العربات المجرورة أو «الكوتشي» تراث لا مادي يعاني في صمت

العربات المجرورة أو «الكوتشي» تراث لا مادي يعاني في صمت

العربات المجرورة أو «الكوتشي» تراث لا مادي يعاني في صمت

  • مكنـــاس: الخياطي الهاشمي

يعتبر سكان مدينة مكناس وخاصة القدامى منهم، أن العربات المجرورة أو «الكوتشي» يعد من أقدم وسائل النقل العمومية، التي كان لها ارتباط قوي بالمدينة العتيقة، وخاصة بأحياء سيدي عمرو، والدار الكبيرة، وأكدال، والقصبة، وبني امحمد، والملاح، وغيرها، وكانت هذه الوسيلة الوحيدة التي تؤمن نقل الأشخاص خلال الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، وبالتالي كانت تضفي جمالية متميزة على المدينة، يعشق ركوبها السياح الأجانب، قبل السكان والزوار القادمين من مجموع التراب الوطني التواقين إلى زيارة ضريح الشيخ الكامل والمآثر التاريخية.

عن هذه الوسيلة الشعبية يتحدث مهني قديم، ويقول إن راكب الكوتشي يشعر بإحساس غريب ينتابه، وهو يترنح ويساير إيقاع النغمات التي يحدثها وقع حوافر الحصان على قارعة الطريق، يتابع بتمعن حركة صاحب الحصان وصخبه، منبها المارة إلى إخلاء الطريق، أو إلى الدفع بالحصان إلى السير بتؤدة أو التوقف الاضطراري وتجنب المخاطر.

ويكفي اليوم أن يمر أمامك الكوتشي وحينها ترجع بك الذاكرة إلى ماض بعيد وتاريخ عريق، حيث كان السكان يستعملونه عند كل تحركاتهم وتنقلاتهم، حيث كان يسدي لهؤلاء مجموعة من الخدمات الاجتماعية والاقتصادية، إلى أن الانطباع السائد آنذاك كان سيئا لدى مجموعة من الجمعيات والأشخاص على اعتبار أن الكوتشي الذي كانت تنافسه العربات المجرورة بالبغال أو الحمير كان يساهم في ترييف المدينة، بالنظر أيضا إلى الملوثات التي تخلفها في أماكن وقوفها دون تنظيف يذكر، مما حدا بالمصالح المختصة والمجلس البلدي أواخر السبعينيات للحد من هذه الظاهرة، وبالتالي القضاء عليها نهائيا وتعويضها بسيارات الأجرة الصغيرة، ولم يبق إلا كوتشي واحد أو اثنان تخلى عنهما أصحابها فيما بعد لضعف المردودية وقلة الطلب، ولم تعد ترى أية وسيلة نقل من هذا النوع إلا حوالي سنة 2004، تم إحداثها بغية إنعاش السياحة بالمدينة على شاكلة مدينة مراكش التي كانت تتوفر على حوالي 20 كوتشي سنة 1980، وارتفع العدد إلى حوالي 150 سنة 2012.

ويعيش كوتشي مكناس الذي يصل عدده اليوم إلى 30 عربة مرخص لها أوضاعا مزرية حسب أحد المهنيين الذي أوضح أن هذه الوسيلة البيئية التي تعتبر من التراث اللامادي يجب الحفاظ عليها إذ أضحت مقرونة بحياة بعض الأشخاص، خاصة عند التوافد على استعمالها من طرف الطبقات الشعبية للتنقل واستخدامها في بعض المناسبات (ختان، خطوبة، أعراس…..)

أما في المجال السياحي يضيف المتحدث، فإن الآفاق غير مشجعة، فالمحظوظ منأصحاب هذه العربات يقوم بخرجة واحدة أو اثنتين في اليوم الواحد، بجولة سياحية لا يتعدى مدخولها 100 درهم أو أقل في أوقات الكساد السياحي، تخصم منها مصاريف علف الحيوان، التي تصل 30 أو 40 درهما يوميا، ثم أداء واجب كراء الرخصة بمبلغ 300 درهم شهريا، دون احتساب مصاريف كراء إيواء الحصان، كما أن المهنة تتعرض لمنافسة غير مشروعة من بعض وسائل النقل لا تتوفر على تراخيص، في إشارة ضمنية إلى الدراجات ثلاثية الدفع، التي اكتسحت المدينة في نقل بعض الأشخاص وسلعهم عبر الدروب والأزقة بأثمنة زهيدة، زيادة على المنافسة القوية التي يتلقاها القطاع من سيارات الأجرة، التي تنقل السياح القادمة من المدن المجاورة فاس مثلا، والتي تتوفر على سائقين يتقنون بعض اللغات للشرح، وعلى دراية بالمعلومات حول المآثر التاريخية بالمدينة الإسماعيلية، مما يزيد من تقليص مردودية الدخل لدى الكثير من المحليين، والزيادة في التضييق على جولاتهم السياحية.

لذلك، دعا المتحدث إلى العمل على اتخاذ إجراءات عاجلة من شأنها حماية وصيانة هذا التراث الأيكولوجي ومساعدة المهنيين على تحديث العربات والعناية أكثر بالأحصنة، لتتمكن من ملاءمة التحولات التي يعرفها قطاع السياحة، وحتى تسهم في الإشعاع السياحي للمدينة، التي تتوفر على أكثر المواقع السياحية والتاريخية بالمغرب. وكذلك المساهمة في التقليل من استخدام سيارات الأجرة النافثة للغازات السامة، وذلك انسجاما مع روح القرارات الدولية المتفق عليها في مؤتمر كوب 22 المنعقد بمراكش من أجل التصدي لهذه الظاهرة، التي يمكن للكوتشي المساهمة في تقليصها.


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا