القصص في القرآن الكريم: دراسة موضوعية وأسلوبية.. ـ 80 ـ

القصص في القرآن الكريم: دراسة موضوعية وأسلوبية.. ـ 80 ـ

القصص في القرآن الكريم: دراسة موضوعية وأسلوبية.. ـ 80 ـ 

 بقلم // الصديق بوعلام 

يمكن أن نميز في هذا النص القصصي من سورة النمل ست مقاطع سردية يأخذ بعضها برقاب بعض، في تسلسل تشويقي جامع بين أساليب الحكي والحوار والوصف والدعاء وانتقال المنظورالسردي من زاوية إلى أخرى، والأمروالاستفهام، والخطاب والتصويرالفني، والنفي والاستنكاروالتوكيد والحصروالحال.

ويبدأ المقطع الأول بإخبارالحق سبحانه بإتيانه داوود وسليمان علما، مع تنكيرلفظ علم للدلالة على أنه علم خاص، وعلى أنه علم عظيم، وهذا الإخبارالإلهي على سبيل الامتنان على هذين النبيين وهويستوجب الشكر، وذلك ما كان منهما، إذحمداالله، والحمد،يتضمن شكرالمنعم في صيغة الثناء عليه.

قال تعالى:

ولقد آتينا داوود وسليمان علما، وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثيرمن عباده المؤمنين.

وأي فضل أعظم من فضل العلم، لا سيما إن كان علما خاصا وهبه الله للأنبياء والرسل عليهم السلام.

ووراثة سليمان لأبيه داوود عليهما السلام تشمل الملك والعلم، لكن سليمان علم فضلاعن ذلك منطق الطير، بل لغات الحيوان، وآتاه الله من كل شيء، وهذا من معجزات

الأنبياء عليهم السلام، التي لايحيلها العقل،بل إن نبينا محمدا

صلى اله عليه وسلم كان يفهم لغة الحيوان، فقد شكت إليه الغزالة، وكلمه الضب،وشكاإليه الجمل إلى غيرذلك،

من معجزاته صلى الله عليه وسلم المتعلقة بكلام الحيوان وفهمه له عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام،

قال تعالى

وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطيروأوتينا من كل شيء، إن هذا لهو الفضل المبين،

وسليمان يتحدث هنا بنعمة ربه عليه، والتحدث بالنعمة مطلوب محمود، خاصة إذا لم يكن القصد من وراء ذلك التباهي والفخر، بل الشكرودعوة الناس إلى الحق،

ولم يكن ملك سليمان مقتصرا على عالم مملكته من الناس الذين كانوا فيها، بل شمل ملكه عالمي الجن والإنس ومملكة الحيوان كذلك، فقد أخبرنا الله عزوجل بأنه قد حشرلسليمان جنوده من هذه العوالم،

قال سبحانه

وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطيرفهم يوزعون،

ومن ثم جعل الله له من القوة والعتاد والقدرة والبأس ما امتدت معه مملكته لتخضع ممالك الأرض لكلمة التوحيد،

وهنا ينتهي المقطع الأول وقد مهدت نهايته لبداية المقطع الثاني حيث انتهى الأول بمشهد عظيم يدل دلالة تصويرية فنية على مدى ملك وقوة ونفوذ سليمان، ويبدأ الثاني بوصف رحلته في الأرض داعيا إلى الله  تعالى، صادعا بالحق،  مزهقا للباطل، حتى إذا بلغ جيشه العرمرم العجيب المدهش واد النمل سمع نملة تخاطب بقية النمل محذرة إياهم من خطرأن يحطمهم سليمان وجنوده بسنابك أفراسهم وهم لا يشعرون،

قال تعالى

حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون،

وهذا الخطاب، بل هذا المشهد العجيب برمته  يوحي بأن للنمل نوع إدراك ونوع لغة، ونوع فهم، ولعل هذا الجانب مما أخذ العلماء يكتشفونه لا في عالم النمل وحده، بل في عوالم مملكة الحيوان كلها، ونحن نعلم أن نظام حياة النمل والنحل والطيروغيرها من الأنواع قد بلغ من الدقة والإعجاز ما يحيرعقول العلماء، أفليست هذه المخلوقات تتمتع بمستوى من التعقل ـ إن صح التعبير ـ قد يختلف عن التعقل البشري، لكن آثاره من أعجب ما يدل على قدرة الخالق سبحانه وبديع

صنعه في الآفاق، خاصة وأن الخطاب في هذه الآية من النملة إلى أخواتها بصيغة العاقل،

ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم

إنه لأمرعجيب حقا، لكن معجزات الله في الكون لاحدود لها، وقد قال سبحانه

وما من دابة في الأرض ولا طائريطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم، ما فرطنا في الكتاب من شيء، ثم إلى ربهم يحشرون،

سورة الأنعام

وقال

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟

سورة فصلت

وقال

قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشئ النشأة الآخرة، إن الله على كل شيء قدير،

سورة العنكبوت

فليس هذا المشهد الإعجازي عارضا في سياق القصة، بل هو من جوهرها الدلالي المتضمن لبيان أن قدرة الله عزوجل لا يحدها شيء وأن علمه سبحانه محيط بكل شيء،

ولما فهم سليمان الخطاب، وعلم أن هذه نعمة من المنعم سبحانه عليه، بادرإلى الدعاء، سائلا المولى عزوجل أن يلهمه شكرنعمته التي أنعم بها عليه وعلى والديه وأن يوفقه لما يرضاه من العمل الصالح، وأن يدخله في عباده الصالحين، والأنبياء عليهم السلام ومن سارعلى نهجهم القويم دائموالشكر، كلما تجددت لهم نعمة جددوا الشكرللمنعم، وهم يعلمون أن شكرهم نفسه نعمة منه فلا يكفون عن الشكرولاينتهون من الحمد،ولايتوقفون عن الثناء،

وانظرإلى روعة التصويرالفني كيف جمع بين وصف

المشهد من كل نواحيه، فصورلنا حديث النملة المشفقة على نفسها وعلى بنات نوعها، ووصف لنا شعور

سليمان بالاغتباط والسعادة والرحمة والشفقة واللطف وهويتبسم ضاحكا من قولها، ووصف لنا في نفس الوقت مبادرته إلى الدعاء سائلا التوفيق للشكروالهداية إلى صالح العمل،

وينتهي هذا المقطع الثاني المصورلقصة سليمان مع النمل  ليأخذنا السياق القصصي إلى مقطع ثالث متصل بالأول اتصال المعجزة بالأخرى، ومرتبط به ارتباط الأرض بالسماء، فإذا كانت الآيتان السابقتان سردتا قصة النمل فإن الآيات التي يتألف منها المقطع الثالث تسرد قصة الطير، ممثلا بأحد أجمل وأعجب أنواعه وهوالهدهد، لكنه هدهد مهتد هاد،

وكل خلق الله آيات هداية، غيرأن هدهد سليمان ناطق بالهداية مبرهن عليها بحججه الدامغة، بلسان المقال لا بلسان الحال فقط، وهكذا اتصل هذا المقطع الجديد بالذي سبقه

اتصال عالم النمل الذي يدب في الأرض، بعالم الطيرالذي يسبح في أجوازالسماء،

قال تعالى

وتفقد الطيرفقال مالي لا أرى الهدهد أم كان الغائبين؟ لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين، فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين،

إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين

لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لايهتدون، ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون ، الله لا إله إلا هورب العرش العظيم،

إن نهاية هذه الآية من المقامات التي يسن السجود عندها عند تلاوة القرآن الكريم أوالاستماع إليه، ومن روعتها البيانية والإعجازية أن القارئ والمستمع يشعران بالحاجة إلى السجود كلما قرآها أو سمعاها حتى وإن لم يكن لهما علم سابق بأنها من مقامات سجود تلاوة القرآن الكريم،

وذلك للجلال والجمال العظيمين اللذين ينسكبان في روحهمامن سياقها وألفاظها ومعانيها ومن عجائب خطاب الهدهد المهتدي الهادي،

وذكرالحيوان في القرآن الكريم من أبلغ وسائل الإقناع وبراهين الإبداع الإلهي، وغالبا ما يكون ذلك عن طريق ضرب الأمثال به، فقد ضرب الله تعالى أمثالا بالعنكبوت، والذباب، والكلب، والحمار، وفي ذلك دلالة بليغة على

أن هذه المخلوقات وغيرها، آيات من وجوه عدة،

من حيث دلالتها على وحدانية الخالق، وقدرته، وعلمه، وصفات كماله وجلاله وجماله، ومن حيث دلالتها على

صدق رسله عليهم الصلاة والسلام، ومن حيث دلالتها

على افتقارالعالم إلى خالقه، ومن حيث دلالتها على دروس وعبرتنفع المؤمن، وتقيم الحجة على المنكر، ومن حيث دلالتها على حقائق علمية سبق القرآن الكريم العلم الحديث

إلى بيانها بأوجزلفظ، وأصدق معنى،

ينظرفي هذا الصدد كتاب الأمثال في القرآن الكريم، دراسة موضوعية وأسلوبية، لكاتب هذه السطور، دارأبي رقراق في الرباط، ص 95 96.

 القصص في القرآن الكريم

القصص في القرآن الكريم

مقالات ذات صلة


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا