الطريق إلى الإليزيه 8 مارس والتسوّل الانتخابي…

الطريق إلى الإليزيه 8 مارس والتسوّل الانتخابي…

      

أحمد الميداوي

  • العلم: باريس ـ أحمد الميداوي

ليس مدهشا في شيء، أن يضفي جميع المرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية، طابعا نسويا على حملاتهم، يوم 8 مارس الذي يخلد اليوم العالمي للمرأة. فما من مرشح إلا ويتباكى بالمناسبة على حقوق المرأة الضائعة في السياسة والاقتصاد والشغل.. وجميعهم وعدوا بالتغيير من أجل مكاسب متزايدة فى التمثيل الحكومي والبرلماني وعلى مستوى المناصب الإدارية العليا.

وقد تصاعدت في هذا اليوم بالذات حمى المنافسة لكسب أصوات النساء اللواتي يشكلن 52،5 % من النسيج السكاني الفرنسي، بين يميني (فرانسوا فيون) يعتبر المرأة أقوى قاعدة لبناء المجتمع وتغييره وتحصينه، ويساري (هامون) يعارض بقوة إبعاد المرأة عن ساحة الفعل اليومي السياسي والاقتصادي، نظرا لأهميتها في تفعيل المجتمع وتزويده بقيم متطورة تؤمن بالتغيير والمعاصرة، ووسطي (ماكرون) يؤمن بقدرة المرأة على المبادرة والفعل، وبمكانتها كشريكة فاعلة ومؤثرة في الحياة السياسية والاجتماعية، ويمينية متطرفة (مارين لوبن) تتساءل بشيء من الحسرة الانتخابية :”هل يليق بفرنسا تعميق وتكريس صورة المرأة الجسد، بدل المرأة التخيل والإدراك والابتكار والمسئولية..؟ وهل يليق بفرنسا أن يرسخ الخطاب السياسي في أذهان الفرنسيين فقط الصورة التقليدية للمرأة كأم وربة بيت وجسد؟.

وهكذا، لم يفوت أحد من المرشحين مناسبة 8 مارس للإثناء على النساء التي “لا حضارة ولا نهضة بدونهن”..غير أن النساء وهن يتابعن باستهزاء وحسرة الحملة الانتخابية، يدركن في معظمهن أن المرشحين هم في حالة “تسول انتخابي” يبعث على الشفقة. فبعد مرور ستين سنة من الكفاح، لم يحدث تغيّر كبير في حياتهن، حيث تمثيلهن علي المستوى الانتخابي (مجالس، جماعات، محافظات، برلمان..) وعل مستوى مواقع السلطة ما زال متدنيا، فيما ارتفع إسهامهن في مجال رعاية الأطفال والواجبات المنزلية، ليكرسن بذلك صورة فرنسا في عمقها المحافظ المبني على سيادة التقاليد الذكورية.

فإلى اليوم لم تتخلص فرنسا بشكل كامل من النموذج السائد في الخمسينات، وهو نموذج الرجل المعيل لأسرته، فيما النساء مسئولات عن المهام المنزلية. وبالرغم من أن الأمور قد تغيرت كثيرا خلال ستين عاما، لكن النساء مازلن فى وضع متأخر جدا بالنسبة للرجال في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية. ومن هنا فإن السجل العام لفرنسا عبر عقود من الكفاح على جبهات متعددة لمواكبة الاتجاهات الدولية فيما يخص المساواة بين الجنسين، يبقى ضعيفا مقارنة بالبلدان المجاورة لها.

ومن الناحية التاريخية، لم تـُمنح المرأة الفرنسية حق التصويت والأهلية لشغل المناصب العامة حتى سنة 1944، أى بعد وقت طويل من منح حق التصويت للمواطنات فى معظم الدول الأوروبية الأخرى. وبالرغم من بعض التقدم الذي تحقق على صعيد المساواة في المناصب الإدارية والانتخابية، فأن ترتيب فرنسا فى التصنيف الدولي الخاص بالتمثيل النسوي فى البرلمان، هو الثالث والسبعون عالميا فقط. ومع حلول القرن الواحد والعشرين، لم تشكل النساء أكثر من 5،9 % من أعضاء مجلس الشيوخ و22،5 % من أعضاء المجالس المحلية و7،6 % فقط من رؤساء المحافظات. كما غابت النساء بدرجة كبيرة عن مؤسسات وإدارات السلطة التنفيذية السياسية، وهو شىء نابع من التفضيل الذكوري للمؤهلين لمراكز الوظائف العليا.

وجاء التعديل الدستوري سنة 1999 ليتضمن فقرتين تعززان مبدأ التمثيل المتساوي بين الرجال والنساء، وإلزام الأحزاب السياسية بتطبيق هذا المبدأ. وتبع ذلك سنة 2000، تشريع مفصل يقر مبدأ  التكافؤ. وكان من نتائجه أن حقق مكاسب للنساء عند مستويات محددة فى الانتخابات، حيث فازت النساء سنة 2001 بـ 47،5 % من المقاعد فى انتخابات المجالس المحلية، لكن التشريع لم يؤد إلى تقدم ملحوظ على مستويات أخرى، إذ بقيت أعلى مراكز السلطة تحت سيطرة الذكور. وحتى فى انتخابات المجالس المحلية، مازالت النساء مستبعدات من السلطة التنفيذية المحلية ومحرومات من مركز رئاسة المحافظات المهمة. فبعد انتخابات 2001، كان 93 % من رؤساء المحافظات من الرجال. وكررت انتخابات 2008 المحلية القصة نفسها بعد أن شكل الرجال 91،5 % من محافظي المدن و83،5 %  من رؤساء القوائم و86،5 % من المجالس المحلية.

ومن هنا فإن مبدأ التكافؤ هو مبدأ زائف مبني على نموذج المواطن الذكر الذي مازال يحتكر مراكز السلطة السياسية الرئيسية فى فرنسا، وهو ما يجعل النساء يجزمن اليوم بأن تركيز المرشحين على المرأة في يوم 8 مارس لا يعدو أن يكون مجرد تسوّل انتخابي لا غير.

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا