الحنكة الدبلوماسية للشيخ ابن تيمية وحماية الأسرى والدفاع عن حقوقهم..؟

الحنكة الدبلوماسية للشيخ ابن تيمية وحماية الأسرى والدفاع عن حقوقهم..؟

حديث الجمعة: مع هنري لاووست في كتابه: “نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع 23

محمد السوسي

  • بقلم // ذ. محمد السوسي

كانت الأقليات الدينية والعرقية مطية من المطايا التي ركبها الاستعمار في مساره الأول وهو يعد العدة للإجهاز على الأوطان واحتلالها والتصرف فيها وفي كل شيء فيها بدءا بهذا  الإنسان الذي يقطن هذه العرض ويعيش فيها بعقائده وقوانينه وتشريعاته وأعرافه.

لقد كان لزاما لهذه الروح الاستعمارية الجديدة المبنية على الروح الاستئصالية أن تتقصص أشياء تعطيها الشرعية الشكلية على الأقل وتفتح أمامها أبواب التدخل من أوسع الأبواب، وحتى إذا لم تكنهذه الأقليات أو موجودة أو هي موجودة بالفعل ولكنها لا تشعر أن هناك شيئا ينال من حقوقها و مكانتها في المجتمع الذي تعيش فيه، فهي راضية مطمئنة، ليس عن إكراه، ولكن عن إيمان وقناعة وهكذا بدأ هذا الطاعون –الاستعمار- بطرق أبواب الأوطان في ديار الإسلام مثلا، وكانت البداية العمل من أجل تفكيك دولة كبرى من دول الإسلام في حينه، وهي الدولة العثمانية، بدعوى حماية الأقليات وكانت قوانين الامتياز القضائي لهذه الدول الاستعمارية، مطلبا ملحا لحاجة في نفوس أصحابها، وإذا كان وضع الدولة العثمانية التي تضم خليطا من الأوروبيين المسيحيين وشبه الأوروبيين هو ما سهل للاستعمار في البداية ان يدعي الدفاع عن مصالحهم فإن هؤلاء المواطنين الذين تضمهم الأقطار والأمصار العربية ولا يدينون بالإسلام كان من الضرورة الاستعمارية كذلك اصطناع أمر الدفاع عنهم باعتبارهم أقليات دينية ولو كانوا راضيين مطمئنين في أوطانهم، بل ان هذه الدول الاستعمارية سعت عن طريق الإرساليات التنصيرية ان تخلق بيئة تتجاوب مع هذه المقولة التي أريد بها باطل، رغم ان وضع المسيحيين في الشرق العربي كان ضمن السياق العام لكل المواطنين قبل هذه الدسائس والمؤامرات وما يشتكي منه النصارى من ظلم واستبداد يشاركهم فيه غيرهم من المسلمين، ولكن الأمر لا يستقيم في الفكر الاستعماري الذي بني على أساس فرق تسد ولسنا هنا بصدد التاريخ للأمر فقد كتب فيه ما يكفي من لدن أصحابه، وإنما نشير إلى أن هذا المرض الذي نشأ عن اصطناع حماية الأقليات عن طريق القوانين المصطنعة والامتيازات القضائية كان أبعد ما يكون على حماية الحقوق أو الدفاع عنها، وأقطار المغرب العربي التي لا تعرف أقليات دينية يمكن ادعاء حمايتها فاليهود الذين يشكلون هذه الأقلية أكثرهم إنما جاء إلى هذه الأقطار لاجئا وفارا من القمع والاضطهاد الذي عرفه في مختلف الأقطار، والدول الأوروبية الاستعمارية ولكن هذا الامتياز القضائي وصل إلينا عن طريق الحماية القنصلية فاختلق الاستعمار هذه الذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية للمغرب ولخلق طابور خامس لخدمة الاستعمار وأهدافه. 

وإذا كانت الظروف الدولية تغيرت ولم تعد تسمح بهذا النوع من الامتيازات، فإن الدول الاستعمارية ابتكرت أنواعا جديدة تسمح لها بالتدخل بجانب المبرر القديم حماية الأقليات الدينية أو العرقية، وأصبحت تقارير وزارة الخارجية الأمريكية في شأن وضعية الأقليات الدينية وحرية المعتقد مما يفتح بابا للتدخل وفتح الآفاق أمام الإرساليات التنصيرية.

وهنا يأتي التساؤل الكبير عن فتح الباب أمام الارتداد عن الدين الاسلامي وتحرك مجموعة من المرتدين للدفاع عن حقوقهم الدينية، ان الأمر هنا لا يمكن مناقشته من باب الحرية في اختيار المعتقد، أو ممارسته ولكن يناقش من زاوية أخرى وهي خلق هذه الأقليات والدفاع عنها لمصلحة من؟ ان المغرب يعرف أقلية دينية واحدة منذ البداية وهي المجموعة اليهودية المغربية التي لم يجد المسلمون أو اليهود أدنى حساسية في التعايش معا، كما لم يجد المسلمون في الشرق عضاضة في التعايش مع الكنائس المختلفة في الشرق ولكن ان توجد أقلية مهما كانت دينية عرقية أو غيرها بتدخل من دول أجنبية وتحت ضغطها وتأثيرها هذا هو السؤال وهذا هو ما يجب مناقشته وما يجب ان يراعى قبل إصدار الفتاوى أو الأحكام، مهما كانت الجهة التي تصدر عنها هذه الفتاوى. 

ولعل الموضوع يحتاج إلى بسط أكثر وهو ما سنعود إليه ان شاء الله،

وإنما أثرناه على أساس ما أوردناه من أفكار وأحكام في الرسالة القبرصية لشيخ الإسلام ابن تيمية.

 

الانسجام..

لا يمكن للحياة داخل جماعة أو مجتمع ما ان تسير منسابة يسيرة سهلة يذهب فيها كل واحد مذهب الرضى والتعاون، إذا لم يكن أفراد الجماعة أو المجتمع متفاهمين فيما بينهم، وملتزمين التزاما مشتركا على قواعد للسلوك محددة ومعروفة، إذ هذه القواعد المتعارف عليها والمحترمة من لدن الجميع، هي ما يكفل الانسجام داخل الجماعة، وما يضمن كذلك أن يؤدي كل واحد واجبه وينال حقوقه، فلا يمكن للناس أن تتيسر أمورهم ومصالحهم إلا على هذا الأساس، وإذا كان المجتمع الإنساني مبنيا على التعاون والأخذ والعطاء وأن يخدم بعضهم بعضا في دائرة المصالح العامة ومصلحة الجميع.
البداية الأولى
وهكذا سعى الناس منذ البداية وهم يخطون الخطوات الأولى في بناء الحضارة الإنسانية، وبناء المجتمعات منذ التاريخ الموغل في القدم، وعلى هذا الأساس كانت الأعراف والقواعد الأولى للتشريع.
ولسنا هنا بصدد الحديث عن هذه البدايات، ولكننا نشير فقط إلى ان ما جاء في القرآن الكريم والله سبحانه يخبر ملائكته بخلق هذا المخلوق الذي هو آدم انه سبحانه علمه الأسماء ومن خلال هذا العلم الإلهي الذي تلقاه آدم كانت البداية الأولى لبناء الحضارة وصنع الأسماء ونحتها وابتكار المسميات، وكانت تلك القوانين والشرائع الأولى التي حملها الرسول والأنبياء والرجال الصالحون والمصلحون من كل امة، حتى كان هذا المجتمع الإنساني قد نضج وبلغ مرحلة الوعي والرشد العقلي فكانت الرسالة الخاتمة، وكان سعي نبي الإسلام وهو يؤكد أن هذه الرسالة الخاتمة فيها خير الناس إذا تمسكوا بها، وقام عليه السلام وهو ينشر دعوته بوضع قواعد السلوك الإنساني الجديد.
ليس بدعا
وإذا كان عليه السلام ليس بدعا من الرسل فإن مراعاة أولئك الرسل ورسالاتهم وشرائعهم التي جاءوا بها والتي أخبر القرآن بجزء منها، فإن احترام ذلك والإبقاء على الأصل من كل ذلك وهو التوحيد والإخلاص لله في العبودية فإن الشرائع تطورت وتتطور بحسب مصالح الناس ومعايشهم، فسعى عليه السلام إلى أن تكون رسالته مستوعية لهؤلاء الناس الذين لا يزالون على بقية من تعاليم تلك الرسالات السماوية والربانية، ولم يكن قد بقي منها إلا بقايا من يهود ونصارى في الجزيرة العربية موطن الدعوة الأولى للرسول عليه السلام.
ميثاق التعدد
ومن هنا كان الاتصال بهؤلاء وربطهم بالدعوة الجديدة، وجعلهم ضمن النسج الاجتماعي الجديد، وهو ما تضمنته وثيقة المدينة المنورة التي وضعت أسس التعدد في المجتمع الإسلامي، ثم امتد الأمر إلى غيرها من جماعة النصارى في نجران، وكان ذلك الميثاق بينه وبين هؤلاء ثم كان مسار الدعوة وهي تتسع رقعة المتجاوبين معها، والسالكين منهاجها وطريقها القويم وقد مهد عليه السلام برسائله إلى الملوك والكبراء خارج الجزيرة وكان بعد ذلك ما كان من الفتوحات حتى اتسعت رقعة الدولة الإسلامية مما استدعى وضع تلك القواعد والأصول التي أصلها موضع التنفيذ.
صياغة حياة جديدة
وانهمك المجتمع الإسلامي الجديد في صياغة حياة جديدة مشتركة بين الناس من مختلف الملل والأعراف، ولكن كان الكل يعرف مشربه، ويعرف أين يبدأ وأين ينتهي ولذلك لا عجب في أن يكون مجال الأخذ والرد في هذا السياق فسيحا ومتسعا.
وأن يدلي كل بدلوه، ولم يكن الأمر سهلا، سواء بالنسبة للدعوة الجديدة وأهلها ولا بالنسبة لأولئك الذين أصبح عليهم ان يختاروا البقاء على أصول عقائدهم ومللهم أو أن يومنوا بما حملته الديانة أو الرسالة الجديدة، ولم يتردد الكثيرون في اختيار الانضمام إلى هذه العقيدة طواعية واختيارا، ولكن بقي من الناس من آثر الوفاء لما اعتاده أو ما رأى فيه انسجاما مع أصل ما كان لديه فصحح ما رأه يستوجب الإصلاح، ولكن الانسجام مع الجماعة الجديدة له شروطه وهي لا تعدوا أن تكون شروطا لا تؤثر في صلب العقيدة والإيمان وهكذا كان هذا المجتمع الجديد الذي عرف فيه الناس الانسجام والتعاون.
الدفاع عن المعالج
غير أن هناك من رأى في هذا الانسجام وهذه الدعوة ما يمس مصالحه الدينية أو السياسية أو هما معا، وكان هذا الصنف من الناس في تلك المجتمعات الجديدة التي لم تكن منسجمة حتى مع الديانة الأصل إلا بعد أن أدخلت عليها ما يلائم عقائدها الوثنية الأولى. وكان ذلك العداء الذي عبرت عنه المجتمعات التي رأت في الإسلام والمسلمين احتلال سياسيا لا دينيا فقط وانبرت تجارب الإسلام ليلا يستقر في أوطانها تم تطور الأمر إلى ما سمي بحرب الاسترداد، واندفعت هذه الروح للفرج بالناس في حرب دامت أكثر من مأتي سنة تحت اسم الصليب واسترجاع القبر المقدس في القدس، وأدى ذلك إلى تعقيد الحياة المنسجمة التي كانت تطبع حياة الناس في الشرق وقصة هذه الحروب طويلة مثل كثير من الفقهاء والعلماء.
مسار الدعوة
وقد استعرضنا بعض مواقف الرجل في كل ذلك ونحن اليوم نواصل هذا الاستعراض وكيف حاول الرجل في هذه الرسالة القبرصية التي كتبها لملك قبرص حينها لافتكراك أسرى المسلمين وهو من خلال ذلك يوضح مسار الدعوة إلى التوحيد وكيف ان الإسلام ونبي الإسلام التزام القواعد التي جاءت بها الرسل من قبل.
فتحدث عن البداية الأولى وهي ما كان بين الرسل عليه السلام ووفد نصارى نجران فقال:
المباهلة
ويعلم الملك ان وفد نجران –وكانوا نصارى كلهم، فيهم الأسقف وغيره- لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الله ورسوله، والى الإسلام: خاطبوه في أمر المسيح، وناظروه، فلما قامت عليهم الحجة جعلوا يراوغون، فأمر الله نبيه ان يدعوهم إلى المباهلة، كما قال: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نبتهل، فنجعل لعنة الله على الكاذبين). فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك استشوروا بينهم، فقالوا: تعلموا أنه نبي، وأنه ما بأهل أحد نبيا فأفلح. فادوا إليه الجزية، ودخلوا في الذمة، واستعفوا من المباهلة».
ويذكره برسالة الرسول عليه السلام إلى قيصر
مراسلة قيصر
وكذلك بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتابه إلى قيصر الذي كان ملك النصارى بالشام والبحر إلى قسطنطينية وغيرها، وكان ملكا فاضلا. فلما قرأ كتابه، وسأل عن ملامته: عرف أنه النبي الذي بشر به المسيح، وهو الذي كان وعد الله به إبراهيم في ابنه إسماعيل، وجعل يدعو قومه النصارى إلى متابعة، وأكرم كتابه، وقبله، ووضعه على عينيه، وقال: وددت أني أخلص إليه حتى أغسل عن قدميه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه».
ويخص النجاشي وهو ملك نصراني في الحبشة بنوع من الاعتزاز بموقفه من رسالة الرسول عليه السلام.
النجاشي
«وأما النجاشي ملك الحبشة النصراني: فإنه لما بلغه خبر النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه الذين هاجروا إليه: آمن به وصدقه، وبعث إليه ابنه وأصحابه مهاجرين، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم عليه لما مات، والله ما يزيد عسى على هذا مثل هذا العود وقال: ان هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة».
الموقف العام
وينتهي في هذا العرض التاريخي إلى الموقف العام للرسول عليه السلام من أهل الكتاب.
«وكانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من النصارى صار من أمته، له مالهم، وعليه ما عليهم. وكان له أجران: أجر على إيمانه بالمسيح، وأجر على إيمانه بمحمد. ومن لم يؤمن به من الأمم فإن الله أمر بقتاله، كما قال في كتابه: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد، وهم صاغرون).
وبعد هذا يأتي النداء إلى ملك قبرص في شأن ما يبدل من أسرى المسلمين الذين تم أسرهم ظلما وعدوانا، ومما تجدر الإشارة إليه ان الصراع لم يكن بين المسيحيين في مصر أو الشام أو غيرهما وإنما هو صراع مع من يدعي النصرانية من الغرب الصليبي.
الأسر الظالم
«فيا أيها الملك كيف تستحل سفك الدماء وسبي الحريم وأخذ الأموال بغير حجة من الله ورسله، ثم أما يعلم الملك أن بديارنا من النصارى أهل الذمة والأمان مالا يحصى عددهم إلا الله، ومعاملتنا فيهم معروفة، فكيف يعاملون أسرى المسلمين بهذه المعاملات التي لا يرضى بها ذو مروءة، ولا ذو دين؟ لست أقول عن الملك وأهل بيته ولا أخوته، فان أبا العباس شاكر للملك ولأهل بيته كثيرا، معترفا بما فعلوه معه من الخير، وإنما الكلام عن عموم الرعية، أليس الأسرى في رعية الملك؟ أليست عهود المسيح وسائر الأنبياء توصي بالبر والإحسان، فأين ذلك؟!.».
الغدر مرفوض
والشيخ ابن تيمية في الفقرة أعلاه يذكر بموافق المسيح والأنبياء من المواثيق والعهود والوفاء بها ولا يمكن لرجل من هذا المستوى الرفيع للاحترام للأنبياء والرسل ان يكون قاسيا في مواجهة من يخالفه من مواطنيه.
ثم ان كثيرا منهم إنما أخذوا غدرا، والغدر حرام في جميع الملل والشرائع والسياسات، فكيف تستحلون أن تستولوا على من أخذ غدرا؟ أفتأمنون مع هذا ان يقابلهم المسلمون ببعض هذا، ونكونون مغدورين؟ والله ناصرهم ومعينهم، لاسيما في هذه الأوقات، والأمة قد امتدت للجهاد، واستعدت للجلاد. ورغب الصالحون وأولياء الرحمن في طاعته، وقد تولى الثغور الساحلية أمراء ذوو بأس شديد، وقد ظهر بعض أثرهم، وهم في ازدياد».
وابن تيمية لا يخاطب الملك من موقف ضعف ونما هو في موقف قوة ويذكر بذلك وما لديه من الحركة الفدائية القادرة على العمل.
الفدائيون
ثم عند المسلمين من الرجال الفداوية، الذين يغتالون الملوك في فرشها، وعلى افراسها: من قد بلغ الملك خبرهم: قديما، وحديثا. وفيهم الصالحون الذين لا يرد الله دعواتهم، ولا يخيب طلباتهم، الذين يغضب الرب لغضبهم، ويرضى لرضاهم. وهؤلاء التتار مع كثرتهم وانتسابهم إلى المسلمين لما غضب المسلمون عليهم أحاط بهم من البلاء ما يعظهم عن الوصف، فكيف يحسن أيها الملك بقوم يجاورون المسلمين من أكثر الجهات أن يعاملوهم هذه المعاملة التي لا يرضاها عاقل لا مسلم، ولا معاهد؟!».
المعاملة بالحسني

وإذا كان المعروف عن ابن تيمية نقده للفلسفة والفلاسفة فإنه هنا يخاطب الملك ويذكره بموقف هؤلاء وغيرهم ممن يعقد برأيه من تقدير الإسلام والاعتراف بفضله وحسن معاملته والفقرة تدل على حنكة الرجل الدبلوماسية ومرونته وهو يقتصر على ما تسمح به هذه المراسلة في شأن الأسرى.
«هذا وأنت تعلم أن المسلمين لا ذنب لهم أصلا بل هم المحمودون على ما فعلوه، فإن الذي أطبقت العقلاء على الإقرار بفضله هو دينهم. حتى الفلاسفة أجمعوا على أنه لم يطرق العالم دين أفضل من هذا الدين. فقد قامت البراهين على وجوب متابعته.
والكتاب لا يحتمل البسط أكثر من هذا لكن انا ما أريد للملك إلا ما ينفعه في الدنيا والآخرة، وهما شيئان. (احدهما) له خاصة، وهو معرفته بالعلم والدين، وانكشاف الحق، وزوال الشبهة، وعبادة الله، كما أمر فهذا خير له من ملك الدنيا بحذافيرها. وهو الذي بعث به المسيح، وعلمه الحواريين. (الثاني) له وللمسلمين، وهو مساعدته للأسرى الذين في بلاده، وإحسانه إليهم، وأمر رعيته بالإحسان إليهم».
والمعاونة لنا على خلاصهم، فإن في الإساءة إليهم دركا على الملك في دينه ودين الله تعالى، ودركا من جهة المسلمين، وفي المعاونة على خلاصهم حسنة له في دينه، ودين الله تعالى وعند المسلمين، وكان المسيح أعظم الناس توصية بذلك».
وفي الفقرة التالية من الرسالة يوضح ابن تيمية استغرابه من اسر أناس من غير قتال ومخالفة تعاليم المسيح.
الإسلام مع الضعفاء
ومن العجب كل العجب أن يأسر النصارى قوما غدرا أو غير غدر ولم يقاتلوهم، والمسيح يقول: «من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن أخذ رداءك فأعطه قميصك»؟! وكلما كثرت الأسرى عندكم كان أعظم لغضب الله وغضب عباده المسلمين، فكيف يمكن السكوت على أسرى المسلمين في قبرص، سيما وعامة هؤلاء الأسرى قوم فقراء، وضعفاء، ليس لهم من يسعى فيهم، وهذا أبو العباس مع أنه من عباد المسلمين، وله عبادة، وفقر، وفيه مشيخة، ومع هذا فما كاد يحصل له فداؤه إلا بالشدة، ودين الإسلام يأمرنا أن نعين الفقير، والضعيف، فالملك أحق أن يساعد على ذلك من وجوه كثيرة، لاسيما والمسيح يوصي بذلك في الإنجيل، ويأمر بالرحمة العامة، والخير الشامل، كالشمس والمطر.
والملك وأصحابه إذا عاونونا على تخليص الأسرى والإحسان إليهم كان الحظ الأوفر لهم في ذلك في الدنيا والآخرة. أما في الآخرة فإن الله يثيب على ذلك ويأجر عليه، وهذا مما لا ريب فيه عند العلماء المسيحيين الذين لا يتبعون الهوى».
ويختم هذه الفقرات التي أخذنا من رسالة الشيخ بما ورد أدناه من الثناء على ملك قيصر ومعاملته ويذكره بأن المسلمين إنما يريدون للناس خير الدنيا والآخرة.
الناس معادن
وأبو العباس حامل هذا الكتاب قد بث محاسن الملك وإخوته عندنا واستعطف قلوبنا إليه، فلذلك كاتبت الملك لما بلغتني رغبته في الخير، وميله إلى العلم والدين، وأنا من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابه، وطلب الخير لهم، فإن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس، يريدون للخلق خير الدنيا والآخرة، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويدعونهم إلى الله، ويعينونهم على مصالح دينهم ودنياهم، وان كان الملك قد بلغه بعض الأخبار التي فيها طعن على بعضهم، أو طعن على دينهم، فأما أن يكون المخبر كاذبا، أو ما فهم التأويل، وكيف صورة الحال. وإن كان صادقا عن بعضهم بنوع من المعاصي والفواحش والظلم: فهذا لابد منه في كل أمة، بل الذي يوجد في المسلمين من الشر أقل مما في غيرهم بكثير، والذي فيهم من الخير لا يوجد مثله في غيرهم.

مع ابن تيمية في رسالته القبرصية ودوره في حماية حرية الوجدان..؟ بقلم // ذ. محمد السوسي

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا