المغرب من أزمة الفساد، إلى فساد الأزمة..

المغرب من أزمة الفساد، إلى فساد الأزمة..

  • بقلم // محمد أديب السلاوي

-1-

حركة الربيع العربي، التي انطلقت من تونس مطلع سنة 2011 برياح عاتية، في مشرق العالم العربي ومغربه، أكدت بما لا يدع مجالا للشك، أن “السلطة السياسية” في أنحاء عربية مختلفة، كانت وما تزال، هي أصل وهوية كل فساد، تعلل ذلك بالقرارات والتصرفات السياسية، للعديد من القادة والمسؤولين الذين أدت تصرفاتهم إلى تخريب المجتمعات وقيمها، وإلى زيادة الفوارق بين الشرائح والفئات. فالسياسة في “الوطن العربي”، لا تنحصر آثارها في المؤسسات الحزبية أو الحكومية أو البرلمانية، أو في القيم والسلوكات، بل تمتد إلى الأفراد والمجتمعات والقطاعات، خاصة وأن فاعليتها في هذا “الوطن” اعتمدت/ تعتمد على “النخبة” التي احترفت/ تحترف العمل السياسي، والتي عملت/تعمل على توزيع الأموال والمناصب والمسؤوليات، المتحكمة في المجتمع، وفي رسم القيم والأخلاق فيما بينها، وهو ما يجعل “الفساد” ابنا شرعيا للسياسة ونخبها وقيمها.

 وبتجربة الشعوب العربية التي نخرها سوس الفساد، فإن النخبة السياسية “المخدومة” والتي وصلت/ركبت السلطة خارج المشروعية، أو بواسطة انتخابات مزورة، أو في ظل ديمقراطية مغشوشة، تعطي الفساد قدرة على التوالد والتنامي والتجديد، وتزوده “بالآليات” التي تمكنه من فرض نفسه على البلاد والعباد، ليلقي بظلاله على مصالح الناس، أينما وجدوا وكيفما كانت حالتهم الاجتماعية والمادية.

إن التمعن فيما حدث في تونس ومصر، وما حدث/ يحدث في سوريا واليمن وليبيا، والبحرين والأردن، وفي جهات عربية عديدة، يعطي الدليل القاطع، أن سلطة الفساد تتجاوز المنطق والعقل. وبحكم العلاقات التي تفرضها السياسة على نخبها، تصبح المصالح بين أفراد هذه النخب خارج الشرعية والقانون، فعلى يدها أهدرت قيم القانون في العديد من بلدان العالم العربي، والعالم الثالث، وصودرت الحريات العامة، وغيبت الرقابة القضائية والشعبية، وألغيت مؤسسات المجتمع المدني، لتصبح “السياسة” مصدرا أساسيا للفساد، في أصنافه ومستوياته المختلفة.

إن اتساع الأدوار الاقتصادية والمالية للفاعلين السياسيين، أدى في العالم المتخلف، وفي أقطار عديدة من العالم العربي، مغربه ومشرقة، إلى اتساع مواز لمنظومة الفساد، وبالتالي إلى انهيارات اقتصادية وأخلاقية وسياسية، ما زالت آثارها السلبية جاثمة على الأرض، تكبر، تتسع، وتنشر الخراب والخوف والهلع بين الناس، وهو ما أدى في نهاية المطاف، إلى الإطاحة برؤوس “غليظة” كانت إلى وقت قريب محصنة بجيوش وأسلحة من كل الأصناف.

-2-
لقد كشفت العديد من الدراسات الأكاديمية، أن الفساد الأخلاقي/ السياسي/ الإداري/ المالي، هو فساد مترابط ومتداخل مع ظواهر الإجرام الأخرى، المتصلة بالمجتمع ومؤسساته المختلفة، وأعني بها ظواهر تجارة وتهريب المخدرات وتبييض أموالها، التجارة في الجنس البشري، تشغيل الأطفال في مافيات العهارة المنظمة. وكشفت هذه الدراسات أيضا، أنه بسبب التراكم، أصبحت للفساد في العالمين المتقدم والمتخلف على حد سواء، تقاليده ومؤسساته ونخبه وسلطاته، لتصبح مكافحته صعبة ومستحيلة في العديد من الدول، إذ بلغ اليأس حدا جعل العديد من الناس، يسلمون بأن المكافحة، لن تكون سوى ضرب من العبث، أو كالاعتراض على قوانين الطبيعة، بعدما أصبح الاعتياد على الفساد، سنة أو نهجا في العيش، وفي المعاملات والخدمات، وفي السياسات، له القدرة أكثر مما للقوانين التي تكافحه أو تنهي عنه.

في جهات عديدة من العالم السائر في طريق النمو، ومن العالم العربي، يتداخل الفساد مع القطاعات المنتجة والأساسية في الدولة، ويجعل من نفسه منظومة مترابطة ومتداخلة مع ظواهر أخرى، منها – بطبيعة الحال- المحسوبية والزبونية والرشوة والارتزاق والانتهازية… التي أغرقت بلدانا عديدة في براثن التخلف.

 وحسب منطق الدراسات العلمية والاجتماعية، فإن الفساد عندما يتخذ شكل “المنظومة” يتحول إلى أداة فاعلة للقهر والضعف والهشاشة والتهور، يتحول إلى مرجعية مركزية للتخلف الشامل، الذي يحبط ويقضي على كل إصلاح وعلى كل انتقال.

وعلى أرض الواقع، ساهمت “منظومة الفساد” في العالم العربي، وفي العديد من بلدان العالم المتخلف، إلى حد بعيد، في إحباط وتآكل المشروعية السياسية، لعلاقة السلطة بالمجتمع، مما أدى إلى فشل مبادراتها الديمقراطية، ومبادراتها في الاستثمار الخارجي، واستئثار جهة أو جهات معينة بالثروة الوطنية والامتيازات الاقتصادية والسياسية، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تعميق الهوة بين الشعوب وطموحاتها في الانتقال والإصلاح والتقدم.

والمفسدون هم أرباب الفساد، هم الصف “القوي” في العديد من البلدان العربية، وبلدان العالم الثالث، هم الذين يحاصرون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة والحرية ودولة الحق والقانون والمواطنة. هم الذين يدفعون إلى طغيان قانون القوة، بدل قوة القانون، وإلى تمركز السلطة والمال والامتيازات في جهة واحدة، وإلى تغييب المراقبة والمساءلة… وإلى اتساع رقعة الانحلال الخلقي، وإلى توسيع رقعة الفقر والفاقة والقهر والتهميش.

المفسدون، هم الذين يجذبون أوطانهم إلى الأسفل لتغرق في تخلفها وتناقضاتها أمام العالم، هم الذين يشكلون قوة خفية قاهرة، تعتمد كل أساليب الاحتيال والقهر والتجاوز والإفساد والاستغلال، من أجل تركيز أنفسهم في القطاعات والمجتمعات، والمراكز والمناصب، وصناديق الثروة والمال، وتعميق الهوة بين أوطانهم والإصلاح  بين أوطانهم والتقدم الحضاري.

والمفسدون قبل ذلك وبعده، هم “جيش عرمرم” من السياسيين والوزراء و المسؤولين والمقاولين، والمهربين، والمجرمين الإرهابيين، والمتاجرين في البشر، الذين باعوا ضمائرهم للشيطان، لا تميزهم عن الآخرين، في الإدارات العمومية، أو في البنوك وصناديق الدولة، والأحزاب السياسية والجماعات المحلية – القروية والبلدية- سوى بقدرتهم على اللصوصية، وعلى صياغة القرارات الفوقية الخاطئة جيش يخدم مصالحه، على حساب المصالح العامة، وقدرته على احتقار شعور الأغلبية العظمى من المواطنين وامتهانهم واستعبادهم.

يعني ذلك بوضوح، أن الفساد ليس مقدورا على الوطن العربي/ مغربه ومشرقه، كما يدعي ذلك صناعه، بل هو إرادة بشرية تتقصد الفساد والإفساد، ترعاه وتزكيه وتبرره وتدفع به ليكون قدرا محتوما، إنه “صناعة” سياسية، لا أخلاقية يحاول أصحابها من خلالها السيطرة على أكبر قدر من المكاسب الحرام، والامتيازات الحرام، والأموال الحرام و السلط الحرام.

 والسؤال الصعب الذي يحاصرنا، خارج كل الأقواس: (أية إستراتيجية) أية إصلاحات، تخلصنا من هذا الجحيم… جحيم الفساد والمفسدين؟

لا شك، أن انفجار حركات الثورة ضد الأنظمة الفاسدة في العالم العربي خلال السنوات الماضية، كان نتيجة أولى لما أحدثته منظومة الفساد، من تغيرات. فهل تستطيع هذه الثورات المتلاحقة تنظيف الخريطة العربية من الفساد والمفسدين؟

هل تستطيع حركة الربيع العربي القيام بهذه المهمة الصعبة في التضاريس المحصنة للخريطة العربية؟ … كيف… ومتى…؟

-3-

مغربيا، وليس بعيدا عن أحداث الربيع العربي، نعيش منذ عدة سنوات، على إيقاع أخبار فضائح الفساد المالي والإداري وفضائح الفساد الأخلاقي، أي الفساد المتعدد الصفات، الذي عصف بالعديد من الرؤوس الكبيرة، ومن الصناديق والمؤسسات الضخمة، حيث نشطت الصحافة و المنظمات الحقوقية والجمعيات المختصة خلال العقود الثلاثة الماضية، في إبراز آثاره التي مست بجنونها، القطاعات والمؤسسات بلا هوادة …ولا رحمة.

أن الفساد المالي/ الإداري/ الأخلاقي، المتشابك والمترابط، قد تحول خلال هذه العقود إلى «منظومة» محبوكة، امتدت فاعليتها بعد ما كونت لنفسها ثقافة وأدوات، إلى الأحزاب والمنظمات السياسية والنقابية، وهو ما جعلها لا تكتفي بالاعتداء على المال العام نهبا واختلاسا، ولكنها عمقت نفسها وثقافتها وأدواتها الإجرامية، في مراكز القرار، حيث عملت بهدوء على احتكار السلطة ومصادرة الحريات وإفساد الانتخابات وإضعاف المشاركة السياسية، كما عملت على تغييب الرقابة وإلغاء دور الأحزاب والمجتمع المدني.

ومن خلال ما تداولته وسائل الإعلام خلال هذه الفترة ، يبدو أن “منظومة الفساد” قد استطاعت حتى الآن، استقطاب جيش من المفسدين الذين وظفوا مراكزهم ومواهبهم وسلطاتهم لتركيز ثقافة الرشوة والارتشاء، ودعم تهريب المخدرات والاتجار فيها وتبيض أموالها، وتعميق ثقافة الابتزاز والزبونية والمحسوبية في الإدارة المغربية العمومية، وإعطاء المشروعية للفساد الانتخابي والاغتناء اللامشروع، وهو الجيش نفسه الذي أغرق المغرب في سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، التي عطلت/ وتعطل انتقاله الديموقراطي بكل الوسائل والأسلحة.

أن “الثقافة المخزنية” التي تناسلت قيمها بقوة في عهد الاستقلال، أوجدت شبكة سلطوية متداخلة مع شبكات الفساد، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى إفساد الحياة السياسية/ المالية/ الاقتصادية للبلاد والعباد، و تأهيل السلطة وأجهزتها، إلى بناء “نظام” تؤطره شبكات ومصالح وقوي نافذة، تعمل على تركيز البنيات والمقومات الإدارية على حساب سلطة المؤسسات ببنياتها القانونية والدستورية والسياسية.

ولعل أبرز المنجزات التي أنتجتها شبكة السلطة، (خاصة في عهدي الجنرال محمد أوفقير والشرطي إدريس البصري) تلك المتصلة بـ «النخب الجديدة» التي أوجدتها ودعمتها ماليا وسياسيا واقتصاديا وإداريا، والتي منحتها الامتيازات لتجعل منها قوة يحسب لها الحساب. ففي علاقتها بهذه النخب، استطاعت (شبكة السلطة) ممارسة تزوير الانتخابات وصناعة الأحزاب والمقاولات الداعمة للقهر السلطوي، وتشويه الخرائط السياسية والمخططات الاقتصادية،و قطع الطريق أمام كل قوى ديموقراطية/ تقدمية/ حداثية لا تدين للسلطة ولزبانيتها بالتبعية والولاء، وهو ما أدى إلى تحويل” منظومة الفساد” في العقود الأخيرة، إلى إمبراطورية متعددة السلطات على الخارطة.

-4-

هكذا استطاعت السلطة تحويل العديد من المؤسسات المالية والسياسية والاقتصادية، إلى إمبراطوريات مالية خاصة بعيدة عن المحاسبة والمراقبة والمساءلة والتوجيه، ولذلك لم يستطع المجتمع المدني ولا الصحافة الوطنية فضح ممارسات هذه الإمبراطوريات والتنديد بها أو الدفع بالقضاء إلى احتوائها.

في تسعينيات القرن الماضين حيث كانت سلطات ادريس البصري( وزير الدولة في الداخلية) تحكم أنفاس المغاربة، انفجرت أخبار الفساد في العديد من المؤسسات و المقاولات و الشركات الكبرى، في مقدمتها الخطوط الملكية المغربية، التي اعتبر ملفها شهادة حية على علاقة السلطة بالفساد المالي الذي عرفه المغرب، خلال تلك الفترة.

وفي تسعينيات القرن الماضي أيضا، يتعرف المغاربة لأول مرة على شهادات البنك الدولي، عن علاقة السلطة بالفساد في بلادهم ويتأكدون بالأرقام والحقائق الدامغة، إن الفساد يعيب إدارتهم واقتصادهم وماليتهم العامة،وان المفسدين يشكلون جيشا ينخر عمودهم الفقري بشكل منهجي محكم ، وأن السلكوات الإقطاعية لأرباب السلطة والمقاولات والشركات والصناديق المالية، حولت العديد من الأسماء الوازنة، إلى وحوش لا هوية لها.

وعندما انتقل المغرب إلى”محطة التناوب” التوافقي، كانت السلطة حتى ذلك الوقت، تتجاوز بنفوذها وسلطاتها المفتوحة كل التقاليد وكل مفاهيم الديمقراطية ومفاهيم حقوق الإنسان، وكل القوانين المرتبطة بهما، وكانت بقوة سلطاتها اللامحدودة، تتحكم في الاستشارات الانتخابية، وفي تركيبة المجالس البلدية والقروية، وفي تشكيل البرلمان بغرفتيه بأشكال متعددة الأبعاد، كما كانت تطبع سيطرتها على الصناديق المالية والبنوك والمؤسسات الاستثمارية والمكاتب الوطنية، لتجعل هذه المؤسسات آلة طيعة في يد وزارة الداخلية، مما جعل غالبية هذه المؤسسات/ الدستورية والمالية، تنغمس في متاهات التدبير والتسيير المشوب بالخلل، انطلاقا من سياسة الزبونية وسياسات شراء الذمم والرشوة.

      في سنة 1998، جاءت حكومة التناوب( حكومة السيد عبد الرحمان اليوسفي) من اجل الإصلاح و إنقاذ المغرب من أزمة ” السكتة القلبية” ولكن وصولها إلى الحقائق المتصلة بالاختلالات التي ضربت الاقتصاد الوطني والمؤسسات المالية والإدارة المغربية قبل وصولها إلى السلطة…كانت نتائجها مفزعة. وجعلت الشيء المؤكد أمامها، إن التحقيق في بعض ملفات الفساد، يعصف بالعديد من الرؤوس، ويفضح العديد من الممارسات و يجعل قضية الفساد في الاهتمام الشعبي المباشر، وهي نتائج لا يمكن التقليل من أهميتها، ولكنها في النهاية تصبح لا أهمية لها، عندما تجبر هذه الحكومة على الرحيل لتترك دار لقمان على حالها.

ردود فعل المجتمع المدني، تجاه” المبادرات” التي اتخذتها حكومة  ذ عبد الرحمان اليوسفي ضد الفساد المالي، كانت مبادرات محتشمة، مبادرات لا تضرب في عمق إشكالية هذا الفساد، ولا تمس بقادته ورموزه، الملفات التي أحيلت على محكمة العدل الخاصة أو على لجان التحقيق بالبرلمان أو التي تداولتها أجهزة الإعلام، كانت ملفات محدودة بالنظر إلى حجم الفساد المستشري في عروق الإدارة و المقاولات و الصناديق و الشركات وفي أجهزة العدل و الأمن والجمارك وغيرها من الدواليب العميقة،مما جعل حكومة اليوسفي في مأزق لا تحسد عليه، قد كانت المعطيات الأولية للملفات المعروضة على القضاء، أو التي أعلنت وزارة العدل عن انشغالها بتجهيزها و إعدادها للمحاسبة القضائية، تعبر بشفافية ووضوح عن هول الكارثة التي دبرتها ” منظومة الفساد؟ ضد البلاد والعباد…ولكنها بقيت حتى الآن بدون تفاصيل.

إن البرلمان بمجلسيه، طالب بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول لفساد الذي ضرب بعض المؤسسات المالية، لكن الفساد كان أكبر وأوسع وأشمل من ذلك بكثير، أنه كان يتحكم في وضعية شاملة، تتداخل على ساحتها، ممارسات و قضايا وأسماء وحالات ومليارات، يمكنها أن تقلب معادلة الفقر، إذا أعيدت إلى خزائن الدولة ووظفت بصدقية في مشاريع التنمية البشرية.

الخبراء يؤكدون، أن المغرب تجاوز أزمة” السكتة القلبية” سنة 1998، ولكنه في سنة 2008،وصل مرحلة “السكتة الدماغية”وفي المغرب الراهن/ في زمن الربيع العربي أصبح يعاني أزمة تنفس حادة لا أحد يدري، كيف ستكون نهايتها، وهو ما يعني أن حالة الإنقاذ تفرض علينا، حتى وان جرت رياح الربيع العربي،بما لا تشتهي سفن الشعوب العربية أن نكون مستعدين في أي لحظة إلى عناق الممكن المستحيل.

أفلا تنظرون..؟.

شارك برأيك

إلغاء الرد