الصحافة المجانية في عيدها ال 15.. انقلاب حقيقي في المشهد الإعلامي الفرنسي

الصحافة المجانية في عيدها ال 15.. انقلاب حقيقي في المشهد الإعلامي الفرنسي

أحمد الميداوي

  • العلم: باريس ـ أحمد الميداوي

التبست ردود الفعل عند كثير من الفرنسيين يوم 13 يناير 2002 عندما تأبطوا أول جريدة مجانية، /ميترو/ يتصفحونها دون مقابل لتتبع مواضيع خفيفة وأخبار وطرائف مرفقة بإعلانات بسيطة لكنها أكثرا قربا من اهتماماتهم.. إعلانات عن أثاث منزل، رحلات للمغرب بأثمنة زهيدة، وصفات غذائية جاهزة، وبين هذا وذاك إعلانات تجارية لا تخلو طبعا من استغلال جسد المرأة حتى لو كانت السلعة عن ماركة سيارات.

وقد وضعها الكثير من الإعلاميين آنذاك، في خانة الصحافة الهاوية التي لن تعمر طويلا، كما حدث لما كان يسمى بصحافة الرصيف التي حققت انتشارا واسعا في السبعينات، وسرعان ما تراجعت لتندثر بعد عقد من الزمن. ولم يكن أحد من هؤلاء يتوقع أن حمى المنافسة مع الصحف التقليدية ستصل إلى هذه الحدة المماثلة لما يدور حاليا من عراك ومنافسة بين التلفزيون المجاني والتلفزيون المدفوع في كثير من المجتمعات. 

ويكذبهم اليوم ما يشهده الفضاء الإعلامي الفرنسي من انقلاب حقيقي مع تنامي توزيع الصحافة المجانية، وسعي صحف يومية كبيرة مثل لوفيغارو ولوموند إلى إصدار مثل هذا النوع من الصحف، تربط القارئ بالصحيفة الأم، وتثير رغبته في متابعة ما بدأ قراءته في الصحيفة المجانية.

وبينما كانت في بداية نشأتها تقتصر على أخبار قصيرة أغلبها من النوع الطريف، مرفقة بنشرات إعلانية وخدمات تسويقية متنوعة، انتصبت اليوم كصحف عامة، بإدارة تحرير وصفحات في مختلف مجالات العمل المهني من سياسة واقتصاد ومقالات تحليلية على قدر كبير من الاحترافية. 

وأفاد آخر استطلاع للرأي قام به معهد /إيفوب/ أن الصحيفتين المجانيتين “فان مينوت” /20 دقيقة/  و”مترو” تحتلان المراتب الأولى في سلم الصحف والمجلات الأكثر قراءة.
وحلت” فان مينوت” ثالثة بواقع 1.88 مليون قارئ و”مترو” رابعة بـ 1.33 مليون، بعد كل من اليومية الرياضية ليكيب بـ 2.4 مليون قارئ، ثم لوموند بـ 1.98 مليون. وتحيلنا هذه الأرقام على ما هو أعمق من الجاذبية التي مارستها هذه الصحافة في أوساط القراء، وارتقت من خلالها، نشرا وتوزيعا، إلى مصاف أعرق الصحف تجربة ونفوذا في فرنسا. ويتعلق الأمر بالتفاعل المستمر بين القارئ والمشهد الإعلامي الفرنسي برمته. ذلك أن منتوج الصحافة التقليدية باختلاف عناوينها وتوجهاتها، لم يسجل  منذ بروز الصحافة المجانية، سوى تراجعا طفيفا استقر حاليا في نسبة 2 في المئة، وهو تراجع مرشح، حسب مؤسسات النشر والتوزيع، إلى الزوال في غضون السنوات القليلة القادمة.

ومن هنا نفهم أن ستة ملايين من القراء الجدد للصحافة المجانية، لم يكن له تأثير يذكر على عدد القراء التقليديين البالغ عددهم 19 مليون قارئ، أي ما يقارب ثلث السكان ممن ابتلوا بالنهل من قنوات المعرفة والتثقيف التي تشكل الصحافة المكتوبة إحدى دعاماتها الأساسية.

الصحافة المجانية في عيدها ال 15.. انقلاب حقيقي في المشهد الإعلامي الفرنسي

ولأن القارئ الفرنسي يرفض الشعارات المشحونة بالأحلام الواهية، فقد وجد القارئ ضالته في صحافة جديدة، لاذعة في انتقاداتها، جريئة في مواضيعها ومستقلة في توجهاتها، دونما ولاء أو انحياز. وهي كما قال عنها تولستوي “صوت الأمة وسيف الحق وشكيمة الظالم، تهز عروش القياصرة وتدك معالم الظالمين”.

طبعا لهذه الصحافة خصوم وأعداء كثيرون يخشونها لأنهم يدكون قوتها، كما كانن قد ألمح إلى ذلك  أحد رؤساء المكسيك السابقين دياز أورداز : “أود أن أكون صاحب جميع معامل الورق والحبر لأحرقهما”، أو كما قال كاسترو: لا أخاف بوابة جهنم إذا فتحت بوجهي، ولكني أرتعش من قلم محرر صحيفة”. فيما لخص قيصر روسيا نيقولا الثاني كرهه للقلم بقوله ” جميل أنت أيها القلم ولكنك أقبح من الشيطان في مملكتي”.  

الأرقام الخاصة بعدد القراء في فرنسا تصيبنا أحيانا بالدوار عندما نعرف أننا أمة لا تقرأ لأنها، من جهة، قررت منذ عقدين أو يزيد التخاصم تلقائيا مع قنوات المعرفة والاطلاع وفي مقدمتها الصحافة، ولأنها من جهة أخرى ترفض أن تظل موضع استخفاف من قبل بعض الصحف وما تتداوله من كتابات بعيدة عن همومها وغير مستنبتة من صميم بيئتها الحبلى بمظاهر التهميش والإقصاء.

ولأنها ترفض ممارسة فعل التغيير في النسق الكتابي شكلا ومضمونا، وتصر على أن تبقى أسيرة لسلطة المرجعيات القائمة تضخيم الأحداث دون ملامسة واقعها الاجتماعي المتردي وتفكيك رموزه بما يخدم الصالح العام، فإن جزءا كبيرا من صحافتنا وخاصة تلك التي تزعم الاستقلالية فيما ترتمي في أحضان الدوائر النافذة اقتصاديا وسياسيا، لن تفعل في المستقبل القريب سوى تكريس القطيعة مع القارئ في انتظار البكاء على خصوصيتها “الجميلة” التي منحتها نقط ارتكاز قوية من خلال الشحن المغلوط التي مارسته منذ مدة ولا زالت تمارسه حتى اليوم.

الصحافة المجانية في عيدها ال 15.. انقلاب حقيقي في المشهد الإعلامي الفرنسي

الصحافة المجانية في عيدها ال 15.. انقلاب حقيقي في المشهد الإعلامي الفرنسي

شارك برأيك

إلغاء الرد