة لقيت ترحيبا في الكثير من دول العالم خاصة تلك التي تعاني أو عانت من التدخلات والتهديدات الأمريكية.

يوم 10 أغسطس كتب الصحفي والمحلل عبد الباري عطوان في صحيفة رأي اليوم التي تصدر في لندن:

لا نُخفي في هذه الصحيفة، تعاطُفنا مع كوريا الشمالية ورئيسها “المِقدام” كيم جونغ أون، لأنه ربما يكون الوحيد الذي يجاهر بتحديه للولايات المتحدة الأمريكية، وتمسك بحق بلاده في تطوير أسلحة نووية، وصواريخ باليستيّة، تؤهلها للدفاع عن نفسها في مُواجهة أي عدوان أمريكي محتمل.

هذا التعاطف ليس مرده إلى كون هذا الرجل يُمثّل ديفيد الضعيف في مواجهة “غولايش” القوي العِملاق، مثلما تقول الأسطورة، وإنما لأن الولايات المتحدة “تبتزنا” وتَنهب أموالنا، وتشعل مناطقنا بالحروب والغَزوات، وتَبحث عن أي عدوٍ للعرب والمسلمين لتدعمه، ونحن لا نتحدث هنا عن إسرائيل فقط.

من مفارقات هذه الأزمة أن الإدارة الأمريكية ورموزها باتت تَهبط إلى مستوى الجيوش الإلكترونية العربية في حَربها الكلامية ضد كوريا الشمالية، ورئيسها، مثل اتهام مسؤولين أمريكيين للرئيس جونغ أون بأنه “الولد السمين”، أو “البلابوي الصغير”، و”الرئيس المهرج”، حتى أن نيكي هيلي استفزت الجميع عندما وصَفته، أي الرئيس جونغ أون، بأنه “مجنون”، وهو الاتهام الذي ظل “علامةً مسجلةً” للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.

الغَضب على قدر الألم، مثلما تقول القاعدة الأنسب في هذا المِضمار على الأقل، أغرب هذه المفارقات وأكثرها إثارةً للغَيظ، غيظنا على الأقل، أن يَخرج علينا جاريد كوشنر، صِهر الرئيس ترامب في حديث على قناة “فوكس نيوز″ الأثيرة على قلب أب زوجته، ويقول بكل ثِقةً أن كيم جونغ أون، رئيس كوريا الشمالية “شَخص غير مؤهلٍ إطلاقًا، لأنه يفتقر إلى الخبرة في السلطة والإدارة، ولم يطور مهاراته العملية التي تؤهله للتعاطي مع المَسؤوليات الكبرى التي يركزها بين يديه”، ويواصل كوشنر “هذا الرجل حصل على موقعه في قمة السلطة من خلال المَحسوبية والوراثة”.

سُبحان الله، مُعظم أصدقاء كوشنر الخلص، حَصلوا على مناصبهم بالمحسوبية والواسطة، والوراثة، والأهم من كل هذا وذاك، أن كوشنر نفسه، الذي يَحتل منصب المستشار الأول لعمه ترامب، حصل  على هذه المكانة لأنه زوج بنت الرئيس، لا أكثر ولا أقل، والصراحة يمكن أن تكون جارحةً في معظم الأحيان.

نعود إلى الأزمة الكورية الشمالية نفسها، ونتوقف عند تهديدات الرئيس ترامب بتحويل بيونغ يانغ إلى أرضٍ مَحروقة، واستخدام القوة الأمريكية الجبارة، التقليدية والنووية، بإنهاء نظامها، وكل هذه التهديدات لأنها طورت صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى الأراضي الأمريكية، وتستمر في تجاربها في هذا الصدد.

هذه التهديدات لم تَهز شعرةً في رأس الرئيس الكوري الشمالي، ورد عليها بوَضع قيادته العسكرية خُطّةً لإطلاق صواريخ باليستية أربعة صواريخ باتجاه القاعدة العسكرية النووية الأمريكية في جزيرة غوام في المحيط الهادي، “تَبعد حوالي 3500 كيلومتر من السواحل الكورية”.

كيم جونغ أون لا يريد أن يَضرب القواعد الأمريكية مباشرة، وإنما إيصال صواريخه إلى منطقة تَبعد عنها حوالي 40 كيلومترًا، لفَرد عَضلاته أمام الولايات المتحدة والعالم، وإحراج الرئيس ترامب، واختبار قدراته الدفاعية، وفَشَله في الاختبار، أي في التصدّي للصواريخ الكورية، سيكون كارثةً لأمريكا وسمعتها وهيبتها العسكرية.

ريكس تيلرسون، أحد “عقّلاء” الإدارة الأمريكية، وهم قِلة على أي حال، حاول التخفيف من تهديدات رئيسه، وقال أن بلاده مستعدة للحِوار لحل الأزمة مع كوريا الشمالية، وحَصر المشكلة معها ليس في تجاربها النووية، وإنما في تجاربها الصاروخية الباليستية، وتفضيله للعقوبات الاقتصادية التي جَرى تشديدها قبل أيامٍ على الحلول العسكرية.

العقوبات الدولية الجديدة التي فَرضها مجلس الأمن بضغطٍ أمريكي لن تدفع كيم جونغ أون للتخلّي عن تجاربه الباليستية، ناهيك عن النووية، حتى لو كانت ستكلّف خزينته مليار دولار سنويا، لأن الصين وروسيا وتايلاند تستودر معظم الحديد والفحم والأسماك من كوريا الشمالية، وإذا امتثلت هذه الدول للقرار، فإن إيران جاهزة للنزول إلى الميدان، جنبا إلى جنب مع الفلبين الدولة “العاقة” لأمريكا.

الصين ستدافع عن كوريا الشمالية

يوم 15 أغسطس نشر موقع “برافدا.رو” الروسي مقالا تناول تطورات أزمة كوريا الشمالية، وأشار إلى خروج الصين رسميا عن حيادها في هذا النزاع، وتلقيها في المقابل تهديدا أمريكيا بإعلان الحرب التجارية عليها.

جاء في المقال:

اليوم لم يعد يوجد أي شك في أن تورم الدمل الكوري الشمالي قد وصل إلى مرحلته النهائية، وأنه أوشك أن ينفقئ. لكن هناك انطباعا يبقى سائدا بأن الكلمة الأخيرة ستكون لبكين هنا.

وإذا نظرنا إلى سلسلة الأحداث كاملة في إطار ترتيبها الزمني، فلعله سيكون علينا أن نبدأ من يوم 8 أغسطس عندما بدأ يزداد دوران عجلة الإعداد للحرب بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، آخذة معها العالم كله تقريبا. ففي ذلك اليوم ظهرت معلومات تفيد بأن الصاروخ الكوري الشمالي العابر للقارات، قادر على حمل رأس نووي، وأن بيونغيانغ الحانقة جدا بسبب عقوبات الأمم المتحدة، وعدت بأن ترد على ذلك “بإجراءات عملية”.

والرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يستطيع تجاهل هذا التهديد المباشر، ووعد كوريا الشمالية “بنار وغضب لم يشاهد العالم قط لهما مثيلا”.

ورد بيونغيانغ كان جاهزا، ولمحت إلى أنه لم يبق إلا القليل، وأنها على وشك أن تغطي قاعدة “غوام” بصواريخ “هواسونغ 12”. أما ترامب الذي أدرك أن تحذيره السابق لم يكن “قاسيا بما يكفي”، وعد الكوريين الشماليين “بمتاعب لا يستطيعون حتى تخيلها”.

ولاحقا، جاءت معلومات جديدة من الولايات المتحدة تفيد بأن خيارات الحل العسكري أصبحت جاهزة، وأن من الممكن استخدامها في أي لحظة في حال قيام كوريا الشمالية بأي تصرف طائش. وإثر ذلك، كتب الرئيس ترامب في تغريدة على تويتر يوم الجمعة الماضي: “آمل بأن كيم جونغ أون سوف يجد طريقا آخر”. وبعد ذلك بساعتين كتب الرئيس ترامب تغريدة أخرى، أرفقها بصور للقاذفات الاستراتيجية “بي بي 1” في قاعدة “غوام” العسكرية. ومن الجدير ذكره كذلك أن رئيس البنتاغون أكد بدوره استعداد واشنطن للعمل الأكثر حسما مع كوريا الشمالية.

وكيفما يبدو عليه الحال، فلقد بدأ العالم يستعد تدريجيا للحرب، وأعلنت أستراليا عن وقوفها بالكامل إلى جانب الولايات المتحدة، وفي حلف الناتو أصبح القرار جاهزا لمصلحة الولايات المتحدة، ذلك خلافا لألمانيا التي دعت إلى ضبط النفس وحذرت من نشوب حرب نووية. وحين وضعت اليابان صواريخ “باتريوت” على أهبة الاستعداد القتالي، جاء على الفور تهديد بيونغ يانغ بأنها ستطلق 4 صواريخ متوسطة المدى من طراز “هواسونغ 12” إلى قاعدة “غوام” الأمريكية عبر أجواء اليابان ذاتها.

وفي هذا الصخب العام لم يكن مسموعا صوت لاعب عالمي رئيس وهو الصين، التي قالت بعد فترة صمت كلمتها، التي تحولت إلى مقالة افتتاحية في صحيفة “غلوبال تايمز”. وصرحت بكين بأن “من الضروري أن يفهم جميع الأطراف أنه عندما تهدد تصرفاتهم المصالح الصينية، فإن رد فعل الصين سوف يكون قاسيا”.

وفي هذه الحالة، أوضحت القيادة الصينية أنه في حال تهديد كوريا الشمالية الولايات المتحدة بصواريخها، فان الصين ستقف على الحياد التام. ولكن، ما إن توجه واشنطن وسيئول صواريخهما إلى كوريا الديمقراطية، رغبةً في إسقاط النظام الكوري الشمالي القائم، فإن الصين سوف تفعل كل شيء لمنع ذلك.

على بعد خطوة من الحرب النووية

وبعبارة أخرى، لا داعي إلى قراءة ما بين السطور. فبكين ستدافع عن بيونغيانغ بكل الوسائل بما فيها العسكرية منها. ولا حاجة إلى التذكير بأن الصين تصرفت كذلك في الأعوام ما بين 1950-1953 ضد الولايات المتحدة دفاعا عن كوريا الشمالية.

لقد حاولت بكين في الوقت الحالي أن تعيد واشنطن إلى رشدها، وأن تذكرها بأن عدم التروي في التلاعب بالسلاح النووي له أخطار غير محسوبة النتائج. غير أن رد واشنطن لم يتأخر كثيرا: إن الولايات ستبدأ في إجراء تحقيق حول انتهاك حقوق الملكية الفكرية في الصين، وحصولها على تكنولوجيات بطريقة غير مشروعة، وإن ترامب سيعلن عن ذلك رسميا في وقت قريب. ووفقا لصحيفة “بوليتيكو”، فإن نتائج هذه التحقيقات سوف تؤدي إلى زيادة حجم الرسوم على السلع الصينية المصدرة إلى أمريكا وبعض الدول الأوروبية.

هذا، وفي المكالمة الهاتفية، التي أجريت يوم 14 اغسطس ليلا بين رئيسي البلدين، دعا الزعيم الصيني الولايات المتحدة إلى تجنب اللهجة القاسية في التعامل مع كوريا الشمالية، وأعلن عن إمكانية الرد من جانب الصين في حال قيام الولايات المتحدة بأعمال عسكرية ضد جارتها كوريا الشمالية.

الحرب العالمية الثالثة

  مستهل سنة 2015 قال هنري كيسنغر مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق إن نذر الحرب العالمية الثالثة بدت في الأفق وطرفاها هم الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى.

وأوضح في حديث أدلَى به لصحيفة “ديلي سكيب” الأمريكية أنَ ما يجري الآن هو تمهيد لهذه الحرب التي ستكون شديدة القسوة بحيث لا يخرج منها سوى منتصر واحد، من وجهة نظره، هو الولايات المتحدة.

وزعم كيسنغر: أن واشنطن تركت الصين تعزز من قدراتها العسكرية وتركت روسيا تتعافَى من الإرث السوفييتي السابق، مما أعاد الهيبة لهاتين القوتين، لكن هذه الهيبة هي التي ستكون السبب في سرعة زوال كل منهما ومعهما كوريا الشمالية.

وأضاف: “إنَ إدراك الاتحاد الأوروبي لحقيقة المواجهة العسكرية المحتومة بين الولايات المتحدة الامريكية وكل من روسيا والصين المتباهيتين بقوتهما، دفعه للمسارعة بالتوحد في كيان واحد متماسك قوي”. وأفاد أن الدوائر السياسية والاستراتيجية الأمريكية طلبت من العسكريين احتلال سبع دول شرق أوسطية من أجل استغلال مواردها الطبيعية خصوصًا النفط والغاز، مؤكدا أن السيطرة على البترول هي الطريق للسيطرة على الدول، أما السيطرة على الغذاء فهي السبيل للسيطرة على الشعوب. وكشف كيسنغر أنَ العسكريين الأمريكيين حققوا هذا الهدف تقريبًا أو هم في سبيلهم إلى تحقيقه استجابة لطلباتنا. “وبقي حجر واحد علينا إسقاطه من أجل إحداث التوازن. وأوضح كيسنغر أنه يدرك “أن كلاً من الدبّ الروسي والتنين الصيني لن يقفَا موقف المتفرج ونحن نمهد الطريق لقوتنا، خصوصًا بعد أن تشن إسرائيل حربًا جديدة بكل ما أوتيت من قوة لقتل أكبر قدر من العرب. وهنا سيستيقظ الدب الروسي والتنين الصيني، وقتها سيكون نصف الشرق الأوسط على الأقل قد أصبح إسرائيليًا، وستصبح المهمة ملقاة على عاتق جنودنا، وأقصد هنا الأمريكيين والغربيين بصفة عامة، المدربين جيدًا والمستعدين في أي وقت لدخول حرب عالمية ثالثة يواجهون فيها الروس والصينيين. ومن ركام الحرب، سيتم بناء قوة عظمى وحيدة قوية صلبة منتصرة هي الحكومة العالمية التي تسيطر على العالم. ولا تنسوا أنّ الولايات المتحدة تملك أكبر ترسانة سلاح في العالم، لا يعرف عنها الآخرون شيئًا، وسوف نقوم بعرضها أمام العالم في الوقت المناسب.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا