الحرب الباردة المتجددة بين روسيا والولايات المتحدة معالم ميزان قوى عالمي في طريق التشكل

الحرب الباردة المتجددة بين روسيا والولايات المتحدة معالم ميزان قوى عالمي في طريق التشكل

عمر نجيب

  • بقلم // عمر نجيب

  تكثف الحديث خلال النصف الثاني من سنة 2017 عن نشوب حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا تشابه أو تفوق خطرا تلك التي سادت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بين الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وتوقفت بداية عقد التسعينات من القرن الماضي مع إنهيار الإتحاد السوفيتي. عدد من المراقبين إعتبروا التوتر عابرا مشيرين إلى أن الحديث عن حرب باردة جديدة يتجدد بين حين وآخر بالتوازي مع كل أزمة تقع بين موسكو وواشنطن، غير أن آخرين يقدرون أن التوتر بين الطرفين وصل إلى نقطة لم يعد معها من السهل التراجع.

ويحذر الخبراء من أن المناورات العسكرية الروسية المتعاقبة، وإعادة توزيع القوات البرية على طول الحدود الغربية لروسيا مع باقي دول أوروبا، وإرسال طائرات مقاتلة إلى سوريا وأسطول روسي كبير إلى المتوسط ودعم الجيش الليبي بقيادة المشير حفتر، إنما هي جميعا مؤشرات على أن فصلا جديدا من الحرب الباردة يستعر تحت الرماد. وفي عام 2014، تم تصنيف حلف شمال الأطلسي في العقيدة العسكرية الروسية بشكل صريح باعتباره خصما.

 واشنطن من جانبها تعلن بدون تحفظ أن روسيا تشكل تهديدا وجوديا لها.

موسكو ترد

  نهاية شهر يوليو 2017 قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خفض عدد الدبلوماسيين والعاملين في السفارة الأمريكية بموسكو، طالبا مغادرة 755 شخصا منهم، وذلك في رد روسي على العقوبات الأمريكية الجديدة التي وصفتها موسكو بأنها “خطوات عدائية”.

وقال بوتين، في حديث لقناة “روسيا 1” إن إجراء طلب مغادرة الموظفين الأمريكيين “حساس بالنسبة لواشنطن” مضيفا: “انتظرنا على مدى وقت طويل عسى أن تتجه الأمور نحو الأفضل، وكنا نأمل في حدوث تغير إيجابي في هذا الوضع، لكن تبين أن ذلك لن يحصل قريبا، ولذا قررت أنه يجب إظهار أننا لم نعد مستعدين لترك الأمر دون رد”.

وأوضح الرئيس الروسي أن 755 أمريكيا بين دبلوماسي وتقني سيضطرون إلى مغادرة روسيا، وفقا لقناة “روسيا اليوم” الحكومية الروسية، مؤكدا أن لدى بلاده “طيفا واسعا من الوسائل للرد على العقوبات الأمريكية الجديدة المتوقعة، غير أن موسكو لا تعتزم اللجوء إليها، لأن ذلك لن يقتصر ضرره على العلاقات الثنائية بين الدولتين إنما سيطال العلاقات الدولية.”

وشدد بوتين على أن الأضرار التي تلحقها محاولات واشنطن ممارسة الضغوط على روسيا لا يمكن مقارنتها بالتداعيات الهائلة التي قد يجلبها تجميد التعاون الروسي الأمريكي في مجالات معينة، وقال: إذا حان هذا اليوم، فإننا قد ننظر في خيارات رد أخرى، ولكنني آمل أن ذلك لن يحصل. واليوم لا زلت معارضا للوصول إلى تلك المرحلة”.

وكان الكونغرس الأمريكي قد أقر يوم الخميس 27 يوليو بغالبية ساحقة مشروع قانون لفرض المزيد من العقوبات على روسيا على خلفية اتهامها بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية والتورط عسكريا في أوكرانيا.

وتستهدف العقوبات الأمريكية ضد موسكو، صناعات الدفاع، والاستخبارات، والتعدين، والشحن والسكك الحديدية، كما تفرض قيوداً عند التعامل مع البنوك وشركات الطاقة في روسيا.

وقد تحدث بوتين عن اتهامات التدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية قائلا إن روسيا اقترحت على الولايات المتحدة أكثر من مرة التعاون في مكافحة القرصنة الإلكترونية، لكن الجواب كان اتهامات لا أساس لها.

يلاحظ أن الرئيس الأمريكي ترامب حاول أن يترك لنفسه فسحة للمناورة حيث قال يوم 2 أغسطس بعد توقيعه على قانون العقوبات: أنه “تشوبها عيوب”؛ لأنها تهدد، في رأيه، “بتحقيق تقارب بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية”.

وأضاف في بيان: “عبر الحد من هامش المناورة لدى الإدارة، فإن هذا القانون يعوق قدرة الولايات المتحدة على التوصل إلى اتفاقات جيدة للشعب الأمريكي”.

وأضاف: “رغم ذلك، ورغم هذه المشاكل، أوقع هذا القانون باسم الوحدة الوطنية. إنه يمثل إرادة الشعب الأمريكي لرؤية روسيا تتخذ إجراءات لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة”.

العلاقات “عند مستوى خطر”

  يوم الجمعة 4 أغسطس 2017 أكد الكرملين، إنه يتفق تماماً مع قول الرئيس ترامب في تغريدة على “تويتر” إن علاقات واشنطن «مع روسيا عند مستوى خطر للغاية هو الأدنى على الإطلاق”.

وجاءت تعليقات ترامب على “تويتر” يوم الخميس بعد يوم من مصادقته على مضض على عقوبات جديدة ضد روسيا في خطوة وصفتها روسيا بأنها تصل إلى حد حرب تجارية شاملة وتقضي على الآمال في تحسين العلاقات مع إدارة ترامب.

وقال الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في مؤتمر صحافي عبر الهاتف عند سؤاله عن تغريدة ترامب “نتفق تماماً مع هذا الرأي”. وأضاف “الخطر ربما يكمن في العجز عن التواصل والتعاون في المسائل شديدة الأهمية لبلدينا وشعبينا”.

من جهته، قال وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل إن العقوبات الأمريكية الجديدة على روسيا “أكثر من شائكة”.

وانتقد غابرييل في تصريحات في مدينة فولفسبورغ في شمال ألمانيا يوم الجمعة الولايات المتحدة لابتعادها عن التعاون مع الاتحاد الأوروبي فيما يخص روسيا قائلاً إن هذا كان شيئاً أساسياً في الرد بقوة على موسكو في الماضي.

وأضاف “يوضح مشروع القانون أنهم يسعون وراء المصالح الاقتصادية ونعتقد أن ذلك غير مقبول”. وتابع “لا يمكننا قطعاً قبول ربط قضايا السياسة الخارجية بالمصالح الاقتصادية الأمريكية وقول: نريد إخراج الغاز الروسي من السوق الأوروبية حتى يمكننا بيع الغاز الأمريكي هناك”.

وتجدر الإشارة إلى أن قانون العقوبات الأمريكية الجديدة ضد روسيا، يتضمن كل العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بحق موسكو سنوات 2014 و2015 وحتى آخر عقوبات نهاية عام 2016. ويضيف إليها السماح بفرض عقوبات جديدة عن “النشاط الذي يقوض الأمن الإلكتروني الأمريكي لصالح الحكومة الروسية”. كما يدعو نص العقوبات إلى “مواصلة التصدي لمشروع أنابيب السيل الشمالي 2 “أي نورد ستريم  2″، لأنه يضر بأمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي، وتطوير سوق الغاز في وسط وشرق أوروبا”، وعليه فيجب على الحكومة الأمريكية أن تجعل من تصدير الطاقة من الولايات المتحدة إلى أوروبا ضمن أولوياتها.

وكانت وزارة الخارجية الروسية قد قالت، إن تهماً وجهها نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس لروسيا بأنها تعمل على إبعاد منطقة البلقان عن الغرب، تؤدي إلى زعزعة استقرار جنوب أوروبا وتكشف عن عقلية الحرب الباردة في واشنطن.

وأوضحت الوزارة في بيان، انه “من المؤسف ملاحظة انزلاق واشنطن أكثر من أي وقت مضى إلى أيديولوجية بائدة تعود لعهد الحرب الباردة بشكل منفصل عن الواقع تماماً”.

وأضافت أنها “دعت الولايات المتحدة للتوقف عن تشويه سمعة روسيا وسياستها الخارجية التي قالت إنها تعتمد على احترام الحلفاء والاستعداد للعمل مع شركاء دوليين”.

وأدلى بنس بتصريحات يوم الأربعاء في جمهورية الجبل الأسود في آخر محطات جولة كانت تهدف إلى طمأنة دول في شرق أوروبا في شأن التزام واشنطن أمنها، على رغم شكوك تسبب فيها فتور مساندة الرئيس الأمريكي لـ “حلف شمال الأطلسي”.

وقال بنس في اجتماع قمة حضره زعماء الجبل الأسود وكرواتيا وألبانيا وسلوفينيا، وهي دول أعضاء في “ناتو”، إلى جانب زعماء صربيا والبوسنة ومقدونيا وكوسوفو “نعلم جميعاً أن روسيا تواصل سعيها لإعادة ترسيم الحدود الدولية بالقوة، وهنا في غرب البلقان، عملت روسيا على زعزعة استقرار المنطقة وتقويض الديموقراطيات وتقسيمكم وفصلكم عن بقية أوروبا”.

معالم ميزان قوى جديد

  مع شروع موسكو في تحد محاولة الولايات المتحدة مواصلة فرض إرادتها على مختلف دول العالم، قدر محللون أن العالم يستعيد ملامح الحرب الباردة مع ما يحصل من استفزازات وتوترات، لكنهم أشاروا إلى أن ميزان قوى جديدا يرتسم في الأفق حيث تعتزم فيه موسكو ترسيخ مكانتها على الساحة الدولية.

وكما حصل في أوج الحرب الباردة، فان تشديد الخطاب عاد مجددا مع اتهامات وسوء تفاهم يساهمان في كل مرة في تأجيج الأمور.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تخضع بلاده لعقوبات غربية قاسية، ندد “بالمنتصرين المزعومين في الحرب الباردة الذين يفرضون إملاءاتهم ويقودون الى الفوضى”.

وحذر آخر زعيم للاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشيوف من نفس النزعة وتوقع “حربا باردة جديدة” في اليوم الذي كان يحيي فيه العالم في 9 نوفمبر 2014 الذكرى الخامسة والعشرين لسقوط جدار برلين.

لكن العديد من فصول الحرب الباردة لا ينطبق على الفترة الراهنة. ويقول فلاديمير افيسييف مدير مركز الدراسات السياسية في موسكو “لم تعد هناك مواجهة عسكرية مثل تلك التي وقعت بين حلف الاطلسي وحلف وارسو. اليوم لا روسيا ولا الغرب مستعدان لهجمات كبرى”.

واضاف “كما لم تعد هناك مواجهة عقائدية. هناك بالتاكيد خلافات لكن الستار الحديدي لم يعد قائما ولن يعود”.

لكن يبقى هناك صراع على النفوذ على المستويين العالمي والاقليمي. واعتبر سيرغي رادشنكو الخبير في شؤون روسيا في جامعة ابيريستويث البريطانية “من وجهة النظر هذه، تعود الحرب الباردة الى الواجهة لكن على نطاق أصغر بالتأكيد مع مخاطر تصعيد فعلية”.

وقال فيليب مورو ديفارج الباحث في معهد العلاقات الدولية الفرنسي “لقد كان الغرب في غالب الأحيان فظا مع روسيا. لقد قلل من شأن القومية الروسية وعزة نفس الروس. إن روسيا يديرها ايضا اليوم رجل مهووس بعظمة روسيا ويقوم بتشديد اللهجة بدلا من تهدئة الأمور”.

ومن موقع التعاون، انتقلت روسيا فجأة الى جهة رافضة في عدد من المواضيع من اوكرانيا وصولا الى الأزمة السورية بشكل اصبح يهدد بعض التوازنات.

وقال كامي غران مدير مؤسسة الابحاث الاستراتيجية في باريس “لقد قاموا بتدمير كل اسس النظام الاوروبي الذي اعتمد بعد الحرب الباردة، بما يتعلق بمعاهدات نزع الأسلحة والبيانات الكبرى لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وفي العمق أن فكرة إقامة فضاء أمني أوروبي لا تهم بوتين. أنه يفضل نظامه الاورو اسيوي، الذي يضم جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة مع معاهدته العسكرية ومنظمته الاقتصادية”.

وفي هذه البنية الجديدة “للسلام البارد” فإن التعاون لم يعد شرطا ضروريا رغم أن الطرفين يبقيان مرتبطين بمصالح سياسية واقتصادية قوية.

ولطمأنة الدول الحليفة المجاورة لروسيا، كثف حلف شمال الأطلسي أنشطته في الشرق وقرر تشكيل قوة رد سريع. وهي طريقة أراد فيها تحديد الخطوط التي يجب عدم تجاوزها. وقال كامي غران “بوتين يتصرف كثيرا وفقا لمنطق توازن القوى”.

وفي المستقبل القريب يحاول الرئيس الروسي خصوصا الاستفادة من ضعف نسبي لاوروبا التي ارهقتها أزمة اليورو ومن امريكا يعتبرها في حالة جمود وانتهازية.

كما حاول توجيه الأنظار نحو آسيا بدءا بالصين، القوة العالمية الجديدة وان ينخرط في عالم متعدد الأقطاب. وقال موروديفارج “المخاطر هنا هي ان يتشكل تحالف مناهض للغرب”.

ويقول غران إن العلاقات مع بكين تبقى “غامضة جدا” بسبب المخاوف من تهديد صيني على أبواب سيبيريا. ومن وجهة النظر هذه فإن “الإشارات النووية الروسية موجهة للصين بقدر ما هي موجهة لحلف الأطلسي”.

محاولات لتخفيف التوتر

  يوم الأحد 6 أغسطس 2017 جاء في تقرير لوكالة رويترز الدولية: شهد منتدى دول رابطة جنوب شرق آسيا “آسيان” في العاصمة الفيليبينية مانيلا يوم الأحد، أول لقاء أمريكي روسي على مستوى وزيري الخارجية، بعد تبادل العقوبات بين الطرفين. وأجرى وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، محادثات مع نظيره الروسي سيرغي لافروف على هامش المنتدى، خرج بعدها الأخير بانطباع بأن زملاءه الأمريكيين مستعدون لمواصلة الحوار حول قضايا مهمة بين الطرفين على رغم توتر العلاقات الثنائية.

وذكر لافروف عقب ما وصفه بـ “اجتماع مطول” مع نظيره الأمريكي: “شعرنا باستعداد زملائنا الأمريكيين لمواصلة الحوار. أعتقد أنه لا بديل من ذلك”.

كما قال وزير الخارجية الروسي إن الممثل الأمريكي الخاص بأوكرانيا كورت فولكر سيلتقي قريباً فلاديسلاف سوركوف أحد كبار مساعدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وكشف لافروف أن تيلرسون سأله خلال المحادثات، عن الإجراءات الروسية، وأضاف: “كان تركيزه منصباً على تفاصيل القرارات التي اتخذناها على مضض في ردنا على واشنطن”.

تمرد الإتحاد الأوروبي

  اللافت أن الاتحاد الأوروبي حليف واشنطن، يعارض العقوبات الأمريكية، ويرى فيها تهديدا لأمن الطاقة في أوروبا. فمن باريس إلى برلين مرورا ببروكسل، أثارت القرارات الأمريكية الاستياء لأنها اتخذت من طرف واحد، بعدما كان يجري حتى الآن التنسيق بين أوروبا والولايات المتحدة قبل فرض عقوبات على روسيا حول القرم حرصا على وحدة الصف بين جانبي الأطلسي في مواجهة موسكو.

ودعت المفوضية الأوروبية إلى وجوب الأخذ بمخاوفها، وقال رئيسها جان كلود يونكر في بيان، إن مشروع القانون الأمريكي قد “ينجم عنه أفعال أحادية ستترتب عليها عواقب على مصالح الاتحاد الأوروبي على صعيد أمن الطاقة”. وأضاف يونكر: “في حال لم يتم الأخذ بمخاوفنا بالشكل الكافي اليوم، فإننا على استعداد للتحرك بالشكل المناسب في غضون بضعة أيام”، مرددا تهديدا صدر عنه في مايو بعد محادثات مع الرئيس الأمريكي.

وأعربت عدة دول أوروبية، في مقدمتها ألمانيا وفرنسا، عن الغضب لأن القانون سيتيح للرئيس الأمريكي فرض عقوبات على الشركات العاملة على خطوط غاز من روسيا من خلال الحد، مثلا، من إمكانية وصولها إلى المصارف الأمريكية أو استبعادها من الأسواق العامة في الولايات المتحدة.

وذكرت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية، أنياس روماتيه، إن “مشروع القانون، سيسمح بفرض تدابير على كيانات أوروبية وبالتالي، فإن مدى تطبيق هذا النص خارج الأراضي الأمريكية يبدو غير قانوني في نظر القانون الدولي”.

ويمكن لمثل هذا الإجراء الأمريكي أن يفسح نظريا المجال أمام فرض عقوبات على مجموعات أوروبية شريكة في مشروع أنابيب الغاز “نورد ستريم 2″، الذي يفترض أن يسرع وصول الغاز الروسي إلى ألمانيا ابتداء من 2019، وخصوصا الفرنسية “آنجي” والألمانيتين “يونيبر” و”فينترشال” والنمساوية “أو إم في” والبريطانية الهولندية “شل”. وحتى الآن كان الخط الأحمر الذي توافقت عليه واشنطن وبروكسل يقضي بألا تؤثر العقوبات على إمدادات الغاز إلى أوروبا.

وفي المجلس الفيدرالي الروسي، قال السيناتور قسطنطين كوساتشوف، رئيس لجنة المجلس لشؤون العلاقات الدولية، إن “انقراض” العلاقات الأمريكية الروسية بعد تبني مشروع قانون العقوبات الجديد، يصبح أمرا لا مفر منه، ودعا إلى تبني تدابير جوابية، وشدد على أن الرد الروسي “يجب ألا يكون مجرد رد مناسب ومواز، بل ومؤلم أيضاً للأمريكيين”. وعبر كوساتشوف عن قناعته بضرورة إجراء مشاورات بين روسيا والاتحاد الأوروبي على خلفية تشديد العقوبات الأمريكية.

مصالح إقتصادية

  يسجل أنه في الفصل الأول من سنة 2017، بقيت إمدادات الغاز الروسي لأوروبا قريبة من تحقيق مستويات قياسية، وغطت 41 في المئة من واردات القارة، بحسب تقرير صادر عن المفوضية الأوروبية.

في المقابل، فإن إنتاج الغاز الطبيعي الأمريكي يتضاعف منذ 2005 بسرعة تفوق تزايد الاستهلاك، ومن المتوقع أن تصبح الولايات المتحدة رسمياً مصدراً للغاز عام 2018 في حين أنها تستورده حاليا، وفق تقرير لوزارة الطاقة.

ولم يكن بوسع الولايات المتحدة حتى عام 2016 تصدير الغاز إلا عبر خطوط أنابيب تربطها بجارتيها كندا وخصوصاً المكسيك التي يتوجه إليها أساساً قسم كبير من صادراتها، وذلك باستثناء بضع الناقلات بين الحين والآخر من ألاسكا.

وفي عام 2016 دشنت شركة “شينيار إينرجي” محطة أولى لتسييل الغاز في سابين باس بولاية لويزيانا بجنوب الولايات المتحدة.

وتسمح المحطة بتصدير الغاز بواسطة ناقلات ومنذ وضعها في الخدمة توجهت 13 في المئة من الكميات التي انطلقت منها إلى أوروبا.

كما أن هناك أربعة مشاريع أخرى قيد التنفيذ في تكساس وماريلاند على السواحل الشرقية، ما يجعل من الولايات المتحدة أكبر دولة من حيث تطوير هذه المنشآت، بحسب تقرير لمكتب “إينرجي فنتشرز أناليسيس”.

وأوضح المحلل لمسائل الطاقة في “مركز الأبحاث والتحليلات المالية” ستيوارت غليكمان “كان من المقرر أساساً أن يوجه قسم كبير من الغاز الطبيعي الأمريكي المنقول على متن ناقلات إلى آسيا” حيث الأسعار أكثر ارتفاعاً منها في أوروبا، غير أنه تم تحويل الوجهة بعدها.

وما شجع التصدير إلى أوروبا كلفة النقل الأكثر تدنياً إلى هذه القارة، والتي تبقى بمستوى تنافسي بالمقارنة مع الإنتاج المحلي حتى بعد احتساب كلفة عبور المحيط الأطلسي.

وقال مسؤول قسم الغاز والطاقة في شركة “إس أند بي غلوبال بلاتس” إيرا جوزيف إن “الصادرات تتجه بنسبة كبيرة في الوقت الحاضر إلى القسم المتوسطي من أوروبا، لكن الصادرات المتوجهة إلى الشمال ومنطقة البلطيق بدأت تتزايد”.

وأثنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارة رسمية إلى بولندا في يونيو 2017 على أول دفعة من الغاز الأمريكي وصلت إلى هذا البلد في ناقلة.

وذكر إيرا جوزيف “إنه تغيير كبير بالنسبة للسوق، سيكون هناك المزيد من المنافسة” المباشرة مع الغاز الروسي.

غير أن كلينت أوزوالد من معهد “بيرنشتين ريسيرتش” حذر في رسالة إلكترونية لوكالة فرانس برس بأن “غازبروم لن تسمح بتراجع حاد في حصتها من السوق”.

وقال بأن مجموعة الغاز العملاقة الروسية وقعت عقوداً بعيدة الأمد لسنوات وبأن إنتاجها لا يزال الأدنى ثمناً.

ورأى مايكل شال من مكتب “إينرجي فينتشرز أناليزيس” أن الغاز الأمريكي لن يحل محل الغاز الروسي بشكل تام، بل أن المطلوب هو “امتلاك بديل ذي مصداقية يسمح للأوروبيين بالسيطرة بشكل أفضل على الأسعار”.

ويقدم الغاز الأمريكي قدراً إضافياً من المنافسة في أوروبا التي تعد أيضاً بين مورديها الرئيسيين النروج والجزائر وقطر.

وحتى بعد افتتاح جميع المنشآت الجاري تشييدها حالياً في الولايات المتحدة، لن تكون قدرات التصدير بواسطة ناقلات غاز كافية للحلول محل 160 إلى 180 مليار متر مكعب من الغاز الروسي يستوردها الأوروبيون كل سنة.

ورأى إيرا جوزيف أن الغاز الأمريكي سيحل بشكل أولي محل الإنتاج المحلي ولا سيما البريطاني والهولندي الذي بدأ بالتراجع، وعلى مدى أبعد محل الإنتاج النروجي أيضاً.

المخاوف الإسرائيلية

  العقوبات الأمريكية الجديدة على روسيا تعقد العلاقات بين البلدين. لكنها لن تثني الرئيس فلاديمير بوتين عن مواصلة إستراتيجيته. حتى وإن حذر مستشاره أليكسي كودرين من أنها قد تشكل عبئاً لعقود، وتحد من النمو الاقتصادي لبلاده وتحول دون استعادتها مكانتها قوة اقتصادية رائدة. والدليل أن العقوبات السابقة التي أقرها الغرب عموماً على موسكو بعد تدخلها في أزمة أوكرانيا و “استعادتها” شبه جزيرة القرم لم تدفعها إلى تليين موقفها، بقدر ما أثارت مخاوف دول البلطيق وبولندا وغيرها من دول “المعسكر الشرقي” السابق. بل شكلت حافزاً لها على مزيد من التدخل في أماكن أخرى، خصوصاً في المنطقة العربية عموماً.

قبل أشهر كتب المحلل الإسرائيلي زلمان شوفال في صحيفة إسرائيل اليوم ما يمكن إعتباره تعبيرا عن خشية الكيان الصهيوني من تطور السياسة الروسية في مواجهة الولايات المتحدة:

في خطاب “الستار الحديدي” المشهور، الذي تم القاءه في جامعة بولتون في الولايات المتحدة، حذر ونستون تشرتشل العالم من نوايا روسيا السوفييتية المعادية، كاشارة على بداية الحرب الباردة بين القطب الشرقي برئاسة موسكو وبين العالم الحر برئاسة الولايات المتحدة. هل نحن الآن أمام نسخة جديدة؟.

للوهلة الاولى هناك خطوط موازية بين سلوك الاتحاد السوفييتي وبين روسيا بوتين. ولكن هناك ايضا فوارق كبيرة. أولا، مكانة روسيا الآن، رغم تقدمها في مجالات كثيرة في السنوات الاخيرة، لا تقارن بالقوة الجيوسياسية والعسكرية التي كانت للسوفييت في حينه. ثانيا، اذا كانت دوافع موسكو في الفترة الشيوعية، ظاهريا على الأقل، ايديولوجية ايضا وتجسدت في الجهد الكبير لاقناع العالم بأن النموذج الاقتصادي الشيوعي أفضل من الاقتصاد الحر، فان الايديولوجيا التي تشجع القيادة الروسية الحالية هي اعادة مكانتها كزعيمة الى جانب الولايات المتحدة حتى لو كان الثمن هو التصادم المتواصل معها.

في الحرب الباردة كانت أحداث هددت بتحويلها الى حرب “ساخنة” حرب 6 اكتوبر 1973 “يوم الغفران”، الحصار السوفييتي لبرلين وازمة الصواريخ في كوبا. واليوم ايضا هناك منحى عسكري رمزي مثل تواجد الاسطول الروسي المعزز في البحر المتوسط، ووضع الصواريخ الروسية في ميناء طرطوس والمناورة العسكرية المشتركة بين روسيا ومصر في الوقت الذي تستمر فيه الاخيرة في الحصول على المساعدات العسكرية الامريكية السخية. ولكن كل ذلك لم يتحول بعد الى تهديد حقيقي بالحرب. ويمكن القول إن روسيا تدرك تفوق الولايات المتحدة العسكري.

المتحدثون في الجانبين يختلفان فيما بينهم حول الاسباب التي أدت الى تدهور العلاقات. في نظر الغرب حدث الانفجار في العام 2014 في اعقاب نشاط روسيا في اوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم، في الوقت الذي تزعم فيه موسكو بأن الغرب يضر باحترامها على مدى عشرات السنين. وبشكل فعلي يعمل على تقليص مكانتها في الاماكن التي اعتبرتها دائما الواجهة الأمامية أو الساحة الخلفية لها: البلطيق، البلقان، جورجيا، دول في وسط آسيا واوكرانيا ايضا التي ولد التاريخ الروسي كله في عاصمتها كييف.

لعب الشرق الاوسط دور مركزي في تلك الحرب الباردة، وايضا في الصراع الحالي. ولكن مع فوارق اساسية. روسيا الشيوعية، خصوصا في عهد ستالين، اعتبرت الصهيونية عدوا يهدد وجود النظام والايديولوجيا الشيوعية. واضافة الى ذلك، تحولت اسرائيل دون رغبة منها الى عامل مركزي في ألعاب القوى في الشرق الاوسط، حيث لعب الاتحاد السوفييتي دور في رعاية العالم العربي الراديكالي، سياسيا وعسكريا، بما في ذلك الفلسطينيين، والولايات المتحدة كانت المدافعة عن اسرائيل. هذا الفصل انتهى بانتصار اسرائيل والسلاح الامريكي في حرب يوم الغفران وقرار الرئيس المصري، السادات، الانضمام الى المعسكر الامريكي رغم استمرار موسكو وحلفائها بمنح المساعدة للمنظمات الفلسطينية.

في الصراع بين القوى العظمى الحالي في الشرق الاوسط، تغير الوضع، سواء تجاه اسرائيل التي تقيم معها روسيا بوتين علاقات سليمة، بل وصداقة، وايضا بالنسبة للاعبين المختلفين في العالم العربي والاسلامي. عامل آخر: سياسة الولايات المتحدة التي مكّنت روسيا من لعب دور أكثر فعالية في المنطقة، لا سيما في سوريا. حتى الآن لم يؤثر ذلك في العلاقات بين القدس وموسكو، ولا بقدرة اسرائيل على العمل العسكري ضد الجهات التي تهدد أمنها، واسرائيل تصمم على أن لا يتغير هذا الأمر.

إن ما يقلق أكثر هو توسع ايران في المنطقة، حيث يبدو احيانا أن الولايات المتحدة وروسيا تتنافسان بينهما على توطيد العلاقة معها. فواشنطن تتجاهل الاخلالات والتجاوزات في موضوع الصواريخ وعن دورها كحليفة اولى للرئيس الاسد. أما روسيا فتتعاون معها ليس فقط في سوريا، بل ايضا في امور مثل الطاقة النووية “للحاجات السلمية” وتوفير الصواريخ من اجل الدفاع الجوي. هذه هي أوجه “الحرب الباردة” الحالية. واسرائيل ستستمر في بذل الجهد من اجل أن تمر موجات الحرب هذه من فوقها دون إحداث أضرار.

المحافظون الجدد

  صدر خلال سنة 2016 تقرير عن “مؤسسة التراث الأمريكية” ساهم في إعداده 16 باحثاً وخبيراً، وحرره “جيمس كارافانو” الزميل في المؤسسة. التقرير عكس تصورات المحافظين الجدد الذين وضعوا مشروع الشرق الأوسط الكبير في حلته الأكثر إستجابة لتطلعات الكيان الصهيوني. وقد جاء في التقرير:

تفتقر السياسة الأمريكية تجاه روسيا لأي استراتيجية شاملة ومتماسكة منذ انتهاء الحرب الباردة، وقد أصبح من الواجب وضع “استراتيجية شاملة” وتقديمها لصانع القرار الأمريكي حول كيفية التعامل مع التحديات التي يفرضها التواجد الروسي في مناطق مختلفة من العالم، مما يهدد المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن في هذه المناطق.

يعتقد معدو التقرير أن نجاح الاستراتيجية الأمريكية تجاه روسيا يعتمد بالأساس على تقييم طبيعة النظام الروسي، مع عدم إغفال أن موسكو تتبنى أيديولوجية معادية لواشنطن، وهو ما يجعلها مصدر تهديد على الرغم من ضآلة احتمالية الصدام المباشر بين القوتين.

وينصح التقرير بتفادي الاستراتيجية الأمريكية الاعتماد على مبدأ “الاحتواء” كما كان متبعاً إبان الحرب الباردة، وإنما يجب أن تراعي الاستراتيجية المقررة الاعتبارات التالية:

1- أن تقوم الولايات المتحدة بتكبيد روسيا خسائر سياسية واقتصادية وعسكرية فادحة لا تستطيع موسكو تحملها على المدى الطويل، نتيجة لتعثر الاقتصاد الروسي.

2- حماية الولايات المتحدة حلفائها وضمان مصالحهم، وأن تستجيب لتصرفات روسيا بسياسات تدفع الأخيرة نحو الانصياع، واتخاذ مواقف أكثر قبولاً.

3- أن يتصف رد الفعل الأمريكي بالعقلانية والرشادة والتروي.

4- أن يكون فحوى الاستراتيجية الأمريكية قائماً على الدفاع عن القيم التي تتبناها الولايات المتحدة مثل الحرية وسيادة القانون ونبذ الديكتاتورية.

التحديات العالمية للسياسة الخارجية والأمنية الأمريكية

ثمة العديد من التحديات التي تواجه الولايات المتحدة عالمياً، وأوردها التقرير في النقاط التالية:

1- سباق التسلح والسياسة النووية: فالبرنامج الروسي لتطوير الأسلحة النووية يتطلب أن تراجع الولايات المتحدة استراتيجيتها في هذا الصدد عن طريق: أ) تطوير أسلحتها النووية. ب) صياغة استراتيجية جديدة للحماية والدفاع. ج) انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة “نيو ستارت” التي تهدف إلى تخفيض الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة . د) عدم الدخول في أي مفاوضات من شأنها التقليل من الأسلحة النووية في أوروبا. د) التأكيد على انتهاكات روسيا للاتفاقيات الخاصة بالتسليح النووي والحد من التسلح.

2- الدفاع الصاروخي: اتجهت روسيا إلى تحديث منظومة دفاعاتها الصاروخية، لذلك يجب على الولايات المتحدة أن تتجه إلى: أ) زيادة الاستثمارات الخاصة ببرنامج دفاعها الصاروخي. ب) تشجيع أعضاء حلف شمال الأطلسي “الناتو” على تطوير منظومات دفاعاتهم الصاروخية والجوية. ج) التأكيد علانية أن سياسة “التوازن الاستراتيجي” لم تعد تحكم علاقات الولايات المتحدة مع روسيا.

3- الأمن الإلكتروني: نظراً لأن التطور الروسي في هذا المجال يمثل تهديداً عسكرياً واقتصادياً للولايات المتحدة، فثمة ضرورة لانتهاج الخطوات التالية: أ) أن تسمح واشنطن بتبادل معلومات الأمن الإلكتروني بين القطاعين العام والخاص من أجل تفادي عمليات القرصنة الإلكترونية. ب) تعريف حدود الدفاع عن النفس لكل مؤسسات القطاع الخاص التي ترغب في المشاركة في عملية محاربة التهديد الإلكتروني. ج) تطبيق إجراءات أكثر ردعاً في مواجهة روسيا.

4- سياسات الفضاء: يبدو أن برنامج الفضاء الأمريكي أصبح تابعاً لنظيره الروسي الذي يتفوق عليه في عدد من النقاط، لذلك يتعين أن تقوم الولايات المتحدة بتطوير وتحديث القاعدة الصناعية للفضاء.

5- الإعلام الروسي الذي يروج للفكر المعادي للولايات المتحدة والغرب: ينصح التقرير في هذا الإطار الإدارة الأمريكية بالآتي: أ) استخدام الدبلوماسية الشعبية من أجل التصدي للإعلام الروسي. ب) الرد الحاسم على الأكاذيب الروسية. ج) إطلاق مراجعة شاملة لكافة المعلومات التي تنشرها روسيا في الولايات المتحدة وحلفائها. د) الإعلان أن روسيا تقوم بدعم بعض منافذ الإعلام الغربي، والتدخل في عمل المجتمع المدني. هـ) معاملة الصحفيين والإعلاميين الروس التابعين للدولة فيما يتعلق بالتأشيرات بالمثل كما تفعل روسيا مع نظرائهم من الولايات المتحدة. و) الاعتراف بأن جورجيا وغيرها من الدول الحليفة للولايات المتحدة في وسط وشرق أوروبا أكثر عرضة للإعلام الروسي، وتقديم الدعم لوسائل الإعلام المستقلة في هذه الدول.

6- البرامج الثنائية الأمريكية مع روسيا: يطالب معدو التقرير في هذا الإطار بإلغاء اللجنة الرئاسية الثنائية بين موسكو وواشنطن، وإجراء مراجعة شاملة للبرامج المشتركة بين البلدين، خاصةً تلك التي من المفترض أنها تدعم الديمقراطية في روسيا.

7- الدور الروسي المدمر في المنظمات الدولية: نظراً لفشل هذه المنظمات في تحقيق القيم التي تدعو إليها، يتعين على الولايات المتحدة دعم القيم التي تقوم على أساسها العضوية فيها، وعزل روسيا أو تعليق عضويتها في بعضها، وإنشاء نظام لتقييم عضوية روسيا الحالية في تلك المنظمات.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

شارك برأيك

إلغاء الرد