الحركات الأصولية بين الفكر الديني والسياسات المسلحة؟

الحركات الأصولية بين الفكر الديني والسياسات المسلحة؟

محمد أديب السلاوي

  • بقلم // محمد أديب السلاوي

-1-

للأصولية ارتباط عميق بالتطرف الديني، إذ بات هذا الأخير مستقرا في نسيج مجتمعات عربية وإسلامية عديدة، واستطاع أن يمد خيوطه المتشابكة وخلاياه الإرهابية إلى مجتمعات أخرى غربية وشرقية.

وتسعى الحركة الأصولية، سواء في المجتمع الإسلامي، أو في المجتمعات الدينية الأخرى / اليهودية والمسيحية، إلى استعادة الأصل والتطابق معه، في فكرها وخطابها وأفعالها، وحتى في إرهابها، إنها محكومة بالماضي، بنماذجه وصوره وأحكامه وقوانينه. وهي في تنظيرها لا ترى في الحاضر سوى الكفر والفساد والفسوق والتكفير والردة والشر والإثم… وهي في فعلها تعتقد أنها هي الحق، وهي الصدق، وهي التي تملك مفاتيح الجنة.

وبدور الفكر الأصولي في كل المجتمعات متشابهة، جميعها تدعى أن تكفيرها ومنهجها وسلوكها هو المؤهل نقلا وعقلا وقدرا ونظرة وتجربة، وأنها الوارث الحقيقي للحق وللفضيلة.

وحسب رأي الكاتب العربي غسان الامام (1) فإن الأصولية في العالمين العربي والإسلامي أصولية تاريخية، تقليدية ومحافظة في اجتهادها وتفسيرها للدين، وتعتمد في عملها وعلمها على ما أسفرت عليه المذاهب السنية الأربعة في السنوات الألف الأخيرة بعد إغلاق باب الاجتهاد.

وقد أقامت هذه الأصولية حلفا تاريخيا مع العديد من الأنظمة السياسية الحاكمة، ومنحتها مشروعية دينية أمام رعيتها ومواطنيها، واستمر هذا الحلف في العصر العربي الحديث، وتم تعميقه وتوثيقه لإثبات تقوى الأنظمة، لدعمها في حربها ومواجهتها مع الأصوليات الأخرى.

وكما كان في الماضي، تتركز الأصولية التقليدية في الزمن الراهن، في المؤسسات والمدارس والجامعات والهيئات الدينية المعترف بها رسميا في طول العالم العربي وعرضه، وأبرزها المؤسسات العتيقة/ الأزهر/ القرويين/ الزيتونة…وغيرها. ولأنها أصولية رسمية فقد تجنبت العمل السياسي مراعاة لخاطر السلطة أو لعدم مزاحمتها في السيطرة على المؤمنين، لكنها قاومت كل محاولات الإصلاح الديني الهادفة إلى مصالحة الاجتهاد القديم مع حاجات العصر.

لذلك ساهمت الأصولية التقليدية في تأهيل قطاعات عريضة من المجتمعات العربية والأجيال الإسلامية الجديدة لتتقبل فكر وممارسة الأصوليات الأخرى، ومنها الأصولية المسيسة، التي تسعى بأشكال مختلفة الوصول إلى الحكم.

وقد أكدت العديد من الدراسات والأبحاث الأكاديمية،أن التطرف الأصولي ليس إلا إفرازا للسياقات المجتمعية التي تجافي، في طبيعة بنياتها السياسية والاقتصادية والثقافية، مقتضيات العقل والحداثة وتغرق في مناخات من احتكار السلطة وحدة التفاوتات الاجتماعية وسيادة قيم التقليد والمحافظة. وبقدر ما يجد التطرف داخل هذه المجتمعات مشاتل مهيأة لتزويده بالموارد البشرية اللازمة، تنفتح شهيته وتتقوى مطامعه في الاستيلاء على الحكم بالوسيلة الوحيدة التي يحسنها، وهي العنف .

وحسب العديد من الدارسين أن الأصولية المتسيسة، استفادت من جهود الأصولية التقليدية في المحافظة على الاجتهاد القديم، وفي تلقين الأجيال المتعاقبة التعليم الديني دون حوار أو سؤال. وهذا هو السبب في اعتماد الأصولية  المتسيسة الزاوية والمسجد إلى جانب الشارع في إيصال خطابها السياسي إلى مجتمعات عميقة الإيمان وضعيفة التعليم والثقافة.

هكذا لعبت الأصولية المتسيسة دورا كبيرا في ولادة الأصولية المسلحة أو الجهادية، فمن رحم هذه الأصولية الإخوانية، ولدت الأصوليات الجهادية المسلحة في مصر والجزائر وليبيا واليمن وتونس والعراق ولبنان وسورية والسودان .

وكان المفكر الإخواني سيد قطب الملهم التنظيمي والإيديولوجي للأصولية المسلحة قد اعتمد فكر الحصار والعزلة والانغلاق في الإسلام الهندي – الباكستاني عند المولودي والندوي. ثم أضاف إليه أدب الفكر الديني في القرون الوسيطة الذي اعتمد النسخ والنقل والاجتهاد والتفسير.

من هنا، يبدو واضحا التداخل الشديد والغامض بين الأصوليتين السياسية والمسلحة في الفكر والممارسة والتطبيق، بحيث يصعب أحيانا على النظام السياسي أو البحث العلمي أو على الرأي العام ورجل الشارع التفريق والتمييز بين الأصوليتين.

والأمثلة على هذا التداخل كثيرة، ومنها الأصولية الجزائرية المسيسة التي انقلبت إلى مسلحة في صدامها مع السلطة، وأصولية الترابي السودانية التي تعسكرت ثم أقامت تعاونا واتصالا مع أصوليات عربية وإسلامية مسلحة، وأخيرا الأصولية الباكستانية، وهي أصولية مسلحة لكنها تعتمد العمل السياسي في باكستان وأفغانستان، وهي التي دربت ومولت الأصولية المسلحة والجهادية الممثلة بتنظيم”طالبان”.

-2-

تاريخيا، تعود الإرهاصات الأولى، لظهور “التطرف الأصولي الجديد” على رقعة العالم العربي، إلى سقوط الخلافة العثمانية (نهاية القرن التاسع عشر) وما خلفته من فراغ، أدى إلى ظهور جماعات اتجه خطابها الديني صوب القضايا السياسية وكانت “جماعة الإخوان المسلمين” التي أسسها حسن البنا في القاهرة سنة 1929، أول جماعات الإسلام السياسي التي ظهرت بعد ثورة كمال أتاتورك والتي أطاحت بالعثمانيين في تركيا، نهاية الحرب العالمية الأولى سنة (1919)، ثم انتشرت جماعة الإخوان في بلدان العالم الإسلامي، وصارت لها تنظيمات في عدد من الدول العربية الأخرى.

 وفي سبعينات القرن الماضي ظهرت تنظيمات متطرفة صغيرة للإسلام السياسي عرفت باسم الجماعات الإسلامية “الجهادية” أو “السلفية” لجأت إلى السرية في عملها واستخدام الإرهاب كوسيلة لتحقيق أهدافها، كما تكونت جمعيات إسلامية متعددة ذات طابع تعليمي ثقافي واجتماعي، تمارس نشاطها علانية وفي حدود القوانين السائرة في البلاد.

و قريبا من هذا المناخ، تكونت جماعات خارج مصر، مثل “حزب الله” الذي ظهر في لبنان في ثمانينات القرن الماضي و”حماس” التي ظهرت فوق الأرض الفلسطينية، وان كانت هذه الجماعات ركزت عملياتها في مجال الصراع مع إسرائيل من أجل تحرير الأراضي العربية المحتلة، وكان لظهور جماعة “القاعدة” التي أنشأها السعودي أسامة بن لادن في تسعينات القرن العشرين، وجماعة “الدولة الإسلامية” التي أنشأها البغدادي في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، إثر كبير في نقل جبهة العمليات الإرهابية إلى جميع أنحاء العالم : العالم العربي / أوروبا / أمريكا / إفريقيا  بهدف تغيير نظم الحكم في الدول العربية وبعض الدول الإفريقية، وإجبار أمريكا والدول الغربية على تنفيذ مطالبها عن طريق تهديدها بشن هجمات انتحارية(2).

وتؤكد العديد من الدراسات التاريخية، العربية والأجنبية، أن الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفياتي، كانت المحطة التأسيسية الأساسية، في نشأة “التطرف الأصولي الجديد” القائم على العنف، الذي أطلق على نفسه مسمى “السلفية الجهادية” وهي نفسها المحطة التي تشكلت بها “قوات” الأفغان العرب. التي أعطت في وقت لاحق، جيشا بدون قضية، يساهم من حيث يريد أو لا يريد في عولمة التطرف الإرهابي.

وانطلاقا من الحرب الأفغانية، تمكنت الشبكات الأصولية الإسلامية المتطرفة في العالمين العربي والإسلامي وفي إفريقيا، من إقامة تحالف عالمي غير مسبوق، في تنظيمه المحكم، استقطب بأساليب مختلفة العديد من التنظيمات الأصولية المتطرفة مسلحة وغير مسلحة، على امتداد الوطن العربي والعالم الإسلامي والقارتين الأوروبية والأمريكية.

وأثناء حرب الخليج (سنة 1991)، بدأت تظهر على الخريطة الدولية ملامح جديدة لهذا ” التحالف”، إلا أن هذه الملامح أصبحت واضحة سنة 1998 حيث تم الإعلان عن إنشاء “الجبهة العالمية لقتال اليهود والنصارى”، حيث بدا تطبيق مبدأ القتال ضد أمريكا  وإسرائيل ومصالحهما في العالم، بهدف “إقامة خلافة راشدة، على منهاج النبوة وتطبيق حكم الله في الأرض”.

ومع ظهور” منظمة القاعدة ” في الواجهة الدولية، (من خلال أحداث 11 شتنبر 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية)، أصبحت الأصولية الجديدة “جهادية” تعطي الأسبقية للصراع المسلح، عوض الاكتفاء بالدعوة، إذ برز هذا التحول بداية في نظام طالبان بأفغانستان، ثم تعمم على العديد من العواصم العربية والإسلامية والأوروبية والإفريقية، ليصبح الجهاد الأصولي” معولما.

وان ما يميز عولمة الجهاد الأصولي، في نظر بعض المراقبين(3)، أنه لا يستند على النزاعات الوطنية، أو السياسية، ولكنه يأخذ شكل إرهاب أصولي عندما يتعلق الأمر بالمرور من الكلمات إلى الأفعال.

-3-

المنظرون الأصوليون بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية وبمختلف التنظيمات الأخرى، يطلقون على أنفسهم ألقاب العلماء / الأمراء / الفقهاء / المفتين / الدعاة، يقومون بتربية الموردين / الأتباع، على الطاعة والانصياع، ثم يشحنون أفكارهم وعقولهم باسم الدين، والسنة / النهي على المنكر، التركيز على قضايا اجتماعية ودينية وسياسية مختلفة، ليتم – بعد ذلك- تهيئتهم” للجهاد ” و”الشهادة” من أجل الدفاع عن الحق وعن ” شريعة الله”.

وعبر مراحل ” التربية الإيمانية ” يتم تصنيف عباد الله داخل هذه التنظيمات الأصولية حسب العديد من الباحثين والدارسين، بين مؤمن وكافر / مستقيم وضال / طيب وخبيث. حيث يتدرج هذا التصنيف في نفوس الضعفاء والأميين والجهلة والتعساء والمحرومين والفقراء والمظلومين، ليتحول – في نهاية المطاف- إلى إرهاب وعنف وشر قاتل.

هكذا سيجد المتابع تشابها بين الخوارج المحدثين، (مثل تنظيم التكفير والهجرة والقاعدة وأشباههم)، وبين قدماء الخوارج من حيث توظيف النصوص بصورة انتقائية وتحريفها عن مقاصدها الأصلية لتسهيل عملية اجتذاب غيرهم ممن أضلهم الله عن الطريق الإسلامي الصحيح(4)، وكذلك فعل الخوارج القدامى الذين اغتالوا رابع الخلفاء الراشدين، واستباحوا دماء المسلمين الذين لم يتفقوا معهم في فهمهم للإسلام. وهاهم محدثو الخوارج، يمارسون نفس العمل حين ينتزعون نصوصا من سياقها وبصورة انتقائية تخالف جميع مبادئ الأمانة العلمية لتبرير تضليل صغار السن والعقول ليقتلوا الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ وأمنيين غير مقاتلين باسم الإسلام، قد تختلف الأهداف والوسائل قليلا بين القدامى والمحدثين من الخوارج، ولكن منهج النصوص هو نفسه لم يتغير كثيرا  .

*****

* قراءة في الخريطة الاصولية / جريدة الشرق الاوسط (25 شتنبر 2000).

  • احمد عثمان / الارهاب ليس قتالا في سبيل الله (جريدة الشرق الاوسط / 8 يونيو 2001)
  • الارهاب الاصولي يزحف على الغرب الاسلامي ( جريدة الاحداث المغربية 15 يونيو 2003)
  • علي بن طلال الجهني / الارهاب وانتقائية النصوص ( جريدة الشرق الاوسط 25 دجنبر 2001)

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا