الدور الإسرائيلي في الحرب شبه الدولية في بلاد الشام

هضبة الجولان ممر آخر لتسرب آلاف المسلحين إلى ساحة المواجهة

• بقلم // عمر نجيب

منذ سنوات تحاول إسرائيل أن تقدم نفسها للرأي العام الدولي وللعديد من الدول على أنها ملتزم بالحياد تجاه الحرب شبه الدولية الدائرة على أرض الشام منذ سنة 2011 وأنها تقدم فقط من حين لآخر مساعدات إنسانية وطبية للسوريين ضحايا الصراع المسلح الدامي. حلفاء الكيان الصهيوني وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وبريطانيا عملوا في نفس الإتجاه وقدموا أنفسهم كمدافعين فقط عن الشعب السوري في مواجهة حكامه وأنهم لا يتدخلون في الحرب. البعض من المعسكر المعادي لحكومة دمشق ذهب حتى إلى القول أن الكيان الصهيوني يقدم الدعم لحكومة سوريا في حربها ضد الثوار المطالبين بالحرية والديمقراطية.

هذه الأقوال والإدعاءات أخذت تنهار مع إستمرار الصراع وتوسع نطاقه ولكن كانت هناك دائما محاولات من جانب أجهزة الإعلام الضخمة المروجة لنظريات المحافظين الجدد الذين وضعوا خطط مشروع الشرق الأوسط الجديد لترسيخ أكاذيبهم بكل الطرق والأساليب.

مع بداية سنة 2017 يسجل أن الكيان الصهيوني وبعد أن سبقته في ذلك واشنطن، أخذ يعترف بأنه أحد الأطراف الرئيسية في الحرب التي تجري ضد الجيش العربي السوري، بل وذهب قادة تل أبيب إلى التلويح بشن حرب جديدة على دمشق.

 نهاية التستر

يوم السبت 25 فبراير 2017 كشفت القناة الإسرائيلية الثانية، عن تسلل قوات “خاصة” تابعة للجيش الإسرائيلي، بشكل متكرر إلى الأراضي السورية، بهدف “جمع معلومات استخبارية”.

وبثت القناة ليلة السبت، تقريرا مصورا أظهر وحدة “النسر” الخاصة التابعة لسلاح الاستخبارات الميدانية في الجيش الاسرائيلي، وهي تقتحم الأراضي السورية، من الجزء الذي لا يزال محتلا من هضبة الجولان.

وأظهر التقرير مراسل القناة “داني كشمارو”، خلال اقتحامه للحدود السورية في الجولان الذي حررته القوات السورية خلال حرب أكتوبر 1973، برفقة وحدة “النسر”، بصمت وتحت جنح عتمة الليل، مشيا على الأقدام، ليصلوا إلى قرية مهجورة تقع في عمق الأراضي السورية وتبعد عن الخطوط الإسرائيلية بالجولان قرابة نصف كيلومتر، وقد امتنعت القناة من الإفصاح عن اسمها لأسباب أمنية. وذكر “كشمارو”، إنه تمكن مع قوات الجيش من “رؤية وسماع كل شيء”، في ذلك الموقع.

كما أظهر التقرير الجنود وهم يستمعون إلى أصوات مدرعات تمر بالقرب منهم، بالإضافة إلى متابعتهم لمعارك دائرة بين قوات الجيش السوري والمليشيات المسلحة، ومتابعتهم لبعض السوريون، الذين يعيشون في قرى قريبة من خطوط الهدنة السورية الإسرائيلية.

وكشف التقرير عن استخدم عناصر ووحدة لأجهزة تنصت ومعدات استخباراتية، لرصد مكالمات وتحركات قوى الجيش السوري والتنظيمات المسلحة التي تعمل إلى جانبه في منطقة الجولان وجنوب سوريا، بالإضافة إلى تنظيم “داعش”.

ونقلت القناة عن قائد الوحدة “نير ميغديش” قوله: “نحن نراقب ما يحدث داخل القرى السورية، من أجل حماية التجمعات الإسرائيلية التي تقع خلفنا، ونقوم بذلك من هنا في عمق الأراضي السورية.

وإذا ما صح التقرير تكون هذه هي المرة الأولى التي يكشف خلالها الجيش الإسرائيلي عن نشاط لقواته داخل الأراضي السورية، وهو ما كان ينفيه في السابق.

وقبل أسبوعين أعلن الجيش الإسرائيلي، عن قصف مدفعيته موقعا عسكريا يتبع للجيش السوري، ردا على سقوط قذيفة أطلقت من الأراضي السورية على هضبة الجولان المحتلة.

وتكررت خلال الأشهر الماضية حوادث سقوط قذائف على هضبة الجولان التي تحتل إسرائيل جزء منها، مصدرها الجانب السوري من الحدود جراء القتال الدائر هناك بين مقاتلي الفصائل المسلحة وقوات النظام، فيما يرد الجيش الإسرائيلي بقصف يشنه على مواقع تابعة للنظام السوري.

يذكر أن مستشار الأمن القومي السابق في الدولة العبرية، الجنرال في الاحتياط يعقوب عميدرور كان قد صرح أن منطقة درعا السورية هي منطقة إستراتيجية ومن شأنها أن تربط بين المعارضة السورية في الجنوب والشرق، وكذلك تفصل بين المناطق الإسرائيلية وجبل الدروز، لذلك فهي تحمل أهمية كبرى لمستقبل سوريا ولوضع هضبة الجولان.

 حرب مباشرة وبالوكالة

قبل أيام قليلة من بث هذا الفيلم اعترف وزير الدفاع الإسرائيلي السابق، موشيه يعالون، أن هناك تنسيق قائم بين إسرائيل وبين التنظيمات المسلحة التي تقاتل في سوريا، وخاصة تلك المتواجدة في المناطق القريبة من الجولان السوري المحتل.

وإعتبر هذا الاعتراف الأول على المستوى الرسمي الإسرائيلي، ويأتي بعد أن أكدت العديد من التقارير الإعلامية تقديم إسرائيل الدعم العسكري والاستخباراتي المباشر لتلك التنظيمات وعلى رأسها تنظيم “جبهة النصرة” المدرج على لائحة الإرهاب الدولية وخاصة في محافظتي درعا والقنيطرة والذي يعالج مصابوه في مستشفيات إسرائيل.

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية، عن يعالون قوله موجها خطابه إلى تلك التنظيمات المسلحة: “إننا سنهتم بحاجاتكم…وأنتم لن تسمحوا لأحد بالاقتراب من السياج الحدودي مضيفا أنهم ملتزمون بهذا ولم ينفذ أي عمل ضدنا من المنطقة التي يسيطرون عليها”.

وعلق محلل الشؤون العسكرية في القناة الأولى أمير بار شالوم على الخبر بالقول…إنه “وبالتأكيد لو لم يكن اليوم يوم اليؤور ازاريا “الجندي الذى أعدم الشاب الفلسطيني الجريح في الخليل” فلا شك أن هذا التصريح كان الخبر الأول في نشرات الأخبار…فللمرة الأولى تعترف إسرائيل أن لديها تعاونا أو تنسيقا أمنيا مع منظمات المعارضة المسلحة في الجولان.

مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين وفي نطاق متابعتها للتدخلات الأجنبية المختلفة في ساحة معركة الشام أشارت إلى الجيش الإسرائيلي يعد العدة منذ منتصف شهر فبراير 2017 وبتنسيق مع واشنطن وأنقرة لفتح خطوط التماس مع سوريا في الجولان أمام حوالي الف من المسلحين الذين ينتمون إلى جبهة النصرة وأحرار الشام للدخول إلى مناطق القتال في جنوب سوريا على أمل وقف تقدم الجيش السوري. وأضافت أنه منذ منتصف شهر نوفمبر 2016 شحن الجيش الإسرائيلي ما بين 1400 طن و 1600 طن من الأسلحة والألغام والذخائر المختلفة إلى المليشيات المسلحة في جنوب غرب سوريا وتم إنشاء مركز إتصال ثاني للجيش الإسرائيلي في منطقة بحيرة طبرية لمد التنظيمات المسلحة بمعلومات يتم جمعها بالأقمار الصناعية والمناطيد حول تحركات الجيش والطيران السوريين في المنطقة.

يذكر أنه في يناير 2017 وفي نطاق الحملات الإعلامية الصهيونية ذكر تقرير إخباري أن قمر تجسس صناعي إسرائيلي اكتشف مخبأ روسيا سرية للصواريخ في سوريا. وذكرت القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي أن الصور، التي التقطها القمرة الصناعي الإسرائيلي” ايروس بي”، اثبتت فيما يبدو ما كانت وكالات الاستخبارات الغربية تشك فيه منذ فترة طويلة،ألا وهو قيام روسيا بتزويد سوريا بمجموعة كبيرة من الصواريخ الأكثر تطورا في حوزتها.

وذكر التقرير، الذي أوردته صحيفة “جيروزاليم بوست” يوم الجمعة 6 يناير أن القمر الصناعي الإسرائيلي اكتشف عددا من صواريخ كروز الروسية قصيرة المدى ذاتية الدفع المخزونة في سوري.

وأضاف التقرير أن صورا عالية الوضوح التقطها قمر التجسس أظهرت وجود هذه الصواريخ،التي يطلق عليها اسم “اسكندر”، على شاحنات داخل قاعدة للجيش في اللاذقية، غرب سوريا.

ويبلغ مدى الصاروخ “اسكندر” 500 كيلومتر، هو سلاح باليستي متوسط المدى لديه القدرة على حمل رؤوس نووية ويتفوق على الصاروخ “سكود” الأقدم كما يتميز الصاروخ اسكندر بدقة عالية في إصابة الأهداف حيث يمكنه أن يصيب هدفا داخل دائرة نصف قطرها سبعة أمتار.

المصادر الألمانية ذكرت أنه قبل ثلاث سنوات تقريبا وخلال شهر فبراير 2014 تمكن نحو 1500 مسلح مدرب جيدا على أسلحة متطورة من العبور فعلا إلى الأراضي السورية من نقطة القنيطرة المحاذية للحدود مع كيان الاحتلال في عملية أمنية عسكرية تم تأمينها وإنتهت بدخول القوة الجديدة عبر الاراضي التي تحتلها إسرائيل إلى سوريا.

مصادر رصد أوروبية أخرى اشارت من جانبها أن إسرائيل أدخلت أكثر من 4000 فرد من المسلحين الذين يعملون في المنطقة المحاذية للجولان خلال السنوات الثلاث الماضية بحجة تقديم العلاج لهم، وقد تبين في وقت لاحق أن الجزء الأكبر من هؤلاء والذين كان بينهم عدد كبير من غير السوريين نقلوا إلى معسكرات للجيش الصهيوني حيث تلقوا تداريب عسكرية مختلفة قبل أن تتم أعادتهم إلى سوريا، بعض هؤلاء عملوا مع وحدات الجيش الإسرائيلي في عمليات إغتيال لقادة سوريين ومن الفلسطينيين وحزب الله في سوريا.

مصادر رصد ألمانية ذكرت أنه بعد إنتهاء معركة شرق حلب في ديسمبر 2016 تسلمت الاستخبارات العسكرية الروسية من الجيش السوري سبعة وعشرين مسلحا من جمهوريات روسية أو سوفيتية سابقة كانوا يقاتلون ضمن المجموعات المسلحة وقد إعترف بعضهم أنهم تدربوا على يد الجيش الإسرائيلي ونقلوا بعد ذلك إلى تركيا ومنها إلى شمال سوريا حيث سقطوا في الأسر وهم يحاولون الخروج من منطقة الحصار التي فرضها الجيش السوري.

 تعليمات مكاتب الدراسات

الكشف الأخير الذي أقدم عليه الصهاينة لمخططاتهم جاء بعد حوالي ثلاثة أسابيع تقريبا من توجيه أحد مراكز البحث الصهيونية دعما لفكرة ضرورة قيام تل أبيب بالإعلان عن دعمها للقوى التي تحارب لإسقاط النظام السوري.

تواصل مراكز الأبحاث الإسرائيليّة تقديم الاقتراحات لصناع القرار في تل أبيب حول الإستراتيجية الأفضل لمصالح الدولة العبرية على المدى القصير والطويل أيضا، وعلى ضوء التغييرات في موازين القوى لصالح الجيش العربي السوري والحلفاء من روسيا وحزب الله. يقول البروفيسور هيلل فريش، من مركز بيغن السادات، في تل أبيب، إن قواعد اللعبة تغيرت، ولا يمكن لإسرائيل بعد الآن مواصلة سياستها بشأن الحياد.

ويشدد البروفيسور فريش، على أنّه يتحتّم على تل أبيب تغيير سياستها بحيث تكون مؤثرة على مجرى الأحداث ومنع حزب الله من فتح جبهة جديدة ضد إسرائيل من مرتفعات الجولان، كما فعل حزب الله في الجنوب اللبناني الذي كان محتلا من الجيش الإسرائيلي.

ووفقا لدراسة فريش يجب الإعلان رسميا عن دعم إسرائيل للمتمردين السوريين بهدف ما أسماه تحقيق التوازن، المصلحة الإسرائيلية الكبرى، هي “أن نرى نظاما ديمقراطيا في سوريا”، وهذا يعني، يضيف، إزالة الأسد وأنصاره، الذين لا يمكن أن يسمحوا للديمقراطية بالظهور في سوريا. وشدد فريش، على أنه يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التداعيات المحتملة على صعيد العلاقات الإسرائيليّة الروسية.

ووفقا له، فإن توازن القوى بين سوريا وحليفها حزب الله ضد خصوهم قد تغير بشكلٍ كبيرٍ منذ التدخل الروسي في سبتمبر عام 2015، وهزيمة المتمردين في حلب حيث استعاد النظام السيطرة الكاملة على تلك المدينة، كما أن الحلف الإيراني وحزب الله في لبنان نجح في تنصيب مرشحه الجنرال ميشيل عون في القصر الرئاسي في لبنان، وسعد الحريري، زعيم أكبر حزب في لبنان، وهو من أشد خصوم حزب الله وحلفائه في الساحة السياسية اضطر لدعم المرشح المدعوم من سوريا وإيران وحزب الله. وهذا يوضح، برأي الدراسة، كيفية الحريري، شريك إسرائيل الصامت، يتعامل مع تغير ميزان القوة، مشددا على أنه أيد الجنرال عون للرئاسة من منطلق الخوف، ليس إلّا.

وبحسب الباحث الصهيوني فإنه بإمكان إسرائيل الإعلان على الملأ أن المستقبل السياسي لسوريا في ظل بقاء الرئيس الأسد هو بمثابة اعتداء على أمن إسرائيل، كما أنه ينبغي على تل أبيب أن تقول علنا إنها ستتعاون مع المعارضة السورية والدول العربية السنية المعتدلة، وستدعم الجماعات المسلحة.وفي إشارة واضحة لإمكانية التدخل العسكري، يقول البروفيسور فريش إن إسرائيل، هي دولة أقوى بكثير مما كانت عليه في الماضي، وبالتالي يجب أن تلعب دورا في ما أسماه تصحيح الخلل في موازين القوى الجديدة في سوريا.

ويقر الباحث أن إسرائيل لا يجب أن تخشى من تكرر فشلها عام 1982 في إنشاء لبنان ذات الغالبية المسيحية المارونية، ويضيف أن هذا لا يعني أن الدولة اليهودية لا يمكن أن تعمل مع القوات المتمردة من أجل خلق سيناريو جيو استراتيجي لصالحها في سوريا.

وخلُص البروفيسور فريش إلى القول إن السياسة الإسرائيلية قد تكون مكلفة كثيرا، ولكن هذه التكلفة لا يمكن أنْ تكون حاجزا أمام تطلعاتها القاضية بمنع الأعداء، سوريا، وحزب الله، تأسيس سوريا معادية جدا لإسرائيل، وعلى صناع القرار في القدس أن يدرسوا بتأن وبترو كيفية وآلية منع سيطرة الأسد وحزب الله على سوريا، بحسب قوله.

 محاولة عكس التيار

التحولات المسجلة في ميدان الصراع على أرض الشام لم تسفر فقط عن دق ناقوس الخطر في تل أبيب بل واشنطن ولندن أيضا مما فرض على الساسة والمستشارين هناك الكشف عن المزيد من الخيارات التي قد تبدل الوضع المتردي الذي آل إليه مشروع الشرق الأوسط الجديد.

هكذا ويوم 16 فبراير 2017 دعى دنيس روس الذي شغل منصب مبعوث الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، إلى منطقة الشرق الأوسط إلى ضرورة ضرب القواعد العسكرية السورية التي لا يتواجد فيها روس بصواريخ كروز وتدمير الألة العسكرية السورية.

روس، الذي يعمل في هذه الفترة باحثا كبيرا في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، لا يترك مناسبة إلّا ويقوم بالتحريض فيها على سوريا، خدمة للأجندة الإسرائيلية الأمريكية، التي تعمل بدون كللٍ أو ملل على تحويل هذه الدولة العربية إلى دولة فاشلة وحتى تقسيمها إلى كيانات أثنية، عرقية، مذهبية وطائفية.

وفي هذا السياق، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز″ الأمريكيّة مقالا كتبه كلا من الدبلوماسي الأمريكي دنيس روس، والمؤلف والمستشار في المعهد ذاته أندرو تابلر، يدعوان فيه إلى توجيه ضربات بالطائرات دون طيار وبصواريخ كروز للقواعد الجوية السورية، التي لا يوجد فيها جنود روس.

ويشير المقال إلى أنّه حان الوقت لضرب القواعد الجوية للجيش العربي السوري عقوبة له، لخرقه وقف إطلاق النار، ولإرسال رسالة واضحة لروسيا، بأن واشنطن هكذا ستواجه خروقات وقف إطلاق النار، على حد تعبيريهما.

ويبدأ الكاتبان مقالهما بالقول إن إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما سعت للحد من العنف في سوريا، والقضاء على الجماعات الإرهابية في الوقت ذاته.

ويستدرك الكاتبان بأن خطة إدارة أوباما عانت من خلل، ليس لأنها توفر فرصة لحكومة الرئيس د. بشار الأسد لإحكام الحصار على ريف حلب، كما إنها ستدفع بالمجموعات الإرهابية إلى تركيا، فالنصوص المسربة للاتفاق المقترح مع روسيا تظهر أنه مملوء بالثغرات الخطيرة التي قد تسمح للأسد ولحلفائه بمهاجمة مواقع المعارضة المعتدلة. وبرأيهما، فإنّه يجب في هذه الحال توجيه ضربات على قواعد النظام فقط إذا وجد أنّه يخرق الهدنة، فإعلام روسيا بأن هذا سيكون الرد قد يمنع وقوع هذه الخروقات، وسيبعث برسالة لبوتين، مفادها أن حليفه، أي الرئيس الأسد، سيدفع الثمن إن لم يلتزم بالاتفاق. ويختم الكاتبان مقالهما بالقول إن الوقت حان لأمريكا لتتحدث باللغة التي يفهمها بوتين والأسد، بحسب قولهما.

 توجس إسرائيلي

يوم 13 يناير 2017 جاء في تقرير وارد من مدينة الناصرة الفلسطينية الموجودة في الأراضي المحتلة سنة 1948:

تتابع إسرائيل الرسمية المُستجدات الأخيرة في الجزء المحرر في هضبة الجولان العربية السورية بتوجس شديد، وتزعم أن مقاتلي حزب الله اللبناني باتوا أقرب من أي وقت مضى أقرب إلى الحدود مع إسرائيل في الجولان.

صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية شددت نقلا عن مصادر أمنية وسياسية في تل أبيب، وصفتها بأنها رفيعة المستوى على أن المخاوف الإسرائيلية تعزَزت في ضوء توالي تداعيات انتصار الجيش السوري وحلفائه، باستعادة مدينة حلب. وتجلى ذلك بالاتصالات التي تجريها الدولة السورية مع الجماعات المسلحة في الجولان بهدف التوصل إلى تفاهمات على إخلاء المناطق التي يسيطرون عليها “وفق نموذج الاستسلام في حلب”. وقد أدى ذلك، بحسب الصحيفة، حتى الآن إلى إقناع هذه الجماعات في خمس بلدات بترك المنطقة وعودة سيطرة الجيش السوري عليها. واستنادا إلى بعض المصادر، أشارت الصحيفة إلى أنه تجرى حاليا مفاوضات مشابهة في قريتين درزيتين تجاوران السياج الحدودي مع إسرائيل، مزرعة بيت جن وبيت جن.

أمام هذه المستجدات، وعودة الجيش السوري إلى البلدات المتاخمة للجولان المحتل، بات على إسرائيل وفق المصادر الأمنية في تل أبيب، كما أفادت الصحيفة، بات عليها إعادة تقويم للجبهة السورية، وخاصة إذا ما اقترن ذلك بتموضع حلفاء الدولة السورية في تلك المنطقة، من أمثال قوات حزب الله.

مستوى المخاوف الإسرائيلية بلغ، أيضا، إمكانية أن تؤدي عودة الجيش السوري للمرابطة على الحدود، من دون تفاهمات بين القوى العظمى حول حجم القوات وطابعها وانتشارها في القطاع، إلى استئناف المواجهات بين إسرائيل وسوريا.

وتناولت المصادر عينها في حديثها للصحيفة المراهنة على الدور الروسي، وشدّدّت على أن قوة تأثير إسرائيل في روسيا بشأن الترتيبات في الجولان ليست مرتفعة، وترتبط بالمصالح الروسية، لافتة في الوقت عينه إلى أن موسكو لن تقف إلى جانب تل أبيب عندما يعود الجيش السوري إلى الجولان.

في السياق عينه، أوضحت المصادر الأمنية في تل أبيب، بحسب الصحيفة، أن الجيش السوري وبموجب إتفاق الهدنة بعد حرب 1973 يخضع لقيود في الجولان، فهو لا يستطيع استخدام الطائرات، لكن ما يقلق تل أبيب هو ما خلصت إليه الاستخبارات الإسرائيلية، وفيه أنه بعد استعادة مدينة حلب ازدادت الثقة بالنفس لدى الأسد ورغبته في استغلال الفرصة لاستعادة السيطرة على الجولان مستفيدا من قدرات حزب الله، موضحة، أنّه بحسب دوائر صنع القرار في تل أبيب، فإن الجولان يحتل أهمية متقدمة في أولويات الرئيس السوري، أولا لبعده الرمزي المتصل بالصراع مع إسرائيل، والثاني لكونه يحسن مكانته الاستراتيجية في العالم العربي.

وأشارت المصادر إلى أن تواجد حزب الله على الحدود مع إسرائيل في الجولان سيقوم بتغيير المعادلات، ذلك لأن حزب الله هو خصم يحمل معه الكثير من المشاكل بالنسبة للجيش الإسرائيلي بسبب الخبرة العسكرية التي اكتسبها خلال الحرب في سوريا، علاوة على امتلاكه أسلحة متطورة ومتقدمة جدا، ولكن، بحسب المصادر الإسرائيليّة، فإن العامل الرئيسي الذي يقض مضاجع دوائر صناعة القرار في تل أبيب هو أن حزب الله في الجولان يعمل دون ضغط ناتج عن الرغبة في حماية المدنيين، كما هو الحال في الجنوب اللبناني، وبالتالي تحول حزب الله إلى أكثر جرأة إذا قرر القيام بعمليات هجومية ضد إسرائيل، وبالتالي، نوهت المصادر، على أنه يتحتم على الجيش الإسرائيلي بلورة سياسة جديدة لتحديد قواعد اللعبة في الجولان، على حد قولها.

 التقسيم

جاء في تقرير أعده أحد خبراء مركز كارنيغي للشرق الأوسط الذي يوجد مقره في واشنطن:

منذ الحرب القصيرة، ولكن العنيفة، التي نشبت بين البلدين في العام 1973، اعتبرت إسرائيل أن سوريا، ولاسيما نظام الأسد، تشكل تهديدا عسكريا خطيرا وشريك سلام صعبا وقاسيا، وربما مثاليا لأنها ستطلب الكثير في مقابل السلام ولكنها ستكون أيضا قادرة على الوفاء بالتزاماتها. وطوال العقود الأربعة الماضية، شهد البلدان جولات عدة من مفاوضات السلام الثنائية والاحتكاكات العسكرية غير المباشرة أيضا، في حين انخرطا في سباق تسلح، وكذلك في تنافس على النفوذ في لبنان. ومع ذلك، ظلت الحدود الإسرائيلية السورية هادئة وآمنة خلال هذه الفترة بأكملها.

مع ذلك، بدأ هذا الهدوء يتبدد تدريجيا في السنوات الأخيرة، حتى قبل بداية الحرب السورية. في البداية، انهارت الجولة الأخيرة من مفاوضات السلام الثنائية التي ساعدت تركيا في عقدها في أعقاب حرب العام 2006 في لبنان. فقد تم إحباط محاولة سورية امتلاك أسلحة نووية سرا بمساعدة كبيرة من كوريا الشمالية في العام 2007 عن طريق هجوم عسكري نسب إلى إسرائيل على نطاق واسع. بعد ذلك، تم تقديم مساعدات سورية وإيرانية ضخمة إلى حزب الله ولاتزال مستمرة والفصائل الفلسطينية التي تقاتل إسرائيل، وتلت ذلك سلسلة من عمليات القتل المستهدفة رفيعة المستوى، رغم أنها لم تنسب إلى جهة محددة، لمتطرفين بارزين من حزب الله وفلسطينيين في دمشق.

عرضت الحرب الأهلية السورية إسرائيل إلى عددٍ من المعضلات الحادة يتعلّق أولها بالنتائج التي تفضلها لتلك الحرب.

أما المعضلة الثانية فتكمن في القلق بشأن المخاطر التي يطرحها احتمال انتصار الأسد، الذي يعتمد اعتمادا كبيرا على إيران وحزب الله، قد يشجع بصورة ملحوظة مساعي هذا التحالف غير المقدس إلى الوقوف في وجه إسرائيل.

من جانبها قدمت مؤسسة راند أو مؤسسة الأبحاث والتطوير وهي منظمة غير ربحية وخلية تفكير أمركيية تأسست في الأصل عام 1948 لتقديم تحليلات وأبحاث للقوات المسلحة الأمريكية. تُمول أبحاثها من وكالات حكومة الولايات المتحدة، وجامعات، وأوقاف مالية خاصة تقريرا يدعو إلى تقسيم سوريا الى مناطق سيطرة ووضع الرقة تحت إدارة دولية.

وفي الشمال، حسب راي باحثي معهد راند، من الصعب إيقاف تركيا بعد نجاحها في السيطرة على اراض سورية لقطع الطريق أمام توحد المناطق الكردية، ومع تواصل الهجمات الإرهابية الكردية في تركيا من المرجح أن تسعى تركيا إلى ضم مزيد من الأراضي من مدينة الباب إلى نهر الفرات بما فيها مدينة منبج إلى “منطقة سيطرتها” لكن دون أن تغامر باحتلال كل مناطق الأكراد. بالإمكان اذن تجميد الأوضاع في الشمال بتقسيمه إلى 3 مناطق سيطرة متفق عليها: منطقتان للاكراد تفصلها منطقة للعرب المدعومين من تركيا، وبالتالي تواصل الولايات المتحدة دعم حليفيها تركيا والاكراد ولا تضطر لخسارة أحدهما.

في الجنوب، وعلى عكس الشمال تسيطر فصائل معارضة “معتدلة” مدعومة من الغرب على درعا والأراضي على امتداد الحدود الاردنية والإسرائيلية، ويمكن التوصل إلى توقيع وقف إطلاق نار بينها و بين النظام، في الأثناء يواصل الغرب دعم هذه الفصائل. حتى في حال فكر النظام في استهداف هذا الجيب أو الجيب الواقع على الحدود التركية فإنه من الصعب أن ينجح في ذلك نظرا لتلقيهما الدعم عبر الحدود الأردنية و التركية، درعا و جرابلس.

إلا أن التحدي الأكبر في مسار إرساء اللامركزية في سوريا هو مصير الأراضي التي ستؤخذ من تنظيم الدولة حسب معدي ورقة البحث.

“ننصح إذن بوضع مدينة الرقة بعد تحريرها تحت إشراف إدارة دولية مؤقتة”. الأمم المتحدة ستدير المدينة ومحيطها بالاعتماد على قوات القبعات الزرق لحماية الإدارة الدولية. مجلس الأمن الدولي عليه بالتالي إصدار قرار بإنشاء هذه الادارة، واذن من المهم التفاهم مع روسيا لدعم القرار. في حال صعوبة التوافق على القرار بالإمكان اغراء روسيا بالمشاركة في إدارة المنطقة.

حل الإدارة الدولية يرضي أيضا تركيا وباقي الحلفاء الاقليميين وبالتالي تنشأ منطقة آمنة في شرق سوريا تضم الثلاث كانتونات الكردية بإدارة كردية والرقة تحت إدارة دولية.

 شفرة “وصفة” ليبرمان

كتب نبيل نايلي الباحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس يوم 16 يناير 2017:

“من الخطأ أن نعتقد أن وحدة هذه الدول يمكن أن تبقى متماسكة داخل حدودها الحالية..لا بد من إعادة رسم حدود بين السنة والشيعة والطوائف الأخرى للحد من وطأة الفتنة وتمكين ظهور كيانات جديدة تتمتع بالشرعية”. وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان.

في مقال نشره أفيغدور ليبرمان، بموقع “ديفينس نيوز،الأمريكي، في الخامس من ديسمبر 2016، تحت عنوان: “أمن إسرائيل القومي في شرق أوسط مضطرب، خلص الصهيوني ليبرمان إلى أن ما يحدث في سوريا والعراق واليمن وكذا باقي بلدان المنطقة، أشبه بما وصفه ب”الزلزال التاريخي، وعليه، فإن الحل الصهيوني لكل مشاكل المنطقة “يكمن في رسم حدود جديدة لبعض الدول”. مستأنسا في ذلك بجده بن غوريون وبالضابط الأمريكي رالف بيترز، وخرائط دمه، وبما اقترحه سنة 2007، نائب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، الذي دعا “إلى تقسيم العراق إلى ثلاث مناطق: كردية وسنية وشيعية، تتمتع كل منها بالحكم الذاتي”، أما لماذا تقسيمها؟. فيجيب ليبرمان: لأن “تغيير الحدود بشكلها الحالي وتحديدا في العراق وسوريا ورسم خطوط نازفة فاصلة بين المناطق التي يقطنها الشيعة عن تلك التي يسكنها السنة من شأنه أن:

”يقضي على الفتنة الطائفية” و“يفتح الطريق أمام قيام دول تتمتع بشرعية داخلية”، طبقا لوصفته وتدبيره.

ليبرمان نصح المجتمع الدولي، الحريص جدا على عدم خدش أمن الكيان وبقائه، كيان لم يأمر “رب داعش بقتاله”، نصحه الوزير: ب”استنساخ” العديد من البلدان في الشرق الأوسط الذي يعتبره عكس ما يرى كيانه اللقيط الذي أوجده المشرط الإستعماري “قد تم بشكلٍ مصطنع، وجاء نتاجا لاتفاقية سايكس بيكو، التي تمت بناء على الاعتبارات الاستعمارية” نعم هكذا يقول اعتبارات، يحرص ليبرمان جدا جدا على الأخذ بها و”بعين الاعتبار بنمط عيش السكان وبالخلافات الطائفية والعرقية العميقة داخل مجتمعات معينة”، تجاهلتها سايكس بيكو، ووعى بها ليبرمان في الوقت الذي يتعامى فيه عنها في فلسطين التاريخية التي يحتلها هو وأجداده ولا يراعيها، حتى، في المستوطنات.

“الواعظ” ليبرمان شدد على أنّه “من الخطأ الاعتقاد أن هذه الدول يمكنها أن تتعايش في حدودها الحالية”، ضاربا مثالا بالحل الذي ارتآه لفلسطين المحتلة، أي حل الدولة البديلة، كحل معقول يمكن اعتماده لباقي الأرخبيلات.

يستفيض الوزير الصهيوني في شرحه لما سماه “عدم الاستقرار في المنطقة” ليفسره بال”غياب شبه الكامل للطبقة الوسطى، عازيا ذلك إلى أن معظم الدول العربية تعاني من الفساد المؤسساتي والفقر المدقع، إلى جانب وجود طبقة تضم كبار رجال الأعمال الأثرياء للغاية”.

أما “استنتاجه” الأخير، والذي سبق واعتمده الكيان، فيضرب ليبرمان مثلا بطريقة تعامل الكيان الصهيوني في “سحق” من سماها ب”الجماعات المسلحة والقوات شبه العسكرية” كحزب الله مثلا معتبرا أنه تم دحرها وعليه فقد وجب الاقتداء ب”خبرته” خصوصا و”أن التجربة أثبتت أن الانتصار بشكلٍ حاسمٍ يتطلب المواجهة البرية، مؤكدا على أن الضربات الجوية وتقديم الدعم العسكري هما جزء من المعادلة العسكرية، لكن بواسطتهما لا يمكن تحقيق ما أسماه بالكسب الشامل والحاسم”.

الوزير الصهيوني واع جدا لما يتعامى عليه “صناع القرار” في هذه الأمة الثكلى ليؤشر إلى”الحاجة إلى تقييم واقعي للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمذهبية والجغرافية من الناحية الإستراتيجيّة في الشرق الأوسط من أجل صياغة سياسة دولية سليمة في المنطقة”. من نافل القول أن ما همه مخرجات لهكذا استراتيجية هو حرصه على أن أن تخدم أولا وأخيرا أمن الكيان الحيوي.

موشي فرجي، عميد الموساد السابق، اختزل ما لم يجرؤ ليبرمان على قوله دون مواربة وآثر التعمية الإستراتيجية إذ قال “إن خريطة المنطقة في النظر الإسرائيلي تعرف بحسبانها بقعة من الأرض تضم مجموعة أقليات لا يوجد تاريخ يجمعها، من ثم يصبح التأريخ الحقيقي هو تأريخ كل أقلية على حدة”، والغاية من ذلك تحقيق هدفين أساسيين هما:

1.“رفض مفهوم القوميــة العربية والدعوة إلى الوحدة العربية. ذلك أن القومــية العربية في التصور الإسرائيلي فكرة يحيطها الغــموض، إن لم تكن ذات موضوع على الإطلاق. وهم يعتبرون أن الوحدة العربية خرافة. فالعرب يتحدثون عن أمة واحدة، لكنهم يتصرفون كدول متنافرة ” ثم وهو الأهم،

2.“تبرير شرعية الوجود الإسرائيلي الصهيوني في المنطقة. إذ هي وفقا لذلك التوجه تصبح خليطا من القوميات والشعوب واللغات. وتصور قيام وحدة بينها هو ضرب من الوهم والمحال. النتيجة المنطقية لذلك هي أن تكون لكل قومية دولتها الخاصة بها، ومن هذه الزاوية تكتسب إسرائيل شرعيتها، حيث تصبح إحدى الدول القومية في المنطقة”.

هل يستوعبون قبل أن نعوي في الصحراء بلا مأوى؟.

 عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

شارك برأيك

إلغاء الرد