المغفور له محمد الطنجاوي.. إعلامي وشاعر مغربي من جيل الرواد.. بقلم // محمد أديب السلاوي

المغفور له محمد الطنجاوي.. إعلامي وشاعر مغربي من جيل الرواد.. بقلم // محمد أديب السلاوي

المغفور له محمد الطنجاوي.. إعلامي وشاعر مغربي من جيل الرواد..

بقلم // محمد أديب السلاوي

بغياب الكاتب والشاعر المغربي محمد الطنجاوي، يوم الجمعة (25 نوفمبر 2016) تكون الساحة الإعلامية والشعرية المغربية والعربية، قد فقدت احد الأسماء الوازنة من جيل الرواد، الذين أسسوا لمرحلة جديدة من الصحافة الوطنية، ومن الشعر المغربي الحديث.

ظهر اسم الكاتب والشاعر محمد الطنجاوي، بمسقط رأسه تطوان، في خمسينيات القرن الماضي، ككاتب وشاعر موهوب، وتفتح متألقا في البداية بمجلة حائطية، وبعدها ظهرت مواهبه بالمحافل الفكرية والإعلامية بمقالات وأشعار طلائعية. وفي مطلع الستينيات غادر مسقط رأسه ليستقر بالعاصمة الرباط، وليعمل منتجا ناجحا بدار الإذاعة المغربية، وليساهم في تحرير جريدتي العلم والرأي العام والصحراء المغربية، (وهي الجرائد التي كانت أكثر انتشارا في السنوات الأولى من عهد الاستقلال) والتي تعرف من خلالها على القادة السياسيين الذين طبعوا هذه الفترة بعطاءاتهم الفكرية (علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني واحمد بنسودة وعبد الهادي بوطالب) وذلك قبل أن ينتقل إلى مدينة الدارالبيضاء ليعمل محررا إلى جانب نخبة من الأسماء الوطنية الرائدة (الفقيه محمد البصري، عبد الرحمان اليوسفي، المهدي بنبركة والعابد الجابري، وغيرهم ) بجريدة ” التحرير“، التي كانت صوت النخبة التقدمية والطلائعية في مغرب ستينيات القرن الماضي .

و بالرجوع إلى هذه الفترة من تاريخ الصحافة المغربية، سنجد أن تأثيرها بفضل أقلام الرعيل الأول من الكتاب والإعلاميين والمثقفين، كان قويا في نشر الوعي الوطني” بقيم الاستقلال”.

إن كتابات محمد الطنجاوي رحمه الله، ورفاقه من الكتاب والمحررين والصحفيين في هذه الفترة من التاريخ، استطاعت نشر نمط من السلوك الاجتماعي والثقافي والسياسي، وهو النمط الذي رسمته برامج وإيديولوجيات الأحزاب والهيئات الوطنية التقدمية، وهو أيضا ما جعل الصحافة وأقلامها النيرة، تطرح قضايا وموضوعات سياسية واقتصادية واجتماعية طلائعية وتقدمية، جعلها تصطدم بالسلطة، وتواجه سياساتها المخزنية / التقليدية بعنف وتحدي أحيانا.

لعبت الأقلام الشابة بالصحافة في هذه الفترة دور الرقيب فيما يتعلق بقضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، كما كانت من جانب آخر رغم المضايقات والمواجهات، حريصة كل الحرص على أن تكون هذه القيم حق من حقوق المواطن.

كانت الصحافة الحزبية وأقلامها الشابة في هذه الفترة المتميزة من تاريخنا الوطني، كيانا قادرا على توجيه الرأي العام / على إزعاج السلطة وتفتيت أطروحاتها / وعلى بث الوعي الوطني وإشعاره بقيم العدالة والحرية والديمقراطية. وقيادته إلى العمل المشترك والتضامن من أجل هذه القيم.

*****

في سنة 1962، شد محمد الطنجاوي الرحال إلى العاصمة المصرية / القاهرة، في إطار المشاركة في دورة تدريبية، استمرت زهاء سنتين ونصف، عاد بعدها إلى المغرب ليتحمل مسؤولية جريدة الأنباء / الجريدة الرسمية للحكومة، وليجعل منها صوتا ناضجا ومعبرا عن القيم الوطنية التي كانت تطبع خطاب الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله.

ويجب الاعتراف، أن الصحفي محمد الطنجاوي رحمه الله، استطاع أن يستقطب لجريدة الأنباء أقلام شابة ناضجة وواعية ومؤمنة بقيم الحرية والعدالة والديمقراطية. وان يبلور في خطها التحريري، الأهداف السامية التي كانت تطبع خطاب وسياسات الحسن الثاني رحمة الله عليه في تلك الفترة من التاريخ .

وبعد انتهاء مهامه بجريدة الأنباء، عمل رحمه الله في صحف أخرى منها جريدة الميثاق الوطني، قبل أن ينتقل إلى ديوان احمد بنسودة مستشار جلالة الحسن الثاني، ليتفرغ إلى كتابة القصيدة، ومتابعة الملفات السياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت تهم الديوان الملكي والسياسات المغربية  في تلك المرحلة.

*****

شعريا وإبداعيا، لمع اسم الراحل محمد الطنجاوي، بداية عقد الخمسينات، إثر مشاركته في مسابقة أدبية نظمت بمدينة تطوان التي كانت خلال تلك الفترة، عاصمة ثقافية بكل المقاييس، تستقطب أسماء ثقافية وازنة ، تنتمي إلى كل التيارات الطلائعية والتقدمية.

كانت باكورة إنتاجه قصيدة “صباح الحب“من مائة بيت، نال بها جائزة الشعر في مسابقة أدبية أشرف عليها الشاعر إبراهيم الالغي، والناقد الباحث محمد بنتاويت رحمة الله عليهما.

وقد تميزت هذه القصيدة في تقييم النقاد بصياغة لغوية محكمة، وبصور رومانسية مبتكرة، تتغنى بالطبيعة والحب والجمال، كما تميزت بالتعبير عن روح التمرد والثورة على التقاليد الشعرية العتيقة، التي كانت تطبع القصيدة المغربية في تلك الفترة.

ظهر اسم الشاعر محمد الطنجاوي، متزامنا مع ظهور العديد من الأسماء الشعرية والطلائعية العربية، التي جاءت بكتابات شعرية محدثة تختلف كل الاختلاف في الشكل والمضمون عن ما ألفه القارئ العربي من كلاسيكية القصيدة العربية، ومن هيبة الشعر الفصيح، سواء في المدرسة  الاتباعية الكلاسيكية، أو في مدرسة الديوان وابولو.

وقد أثارت هذه الأسماء حينها موجة من النقد والجدل أخمدتها في النهاية حتمية التطور التي لا تعرف توقفا ولا يدرك مصيرها أحد.

ولابد من الإشارة هنا، إلى أن الأسماء الشعرية المغربية الشابة، التي ظهرت متزامنة مع المرحوم محمد الطنجاوي، جميعها عكست بصدق ضمير هذه المرحلة التي وقف المغرب خلالها يبحث عن ذاته الوطنية، نذكر من بينها مصطفى المعداوي، ابراهيم السلمي، احمد صبري، ابن سالم الدمناتي، ابو بكر اللمتوني، احمد عبد السلام البقالي، محمد بن دفعة، محمد البوعناني، محمد الحبيب الفرقاني، محمد السرغيني، محمد الوديع الاسفي، وجميعهم انطلقوا من تصور مشترك لوظيفة الشعر، ترتيبا على موقفهم المشترك تجاه قضايا الواقع على نحو عام، ذلك لأن الحساسية عندهم كانت جزء لا يتجزأ من الحساسية الاجتماعية وإفرازاتها، ومن ثم كان الالتزام عندهم هو بلورة للموقف الشعري / الإبداعي، وهم في الغالب الذين سجلوا التحول الشعري في المغرب الحديث، الذي يلتقي بحركة الحداثة الشعرية العربية، التي ميزت الحياة الأدبية بالمشرق العربي خلال هذه المرحلة.

*****

في سبعينيات القرن الماضي، عاد الراحل محمد الطنجاوي رحمه الله بقوة إلى القصيدة الرومانسية، إذ حقق مجدا شعريا وفنيا من خلال تأليفه مجموعة من القصائد الغنائية الوطنية والعاطفية. التي لحن بعضها الموسيقار عبد الوهاب الدكالي، وغنى بعضها الأخر عبد الهادي بلخياط وعبد الحليم حافظ، إضافة إلى الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي مهد له الطريق ليصبح اسما شعريا واسع الانتشار في المشرق العربي. بعد أن غنى له أنشودة “الله اكبر“.

من آثاره الإبداعية “مولد القمر” وقصيدة” العهد” وقصيدة “هذه يدي ممدودة” التي أداها الفنان عبد الوهاب الدكالي، و”ملحمة العهد” التي ميزت الاحتفالات الوطنية أواخر ثمانينيات القرن المنصرم، وجميعها قصائد مجنحة، تنبض بالوجدان العاطفي والوطني.

*****

رحم الله الكاتب والشاعر محمد الطنجاوي، الذي تعرفت عليه في مطلع سنة 1961 بمدينة الدارالبيضاء، فهو الذي نشر لي مقالي الأول بجريدة التحرير، ذلك المقال الذي استقطبني لمهنة المتاعب، وجعلني منغمسا في دروبها وأتعابها إلى اليوم…

عرفت في الأستاذ محمد الطنجاوي، الصديق الوفي ذو الأخلاق العالية / عرفت فيه طيبة الإنسان الراقي، الذي لا تغيره لا المناصب ولا المواقف ولا الأحداث / وعرفت فيه المثقف النبيل، الذي يعتز بثقافته ولا يتباهى بهاء أمام رفاقه وأصدقائه.

إنه أحد الأسماء الوازنة لجيل الرواد في الصحافة والشعر، غيابه يعد خسارة فادحة لساحتنا الثقافية والإعلامية، نتمنى أن يعمل النقاد والباحثين على إنقاذ آثاره الإبداعية والإعلامية التي لم يتمكن من جمعها ونشرها في حياته.

الراحل "محمد الطنجاوي" رفقة كاتبنا المبدع "محمد أديب السلاوي"

                    *الراحل “محمد الطنجاوي” رفقة كاتبنا المبدع “محمد أديب السلاوي

مقالات ذات صلة


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا