الشيخ ابن تيمية والأقليات الدينية ومواجهة الإسلام لدعوات أصحاب الغلو والتطرف..؟

الشيخ ابن تيمية والأقليات الدينية ومواجهة الإسلام لدعوات أصحاب الغلو والتطرف..؟

حديث الجمعة: مع هنري لاووست في كتابه: “نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع 21

محمد السوسي
* بقلم // ذ. محمد السوسي

يتزامن صدفة الحديث عن رأي ابن تيمية في حماية الأقليات الدينية في المجتمعات الإسلامية وما استخلصه الباحث “لاووست” في شأن تلك المعاملات وما حصل ويحصل في بعض البلدان العربية والإسلامية من الاعتداء على أماكن العبادة الخاصة بغير المسلمين وبصفة أخص ما حصل في مصر التي تعرض فيها المسيحيون وهم في عيد من أعيادهم الدينية التي يعقدونها للتذكير بما قدمه المسيح عليه السلام من جهد وتضحيات أفضت به إلى أن يتعرض لمحاولة الصلب وهم في هذه المناسبة يشخصون ذلك ويتذكرون ما تحمله عليه السلام من الآلام في طريقه وهو يدعو إلى الله، ونحن في هذا المدخل نذكر أننا لا نشاطر إخواننا المسيحيين في تنفيذ الصلب حقيقة في المسيح وإنما في شبيه له، وهو عليه السلام قد عصمه الله ورفعه إليه وهو ما ورد في قوله تعالى: «وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم» غير أن المعاناة من الصلب قد حصلت وأن لم تكن مع المسيح عليه السلام، وهو أمر يقوي إيمان المومن مهما كان ومهما كان من تعرض لذلك، فنحن نتأسى بأصحاب الأخدود وبإبراهيم عليه السلام الذي نعرض لمحاولة الإحراق ويحيى وغيرهم من الأنبياء والرسل الذين اخبر القرآن أن هناك من يقتل الأنبياء ويقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس وبشرهم القرآن بعذاب أليم.
ومعنى الحدث الذي حصل في ذلك اليوم هو أن المعتدين الذين يحاول البعض أن يجعلهم محسوبين على الإسلام والمسلمين لا يقيمون وزنا للإسلام ولا للدين كيف ما كان وإنما هم في خدمة أعداء الدين وأعداء الأمة الإسلامية والشعوب الإسلامية، ولكن الذين ينبغي التنبه إليه كذلك هو ما يحاول البعض الاندفاع نحوه نتيجة لهذا التصرف الأخرق والارعن من لدن من ارتكبه، لأن نتيجته هو أن خصوم الإسلام الحق وأعداءه المتربصين به ليس في مصر فقط يركبون على هذه الأعمال للوصول إلى هدفهم في النيل من الإسلام الحقيقي ومن المنابع التي يستمد منها المسلمون عقائدهم الصحيحة وإسلامهم الذي لا تشوبه شائبة الغلو أو الانحراف، وهكذا انبرى خصوم الإسلام للاتجاه مباشرة إلى نقد الأزهر وشيوخه وطلبته وكأن مفجري الكنائس والجوامع والصوامع من طلبة الأزهر وخريجيه، وطبلة الأعوام الأخيرة وعلماء الأزهر وطلبته يدافعون عن الإسلام الذي يعترف للناس بحقوقهم ويحدد واجباتهم على أساس القاعدة الذهبية للإسلام لا إفراط ولا تفريط.
فهم يدعون وفق الحديث الوارد في أن هذا الدين وعلومه يحمله من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالبين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فهؤلاء الأعداء ومن يسخرون لهدم الإسلام وأركانه لا يريدون أن تبقى في العالم الإسلامي جامعة لها تاريخ ومكانة في الدفاع عن الإسلام وتعليمه وتعلمه، وإذا كان العالم الإسلامي اليوم وغيره من الأقطار لم يبق أمامهم إلا الأزهر باعتباره الجامعة التي لا يزال منابرها يشع في الآفاق حيث يقصده القاصدون من مختلف الأصقاع للنيل من العلوم الشرعية لدى فإن أعداء الإسلام يسعون لتشويه سمعته وإسقاطه كما تم إسقاط اخوتيه القرويين والزيتونة حيث لم يعد لهما أي دور في المغرب الإسلامي كما كان لهم هذا الدور في سالف الأزمان حيث بالإضافة إلى التزود بالعلم كانت الجامعات الإسلامية ميدانا للتعارف والتعاون بين العلماء وكانت بوتقة تصهر كل عناصر الأمة في اتجاه عقيدة سليمة واضحة ومجالا للتعاون بين الأمة الإسلامية ولم يشفع للأزهر وشيوخه ما يقومون به في العالم من دعوة الى التعايش، ويدعون إليه من تجديد الخطاب الديني، وكذلك الفكر الإسلامي وهذا يوضح أن أعداء الإسلام لا يرضيهم التعايش ولا يرضيهم «لكم دينكم ولي دين»، وإنما يرضيهم ما قاله القرآن الكريم «ولَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا».

الشيخ ابن تيمية والأقليات الدينية ومواجهة الإسلام لدعوات أصحاب الغلو والتطرف

الكلام ينسي بعضه بعضا
لظروف خاصة لم يمكن إتمام الكلام عن النظريات السياسية والاجتماعية للشيخ ابن تيمية في نظر “لاووست” وها نحن أولاء نعود اليوم لمواصلة ما انقطع من هذا الحديث الذي يعود بنا إلى مرحلة مهمة من تاريخ العرب والمسلمين، هذا التاريخ الذي بالواقع له شبه كبير بواقع الإسلامي اليوم وهو ما سبق تكراره أكثر من مرة وإنما يتم ذلك لطول هذا الحديث عن الشيخ ونظرياته الذي قد ينسى بعضه بعضا كشأن الكلام الذي يتكرر على مسامع الناس.
تقويض
وإذا كان ما تناولناه ليس في الواقع تاريخا وإنما هو تاريخ بمعنى وحاضر بل ومستقبل بمعنى آخر، ففكر الشيخ الذي شغل الناس وهو حي هو الفكر الذي ترامى عليه البعض الآن وأوله لصالح أطروحته وشغل به الناس والأوطان، بل قوض به عن تأويل لا يخفى ما وراءه أركان و دولا وهيآت ومنظمات وشغل به الجامعات والمنتديات الفكرية ووسائط الإعلام على اختلاف أشكالها وتلونها.
تكفير العين
ونظريات الشيخ وآراؤه شأنه شأن فقهاء المسلمين تناولت من بين ما تناولت أوضاع أرباب المذاهب والعقائد والأديان الأخرى، وفي أحاديث سابقة أشرنا إلى موقفه من أرباب المذاهب والمواقف الإسلامية من فرق كلامية ونزعات سياسية، أو إن شئت مسايرة الشيخ قلت أرباب الأهواء وحتى الفرق والمذاهب والنحل الضالة، والشيخ رحمه الله رأيه في ذلك وما انتهى إليه في أخريات حياته انه لا يكفر أحدا من الأمة، وفرق بين وصف الكفر وتكفير المعين.
لهم ما لنا
وبقي سؤال في هذا السياق يتطلب الجواب وهو ما موقف الشيخ من أهل الكتاب الذين يعيشون بين طهراني الأمة، أو بعبارة أدق “أهل الذمة” وينبغي منذ البداية الإشارة إلى أن لقب أهل الذمة لا يحمل معنى قد حيا عند المسلمين، فهم لهم ذمة الله ورسوله وذمة المسلمين أي أنهم جزء منهم لهم مالهم وعليهم ما عليهم، وإنما الفرق أوجبه ما يرونه هم أنه يخصهم بين من هم معهم في وطن واحد ويرون لغيرهم بدورهم كذلك ما يخصهم.
المواطنة
وهذا في الواقع أمر تم تجاوزه كما تم تجاوز غيره من الأشياء الأخرى التي لها طابع تاريخي خاص وتخص زمانا معينا، فالناس اليوم تجمعهم المواطنة ويعبرون عن أنفسهم من خلال هذه المواطنة التي تكفل للناس حقوقا متساوية وتلزمهم واجبات وتكاليف محددة للجميع وفق عقد المواطنة فأصبح الناس تحت شعار الدين لله والوطن للجميع، وهذا الشعار وان كان لم يكن ساريا بهذا المعنى في مرحلة الشيخ ابن تيمية فإنه قد التزم به في دفاعه عن جميع مواطني المجتمع فتكفل بفداء وفك أسرى غير المسلمين كما فعل في حق أسرى المسلمين.
توافق جديد
هكذا كان الشيخ ولكن نظرياته والأحكام الفقهية التي كان يقوم بتدوينها في فتاويه وكتبه فرضت عليه أن يساير ما كان سائدا بين الناس في عصره، وما فرضته الظروف السياسية.
وجاء الناس اليوم في عصر توافقت فيه الأمة الإسلامية مع الأمم الأخرى على وضع معايير وضوابط أخرى للتعايش بين الناس داخل مجتمعاتهم وفي إطار المجتمع الإنساني أو الدولي، فتم مثلا إلغاء الرق والالتزام بحقوق الإنسان وغير ذلك مما هو من مقاصد الشرع الحنيف.
رفض التعايش
إلا أن فئة من الناس الذي لم يرضهم أن يعيش الناس في كنف التعاون والتعايش لجأوا إلى بعض النصوص والوقائع التي لها ظروفها وأرادوا أن يفرضوا على الناس التعامل بها وعلى أساسها ففرضوا على واقع الناس عن طريق السلاح والقهر السبي واتخاذ الناس غنائم و عبيدا يروجونهم في سوق النخاسة التي لم تكن في يوم من الأيام بالأسلوب الذي عرفت به في بعض المجتمعات متسقة مع أحكام الشرع ومقاصده التي عبر عنها الفقهاء بقولهم الشرع متشوق للحرية، وهذا يعني أن الأصل هو الحرية لان الحرية صنو الكرامة ولا كرامة مع العبودية وكل فعل أو قول امتهن الكرامة الآدمية هو فعل وقول يتعارض مع الكرامة الأصلية التي عبر عنها القرآن الكريم صراحة وضمنا عندما تحدث عن أن الناس في الأصل والمنشأ هم من نفس واحدة.
والله قد كرم بني آدم من غير تمييز لدين أو نسب أو وطن.
أقدس شعار
واليوم والناس في عالمنا الإسلامي يعيشون الفتنة التي وصفها القرآن بأنها أشد من القتل، ولكن اليوم قد جمع البعض للناس الفتنة في عقائدهم وأموالهم واعراضهم مع القتل بأبشع الوسائل وأقبح الأساليب التي تلجأ إلى التمثيل بالقتل والإحراق وغير ذلك مما نراه ونشاهده في وسائل الإعلام، وكل ذلك تحت مقولة وشعار هو أقدس شعار ومقولة عند المسلمين «لا اله إلا الله محمد رسول الله» هي شهادة تمنح الإنسان الحرية وترتفع به إلى الاستغناء عن كل معبود مهما كان وتربطه بالخالق، والالتزام بأحكام الرسالة هذه الأحكام التي يشوهها البعض ويدفع بالناس أن يتخذوها مسخرة وعبثا يجب الفرار منه ومقاومته.
عمل مرفوض
وإذا كان هذا البعض يلجأ إلى فكر ابن تيمية فما هو موقف الشيخ ابن تيمية وما هو موقف السادة العلماء الآخرون في هذا الشأن لأنه أمر بهم الناس اليوم أكثر من أي وقت مضى فهذا الهجوم على المسيحيين وعلى كنائسهم أمر لا يقبل ولا يستساغ مهما كان ونعود إلى الملاحظة التي سجلها الدكتور مصطفى حلمي في المقدمة التي كتبها وهو يقوم بمراجعة ترجمة الكتاب.
موضوع الأقليات أو أهل الذمة
يقول الدكتور مصطفى حلمي:
استطرد المؤلف كثيرا في الحديث عن هذا الموضوع، وسنحاول وضع الأمور في نصابها إذ نراه تخبط ولغي، فأشار إلى الوثيقة العمرية وإلى تمييز بعض النصارى، بملابس معينة، وغير ذلك مما يدخل في نطاق النظرية الغربية لمسألة أهل الذمة أو ما سماهم لاووست بالأقليات، ومعظمها يتجاهل عن محمد سماحة الإسلام وعدالته.
تكالب الأعداء
ويوضح الدكتور اعتراضه بالقول:
والموضوع يحتاج هنا إلى شرح وتوضيح مفصل كالآتي:
«أولا: ينبغي التمييز بين حالتين: إحداهما النظرة السياسية التي يرى بها شيخ الإسلام أن وحدة الأمة وسلامتها لازمة لحفظ كيانها في وقت اشتدت فيه خصومة الأعداء، وتكالبت على حربها وتفتيت كيانها لإضعافها وكسر شوكتها، فكان من اللازم أخذ الحيطة والحذر من أعوان الأعداء بالداخل وهم من تسميهم بلغة العصر الطابور الخامس –ذلك بأنهم عثروا على أفراد من أهل الذمة عاونوا الصليبيين والتتار في حروبهم ضد المسلمين».
التعايش
ويضيف الدكتور
أما النظرة الثانية فهي السائدة في الأحوال العادية “لقد عاش المسلمون والمسيحيون إخوة في البلاد المقدسة السنوات الطوال في دعة وسلام باستثناء الفترة التي حكم فيها متعصب أحمق بجنون، أي الحاكم بأمر الله، وهو ثالث خلفاء الفاطميين، وأصبح البحر الأبيض المتوسط ساحة وغي وقواعد هجوم ضد الإسلام وذلك لمئات السنين».
الفداء للجميع
ومما يؤيد هذا موقف ابن تيمية عندما طالب بفك الأسر عن الذميين قبل المسلمين ولم يقبل قصره على المسلمين وحدهم.
إن أهل الذمة أحرار في اختيار الإسلام دينا فيصبح لهم ما للمسلمين من حقوق، وما عليهم من واجبات بلا أي تمييز- أو الاستمساك بعقيدتهم الأصلية وما الجزية إلا مقابل الدفاع عنهم لأنهم لا يسمح بانخراطهم في الجيش الإسلامي الذي يقع على عاتقة الدعوة إلى الإسلام جهادا في سبيل الله وحده».
التنقل الحر
ويزيد الدكتور توضيحا حيث تحدث عن الواقع التشريعي في ذلك الوقت بقوله:
«وأيضا لم تكن رقعة الإسلامي مقسمة إلى بلاد ذات قوانين ولوائح خاصة تنظم حركة الفرد للانتقال كما نعرف الآن من حيث تأشيرات الدخول والخروج، وتصاريح الإقامة وجوازات السفر الخ… بل كان المسلم ينتقل في ديار الإسلام من الجنوب إلى الشمال دون أن يسأله، إلى أين ومن أين، وأمام هذه الحرية الواسعة في الانتقال، دون أي عائق، كان لابد من وضع نظام يكفل نوعا من الأمن للدولة، لاسيما وقت الحروب والفتن». (ص:24 وما بعدها من الجزء الأول من ترجمة الكتاب).
الإحالة
وفي الهامش يحيلنا الدكتور مصطفى حلمي على كتاب تلميذ ابن تيمية وخليفته في الدفاع عن أفكاره ومواقفه وهو بعنوان: “أحكام أهل الذمة”
والمقدمة التي كتبها محقق الكتاب الدكتور صبحي الصالح وتنويرا للقارئ نعود إلى هذه المقدمة الذي جاء فيها:
«إن الصفحة الأولى في مستهل الكتاب قد عرفتنا بوضوح أن الغرض الأصيل منه جواب عن استفتاء يتعلق بالجزية، وسبب وضعها، وحد الغني والمتوسط والفقير فيها، وتلك كانت عادة المصنفين: يستفتون فيفتون، ثم ينشئون من أجوبتهم كتبا وتصانيف.
سماحة الإسلام
«ومن يقرأ بتدبر وإمعان كل ما كتبه ابن القيم عن الجزية يكبر فهمه العميق لسماحة الإسلام في معاملة الذميين: فأمامنا الجليل –حين يعرض للآية الكريمة «حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» -يأبى تفسير هذا الصغار بالامتهان والإذلال، ويصرح بأن هذا كله مما لا دليل عليه، ولا هو مقتضى الآية، ولا تقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة، ثم يؤثر تفسير الصغار بالتزام الذميين جريان أحكام الملة عليهم وإعطاء الجزية».
تحريم ما لا يطاق
«وينتقل من هذا إلى تحريم تكليف الذميين مالا يقدرون عليه أو تعذيبهم على أداء الجزية أو حبسهم أو ضربهم، ويصور وجهة النظر الإسلامية أدق التصوير حين يرى أن “قواعد الشريعة كلها تقتضي ألا تجب الجزية على عاجز لقوله تعالى: “لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها” ولا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة”. فليصرح بأنه لا جزية على شيخ فإن ولا زمن ولا أعمى ولا مريض لا يرجى برؤه وإن كانوا مومرين، وأن الرهبان في الصوامع والديارات ليسوا من أهل القتال، فلا تجب عليهم الجزية، وان الفلاحين الذين لا يقاتلون والحراثين لا جزية عليهم، لأنمهم يشبهون الشيوخ والرهبان، وأن العبد ليس عليه جزية لمسلم كان أو لذمي، وأن المسلمين لو حاصروا حصنا ليس فيه إلا نساء فبذلن الجزية لتعقد لهن الذمة عقدت لهن بغير شيء، وحرم استرقاقهن، وليستشهد بقصة عمر بن الخطاب حين مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه».
جزاء التأمين
وفي الفقرة التالية من المقدمة ينتقد الدكتور صبحي الصالح بعض ما جنح إليه ابن القيم والذي هو وليد عصره والمرحلة الدقيقة التي يعشها المجتمع الإسلامي فيقول:
«وكنا نتوقع –في ظلال هذه السماحة الإسلامية الوارفة التي تفيأها ابن القيم مخلصا – أن يجنح إلى اعتبار الجزية أجرة عن سكنى الدار، إنما وجبت على الذميين بدلا عن الحماية، كما كتب سويد بن مقرن إلى أهل دهستان وسائر أهل جرجان في زمن عمر: “إن لكم الذمة وعلينا المنعة”، وكما قال ابن رشد المالكي: “إنما تؤخذ الجزية منهم سنة بسنة جزاء على تأمينهم وإقرارهم على دينهم يتصرفون في جوار المسلمين وذمنهم آمنين”، ولكنه ذهب –خلافا لما توقعناه- إلى أن الجزية من باب العقوبات، لا إنها كرامة لأهل الكتاب. أفلم تصح لديه وقائع القواد، وأعمال الخلفاء، وأقوال الفقهاء؟ أو لم يصدق أن خالد بن الوليد كتب لصلو باين نسطونا وقومه: “إن منعناكم قلنا الجزية وإلا فلا حتى نمنعكم”؟ أم غلبت عليه نزعة عصره الزاخر بالخلافات المذهبية والتعصب الطائفي فرأي في هذا مالا نظن الإسلام يرجحه ويقويه؟»
رفض الإذلال
لكن حسب ابن القيم لم يتفق مع الفقهاء المتشددين المصرين على اخذ الجزية من أهل الكتاب مقرونة بإذلالهم وامتهانهم، وانه استنكر أن يكون “المقصود حصول الإهانة والإذلال لكل احد بعينه عسى أن يكون ذلك مقتضيا لرغبتهم في الإسلام، ولم يكن شعاره في ذلك إلا قول النبي الكريم عليه السلام: «إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا».
حديث منكر؟
«على أنه حين نفى أن تكون الجزية أحرة عن سكنى الدار، علل ذلك النفي بأنها «لو كانت أجرة لما أنفت منها العرب من نصارى بني تغلب وغيرهم»، وقاده هذا التعليل إلى الحديث عن بني تغلب وسر اخذ الصدقة منهم مضاعفة بدلا من الجزية، فأشاد بهذه القبيلة التي كانت من صميم العرب، وأوضح انتقالها في الجاهلية إلى النصرانية، ولم يتلق بالقبول ما نسبوه إلى علي من قوله «لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلن المقاتلة ولأسببن الذرية» فهو عنده حديث منكر كان الإمام احمد ينكره إنكارا شديدا، ومن دلائل نكارته أنه من حديث إبراهيم بن مهاجر، وقد ضعفه غير واحد، وأكد أن عمر هو الذي صالحهم وليس عليا».
موضوع حساس
مقدمة كتاب أحكام أهل الذمة ص:7 وما بعدها.
ونكتفي بهذا القدر من مقدمة الكتاب التي تجاوزت أربعين صفحة ولكن الكتاب في حد ذاته من الكتب القيمة من حيث تناول الموضوع وهو موضوع حساس إذ لا يزال بعض الناس الذين يحرفون الكلم عن مواضعه دون إدراك لأحكام الشرع يغرغرون بالكلام عن الجزية وملك اليمين وغيرها من الأشياء التي كانت تفنينا لواقع قائم ولم تكن تشرعا يجب التزامه، فالمسلمون في حياتهم العادية وغالبهم حتى في العصور المتقدمة لا يرون في هذا التقنين للواقع إلا مرحلة يتم تجاوزها فيما بعد وهو ما حصل.
ونعود إلى ما كتبه الدكتور “لاووست” عن ابن تيمية وهو يتحدث عن اهتمام ابن تيمية بالأقليات الدينية في المجتمع الإسلامي، وينبغي هنا الانتباه إلى أن المجتمع الذي عاش فيه وعايشه ابن تيمية يتسم بظروف خاصة، إذ هو مجتمع يموج بالحروب الدينية والمذهبية وبالأخص الحروب الصليبية وغزوات المغول والتتر للمجتمعات الإسلامية في هذه المرحلة يقول “لاووست”.
وفي الحديث المقبل نعود إلى ما استخلصه “لاووست” في هذا الموضوع.

 

الشيخ ابن تيمية والأقليات الدينية ومواجهة الإسلام لدعوات أصحاب الغلو والتطرف

الشيخ ابن تيمية والأقليات الدينية ومواجهة الإسلام لدعوات أصحاب الغلو والتطرف

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا