“العلم” في لقاء خاص مع البروفيسور أحمد عراقي: السياق الذي انعقدت فيه مؤتمرات الكوب بعد الأزمة

“العلم” في لقاء خاص مع البروفيسور أحمد عراقي: السياق الذي انعقدت فيه مؤتمرات الكوب بعد الأزمة

“العلم” في لقاء خاص مع البروفيسور أحمد عراقي: السياق الذي انعقدت فيه مؤتمرات الكوب بعد االأزمة المالية لعام 2008 اتسم باشتداد المنافسة الاقتصادية بين الدول الملوثة وإعطاء الأولوية لإعادة التوازنات المالية على حساب التعامل مع الاحتباس الحراري الآخذ في الارتفاع بشكل مهول

كان علي أن أتسلح بجرعة زائدة من الطاقة لمواكبة حركية الدكتور أحمد عراقي الذي أطَّر، عبر مدن متفرقة جغرافيا على التراب الوطني، عدة لقاءات تحضيرية لمؤتمر كوب 22، إلى جانب التزاماته السياسية والأكاديمية والشخصية الأخرى، وكان علي أن أتابع معه جوانب شتى للتغيرات المناخية، بدءاً بالجانب التقني المحض ولغة الخبراء والأكاديميين المرتبطة به، انتهاء إلى الجانب الجيوسياسي للموضوع والمفاوضات بتاريخها وحاضرها ورهاناتها المستقبلية، مرورا بالشق القانوني والإعلامي والأخلاقي للمسألة. ووجدت نفسي ومعي أغلبية الحاضرين في تلك الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية أستمتع بقدرته على قول أشياء غاية في الجدية والأهمية بطريقة مبسطة وهزلية. رغم ذلك، مر الوقت سريعاً وانتابني ذعر قفل (bouclage) هذا الملحق دون أن أحظى بلحظة مكاشفة هادئة مع هذه الشخصية الفريدة، التي زاولت مهام كثيرة من بينها كاتب الدولة المكلف بالبيئة في حكومة ما سمي بالتناوب التوافقي، والتي تخفي خلف سخريتها السوداء علما شغوفا بالتعلم أكثر وتفاؤلاً بقدرات هذا البلد وهذه الجهة من العالم على صنع غد أفضل شرط الاعتماد على الذات وعلى المعرفة…

إلى أن كان هذا اللقاء الخاص مع الدكتور أحمد عراقي في مكتبه كرئيس شرفي ومستشار للجمعية المغربية للعلوم الطبية، في كلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء… وهكذا كان:

♠ العلم – أجرت الحوار : زكية حادوش

*فيما يتعلق بالعلاقة بين دول الشمال ودول الجنوب وخصوصاً إفريقيا ينطبق عليها المثل الدارج: اتشفر الجمل وتصدق كوارعو!

 * أصبحنا في 2001 أول دولة إفريقية تحتضن الكوب

* إحداث مرصد للتغيرات المناخية على ترابنا وفريق أكاديمي لدراسة المناخ

• تحدثت مرارا عن «المفعول الكارثي للكوب»، فما هو بالتحديد؟

• أقول إن مفعول مؤتمر الأطراف في الاتفاقية الأممية الإطار حول التغيرات المناخية (المعروف اختصارا بكوب) كارثي لأنه يضفي شيئاً ما من المشروعية الدولية على ما يؤطر للاحتباس للحراري. مثلاً من المهام المعلنة للكوب متابعة تقليص الغازات الدفيئة بنسبة 5 بالمائة مقارنة مع سنة 1990، وإبان كوب 15 سنة 2009 تم تسجيل زيادة 37 بالمائة في تلك الانبعاثات على المستوى العالمي، وكذلك إبان مؤتمر باريس، أي كوب 21 سنة 2015، يمكن تقدير هذه الزيادة بما يناهز 50 بالمائة! وبالتالي، فالسياق الذي انعقدت فيه مؤتمرات الكوب بعد «الأزمة» المالية لعام 2008 اتسم باشتداد المنافسة الاقتصادية بين الدول الملوثة على الصعيد الكوني والدول الصاعدة (pays émergents) وإعطاء الأولوية لإعادة التوازنات المالية ومن ثم الاقتصادية العالمية على حساب التعامل مع مسببات ومخلفات الاحتباس الحراري الآخذ في الارتفاع بشكل مهول.

 • هل تقصد أن مؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للتغيرات المناخية لا جدوى منه على أرض الواقع لأنه لا يشكل أداة فعالة للتقليص من الغازات الدفيئة على المستوى الكوني؟

• أقصد أن الاتفاقية الإطار نفسها ملغومة، وللتعامل بشكل صحيح مع مؤتمر المناخ يجب معرفة هذه الألغام. وهنا لا بد من العودة إلى التاريخ: قبل الحرب العالمية الثانية، وبعد تكشف مساوئ الثورة الصناعية وانعكاساتها السلبية على البيئة، كانت هناك مواجهة نظرية بين مدرستين، ألا وهما الإيكولوجيا العميقة والإيكولوجيا المتمركزة. ثم نشبت حرب عالمية مجددا بين الإخوة الأعداء جعلت الجميع يعيد البحث عن نموذج جديد للتنمية خصوصا بعد أن تضع الحرب والاستعمار المجالي أوزارهما. سنة 1947 كانت المفاوضات الأولى وهي تجارية بالأساس، في نفس الوقت تم تبني الميثاق الأممي لحقوق الإنسان، وبرزت القضية البيئية إلى الوجود عبر معادلة بيئية/اقتصادية، إلى حين ظهور بوادر الكارثة الطبيعية على سلم الكوكب. ابتداء من ستينات القرن الماضي تطرق نادي روما إلى المسألة عبر دراسته للمستقبليات. ثم في سنة 1972 انعقد مؤتمر ستوكهولم الذي صار على نفس المنوال، واندلعت أزمة البترول سنة 1973 في ظل مواجهة مفتوحة بين القطبين الشرقي والغربي، إلى أن جاء تقرير السيدة برنتلاند سنة 1987 الذي تحدث لأول مرة عن مفهوم التنمية المستدامة باعتبارها «تلبية حاجيات الأجيال الحالية دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية حاجياتها». ما نغفله عادة بخصوص هذا التقرير هو فقرة تتحدث عن تنمية المبادلات التجارية الدولية من أجل مساعدة إفريقيا على مقاومة التلوث…علماً أن هذه المبادلات هي أساس النهب والتفقير ولا وجود لتلوث سببه إفريقيا (آنذاك لم تكن إفريقيا تساهم سوى بنسبة 0.5 من انبعاثات الغازات الدفيئة على مستوى الكوكب).

 • كلما تكلمت عن هذا الموضوع تحتد لهجتك… لماذا؟

• فيما يتعلق بالعلاقة بين دول الشمال ودول الجنوب وخصوصاً إفريقيا، ينطبق عليها المثل الدارج: «تشفر الجمل وتصدق كوارعو»! عندما تحملت مسؤولية قطاع البيئة وجدت وضعية لا تصدق: كان مؤتمر ريو قد انعقد في 1992، وتم توقيع بروتوكول كيوطو سنة 1997 وإفريقيا لم تكن حاضرة، حتى 1999. بمعنى كل شيء كان يحدث على حسابها وفي غيابها. وأول شيء قمنا به هو إسهامنا في إحداث «اللجنة الوزارية الإفريقية للبيئة» (CMAE) في أبوجا. وكانت تلك أول مرة ينتظم فيها الأفارقة للحديث عن البيئة. لقد استغرق العالم قرونا للوصول إلى أول قمة للأرض، وانعقد أول مؤتمر للمناخ سنة 1995، من دون إفريقيا ومن دون أخذ رأيها. بالنسبة لنا، كان ذلك عيب صارخ، إذ كيف يعقل أن يستمر الآخرون في تقرير مصيرنا في غيابنا؟ لذلك، بدأنا نتحرك وتمكنا من الدخول إلى كواليس برنامج الأمم المتحدة للبيئة وطبعاً حتى إلى مؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للمناخ ودافعنا عن مواقف إفريقيا، وإذَّاك وضعنا ترشيحنا لتنظيم «كوب 7». كان لدينا ملف مطلبي متكامل تحقق منه القليل بعد ذلك.

• مثلاً؟

• مثلاً، تدخلت شخصيا لدى لجنة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بشأن مكافحة الفقر. كانت هناك لجنة تشتغل منذ 15 سنة حول الموضوع. وبما أن الفوارق كانت تتضاعف بين الأغنياء والفقراء (إذ كانت حسب علمي بين 1 و 30 في 1960، وبين 1 و75 في سنة 2000)، اقترحت في ملتمس باسم المغرب إحداث لجنة لمحاربة التفقير وليس الفقر فقط. والفكرة هي أنه لا ينبغي تفقير الناس ثم القدوم بعد ذلك لمنحهم الصدقة!

لقي هذا الخطاب صدى، وبالإضافة إلى مبادرات أخرى أصبح لنا صوت وبدأ المنتظم الدولي يستمع إلى ضحايا عملية النصب الكبرى التي تسمى «حماية البيئة»، وهم طبعاً الأفارقة بالدرجة الأولى. هكذا أصبحنا في 2001 أول دولة إفريقية تحتضن «الكوب».

• على حد علمي كنت وراء استقدام هذا المؤتمر المناخي إلى المغرب لأول مرة لكنك استُبعدت منه، فما الذي حصل بالضبط؟

• آنذاك كان وجودي يضايق العديد من الأطراف بما فيها هنا في المغرب، لدواعي لا داعي لذكرها اليوم. لذلك، نُظمت كوب 7 من دوني. مع ذلك تم اعتماد بعض من اقتراحاتنا، خصوصا ما ارتبط بآليات التنمية النظيفة ومبدأ «الملوث المؤدي»… المهم، قد يكون بمثابة اختبار لحسن النية أن نطرح اليوم على كوب 22 نفس ما كان مطروحاً على كوب 7.

• ما هي أوجه التشابه والاختلاف بين المؤتمرين؟

 • أولاً موازين القوى كما قلت آنفا كانت مختلفة. ولم نكن محتاجين وقتئذ لممارسة الإغواء للحصول على فرصة تنظيم الكوب، كما هو الأمر اليوم. كانوا هم من يبحثون عن إرضائنا. لكن الآن، أولويات إعادة التوازنات طغت على الساحة الدولية وصارت المسألة البيئية آخر هم أصحاب الحل والعقد. وبالتالي، بدل مقارنة ما لا يقارن اكتفي بطرح سؤال التكلفة: من المتوقع أن يحضر الكوب 22 ما يقارب 37000 شخص، اضربوا عددهم في مبلغ 6000 دولار كمصاريف تنقل، اجتماع وتعويض يومي، سيكون لديكم مجموع يكفي لتغذية القارة الإفريقية بأكملها لمدة يوم. أترك لكم استخلاص النتائج من ذلك.

• بعد هذا الاستطراد الضروري، هل يمكن العودة إلى أهم التواريخ التي قادتنا إلى كوب 22؟

• باختصار، سنة 1989 تم تأسيس الفريق البيحكومي لدراسة المناخ (GIEC) الذي أصدر في 1991 أول تقرير يعترف بالمسؤولية البشرية في التغيرات المناخية. رغم استناده إلى العلم، يبقى هذا الفريق خاضعاً لاعتبارات ومصالح سياسية نظراً لطبيعته الحكومية. إثر ذلك، تم تبني مقاربة تلاؤم التنمية مع البيئة مع استراتيجيين فرعيتين اثنتين: «البيئة من أجل التنمية» موجهة لدول الشمال و»التنمية من أجل البيئة» موجهة لدول الجنوب. ونتج عن ذلك، تبادل الانتظارات بين دول الشمال والجنوب، والعيب في نظري يعود أصلا إلى الاتفاقية الإطار «التي خرجت من الخيمة مائلة»! فمن أصل 185 وقعتها 177 دولة فقط ولم يوقعها كبار الملوثين، أما المصادقة عبر الأجهزة التقريرية الوطنية فلم تتم حتى لدى الدول الموقعة. سنة 1995، انعقد أول مؤتمر للأطراف (كوب 1) كأعلى جهاز لتتبع التغيرات المناخية والالتزامات الدولية بشأنها، ثم بروتوكول كيوطو في 1997 الذي منح بعض الأمل، لكنه حتى وإن كان في صالح دول الشمال، لم توقع عليه أغلبيتها بسبب تضارب المصالح فيما بينها. لذلك ظل تقليص انبعاث الغازات الدفيئة على المستوى الكوني بنسبة 5 بالمائة حبراً على ورق، إلى أن أُقبِر بروتوكول كيوطو في كوبنهاغن سنة 2009 لأسباب سبق ذكرها على صلة بالأزمة المالية 2008. وأخيراً، جاء اتفاق باريس الذي صدر العام الماضي عن كوب 21. اتفاق باريس يتبنى مقاربة طبق الأصل عما سبق، وهو نسخة منقحة سلباً عن بروتوكول كيوطو.

• ما هي الألغام الأخرى التي ينبغي الانتباه إليها؟

• اللغم الأساس هو ثقافي بامتياز. على امتداد عقود من تاريخنا الحديث، تم إفراز ثقافة إطارها العولمة والشمولية الاقتصادية، وفي ذلك تأثير خطير على الأذهان. وهناك ألغام تتعلق بمفاهيم جذابة غير أنها لا ترتكز على أساس علمي، مثل «الاستقلالية الطاقية» و»العدالة المناخية». هذان مفهومان مضادان لنموذج الطبيعة. إن الاستقلالية الطاقية مستحيلة لأن توزيع الطاقات والموارد غير المتجددة متفاوت طبيعياً، ثم إن توفر الطاقات المتجددة متفاوت كذلك بسبب الهوة بين دول الشمال والجنوب في مجال تقنيات استغلال هذه الطاقات. شئنا أم أبينا لا وجود لاستقلالية في الطبيعة، ومن الأفضل تعويض مصطلح الاستقلالية الطاقية بمصطلح التكامل الطاقي على صعيد الكوكب، وإلاّ سنواجه الحروب، وهذا ما يحصل اليوم في الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا الجنوبية.

أما فيما يخص العدالة المناخية، فالطبيعة لا تعترف بكلام البشر ولا يمكن التعامل معها سوى بالتضامن وليس بالكلام. من جهة أخرى، حتى بين البشر أنفسهم، لا تغير المواجهة اللفظية أو العنيفة شيئا بل تزيد من تأزيم الأوضاع لأن القوي لن يخضع للضعيف حتى وإن علا صوت هذا الأخير.

 • وصلنا إلى مربط الفرس، ما العمل؟

• كل واحد منا يحتفظ بقدرته على التحكم بمجريات الأحداث، بشروط: أولها، النقد الذاتي، أي مراجعة كل واحد لطريقة تعامله سواء مع المجتمع أو مع الطغيان أو حتى مع الحلفاء، علما أن خطاب تحمل المسؤولية هو خطاب لا يمر بسهولة، وأنت تدركين لماذا اخترنا خلال حملة نظافة الشواطئ الأولى عام 1999 شعار «نظافة الشاطئ مسؤوليتي أيضاً». ثاني الشروط هو الاحتكام إلى العلم والمعرفة، وإلاّ «ادخل سوق رأسك». إذا توفر الشرطان في الشخص إضافة إلى القناعة الراسخة، يكون فاعلاً. الشرط الثالث هو ترشيد التعامل مع البيئة، عبر ملفين اثنين: ملف الأخلاقيات البيئية التي عادة ما تأتي بعد وقوع الكوارث، سواء في العلاقات الاجتماعية أو الطبية… في عهد سقراط وأبقراط أعطي لها مفهوم الفضيلة ثم حورها السياسويون -ليس عندنا فقط- إلى سلطة جديدة من منطلق أنهم في جميع أنحاء العالم وعبر التاريخ يبيعون القرد ويضحكون على من اشتراه. هي إذاً أخلاق بعدية والمطلوب للمضي قدما هي الأخلاق الاستباقية أو القبْلية في التعامل مع البيئة لأن الطبيعة تنتقم لنفسها. مثلاً، إذا دمرت غابة أركان اليوم يجب البدء بإعادة غرسها الآن وانتظار مليون سنة لكي تعود كما كانت! ورش الأخلاقيات ورش ضخم وليس قريب ولا سهل الإنجاز، لكن إذا حددنا اليوم الأسس المرجعية لها مثل سقراط نكون قد بدأنا الاشتغال فعلاً.

الشرط الرابع، وهو الهدف الذي سطرناه حين تقدمنا بترشيح المغرب لاحتضان الكوب لأول مرة هو إحداث مرصد للتغيرات المناخية على ترابنا، وما زال هذا مطلبنا لأن الحاجة ملحة إلى تنسيق دولي شمال/جنوب في هذا المجال وفي توفير المعلومة المناخية في وقتها الحقيقي واستعمال الخبرة الملائمة والتقنيات الموثوق فيها، بحيث تمكن في نهاية المطاف من اتخاذ القرار المناخي المناسب في الوقت المناسب.

كبديل للفريق البيحكومي للمناخ السالف الذكر ندفع في التحضير للكوب 22 وخلالها بفريق بيأكاديمي لدراسة المناخ.

• ما هي مؤهلات المغرب للعب دور طلائعي سواء في الكوب أو غيرها؟

• أولا: موقع جغرافي وجيو استراتيجي متميز، ثانيا: تنوع طبيعي وثقافي متكامل، ثالثا: توفره على تجربة في هذا المجال لأنه ينظم مؤتمر المناخ لثاني مرة، رابعا: مؤهلاته العلمية التي يمكن على بساطتها أن تلعب دوراً طلائعياً.

 • كيف السبيل إلى ذلك؟

• ليس هناك من طريق ثالث في التعامل مع هذا الملف. إما الجدية والأخلاق وإما العبث وانعدام الأخلاق… طبعاً، إذا كان مبتغانا هو المصلحة العليا للوطن والبشرية لا مجال سوى للجدية والأخلاق.

مقالات ذات صلة


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا