الجهوية الموسعة والسياسية من خلال الكاتب الباحث محمد أديب السلاوي والمفكر الأكاديمي عبد الله العروي.. بقلم // د.محمد المرابطي

الجهوية الموسعة والسياسية من خلال الكاتب الباحث محمد أديب السلاوي والمفكر الأكاديمي عبد الله العروي.. بقلم // د.محمد المرابطي

الجهوية الموسعة والسياسية من خلال الكاتب الباحث محمد أديب السلاوي والمفكر الأكاديمي عبد الله العروي.. بقلم // د.محمد المرابطي

 

تحفل الساحة الفكرية والسياسية في المغرب بعدة أبحاث ومقالات ودراسات جديدة في موضوع الجهوية الموسعة والمتقدمة، ومن بين آخر ما استجد في هذا المجال، كتاب الأستاذ محمد أديب السلاوي ” أية جهوية لمغرب القرن الواحد والعشرين ؟ ( الذي صدر خلال سنة 2010)، وكتاب المفكر عبد الله العروي “من ديوان السياسة” (الذي صدرت طبعته الأولى خلال الشهور الماضية)، والأستاذ السلاوي معروف بكتبه القيمة، ويمكن إدراج مؤلفه في الجهوية ضمن الدراسات الجادة التي تأخذ طابعا سياسيا وقانونيا، أما المفكر الأكاديمي عبد الله العروي الذي أغنى الخزانة العلمية والثقافية المغربية بإنتاجه العميق، فمؤلفه كما يبدو من خلال فصوله يمكن أن يلبس لبوسا فكريا وتاريخيا “.

محمد أديب السلاوي

محمد أديب السلاوي

مقاربة الأستاذين إذن تمتحيان من منظورين ومصدرين متباينين، مما سيكون له ولاشك دوره في طرح الموضوع، وإغنائه بالنقاش، والنظر إليه من خلال زوايا مختلفة، إثباتا لقيمة الدراستين اللتين تعكسان تصورين يستندان إلى مرجعيات ذات أبعاد مختلفة، فكما يتناول الموضوع فقهاء القانون الدستوري، يتناوله أيضا من وجهة نظرهم الخاصة فقهاء علم السياسة، وعلماء الاجتماع والتاريخ والاقتصاد .
لقد ذهب الأستاذ محمد أديب السلاوي في سياق تحليله العميق لمسار الجهوية السياسية والمتقدمة في المغرب إلى القول : ” …والجهوية الموسعة شكل من أشكال المصالحة مع المجال، وإقامة نوع من التوازن بين المغرب النافع والمغرب غير النافع، على اعتبار أن هذه الجهوية تشكل إمكانات كبرى لتعميم التنمية والتوزيع العادل للثروة، وتستوعب الخصوصيات المتنوعة في إطار التضامن بين الجهات، ومن ثمة يصبح الانتقال إليها انتقال إلى مرحلة ديمقراطية حاسمة، لإعادة الفرز الداخلي على قواعد الارتباط بالوحدة … ويعني ذلك الخروج من مرحلة الجهوية المغلقة التي عرفها المغرب إلى حد الآن، والتوجه صوب مرحلة سياسية جديدة بجهوية موسعة، وهي نظام له إطار مؤسساتي يرتكز على توفر العنصر الديمقراطي ونوع من الاستقلالية عن الدولة المركزية AUTONOMIE  وعلى مبدأ حقوق وواجبات الجماعات التي تعيش في تلك الجهات …. ” ( ص : 116 ) .

وبخصوص تعاطي الأحزاب السياسية المغربية، في مذكراتها المرفوعة إلى اللجنة الملكية المكلفة بإعداد تصور شامل للجهوية الموسعة … فقد أكدت أن الجهوية في المغرب ضرورة سياسية لتحديث عمل الدولة وتحسين نجاعتها على المستوى الترابي، وأن مشروع الجهوية يجب أن يستند إلى معطيات موضوعية تاريخية ومجالية تقوم على التكامل والتضامن وتجذير البعد الديمقراطي من خلال إعادة انتشار السلط . ( ص : 133 ) .

وفي السياق ذاته يشير إلى كون أن أحزابا سياسية أخرى ” اقترحت على اللجنة الملكية جملة من الاقتراحات تهم تمرير مجموعة من الاختصاصات إلى الجهات، وتحويل عدد من السلط عبر تجميع عدد الجهات في ستة أو عشرة على الأكثر، وإرساء برلمان جهوي ومجلس بالاقتراع العام بمشاركة السكان مع إعطاء رئيس الجهة مهمة وصفة الآمر بالصرف …. ” (نفس الصفحة ).

ويمضي الأستاذ محمد أديب السلاوي إلى بسط تصور هام في المجال ذاته ” من شأن الجهوية الموسعة أن تساهم في وضع حد لوضع الانتقال الديمقراطي الذي يعيشه المغرب، والانتقال إلى وضع التطبيع الديمقراطي ودولة المؤسسات …. ومن شأن الجهوية الموسعة تسهيل انبثاق نخب محلية، بما ستفتحه من إمكانيات الاستقطاب السياسي والمدني، ولدورها في جذب اهتمام الرأي العام …. ارتباطا بسياسة القرب، التي ستعيد الدينامية المطلوبة إلى الحياة السياسية من خلال تعبئة المواطنين الذين سيرون نخبا محلية تدبر شؤونهم، وسيرون المساطر الإدارية وقد خفت وسهلت، وأن عدة قرارات تتخذ وتنفذ محليا، كما أن بعض الملفات الحيوية لم يعد ضروريا أن تنتظر الشهور لتحمل إلى المركز، لتمكث من جديد في رفوف البيروقراطية الإدارية … ( ص : 138- 139) .

وعن الفضاء الملائم لقيام الجهوية في المغرب، يتساءل الأستاذ الكاتب عن الإطار الهيكلي المناسب للمغرب، الفضاء الألماني ؟ الفضاء الإسباني ؟ أم الفضاء الفرنسي ؟،  ومن هنا يطرح مؤلف الكتاب أسئلة عديدة في هذا الخصوص، من بينها :
هل أصبح الإصلاح الدستوري ضروريا، من أجل التصديق على الإصلاحات اللازمة للجهوية الموسعة ؟
هل تشكل الجهوية الموسعة، التي طرحها جلالة الملك، فرصة تاريخية للحديث عن معالم دستور جديد يؤطر العهد المغربي الجديد، خاصة وأن ورش الجهوية في فلسفته وجوهره، يرتبط شكلا ومضمونا بكل المؤسسات القائمة في الهندسة الدستورية ؟ …. ( ص : 140) .

أما بخصوص المفكر عبد الله العروي في كتابه ” من ديوان السياسة ” فإنه يرسم معالم وحدودا مفاهيمية، أكاديمية وتاريخية خاصة، تتعلق بالتصورالجهوي في المغرب، ويتطرق إلى تحليل الظاهرة/ الموضوع السياسي والقانوني في الفصل المعنون : ” الدمقراطية المحلية ” وفق  منظوره العميق والمتماسك على الشكل الآتي : ” التقطيع الحالي ( 16جهة، تختزل بسهولة إلى عشرة ) إداري محض، يدعي أنه يتوخى التكافؤ الاقتصادي والتكامل الاجتماعي، مع الحرص على عدم المس بالوحدات الطبيعية ( القبائل )، لكن في التسمية دليل واضح على تحاشي كل إشارة إلى أي عمق تاريخي، وهو الاحتراس نفسه الذي نلاحظه في فرنسا منذ ثورة 1789 إلى اليوم …ومن هذا المنظور فالفرق ضئيل جدا بين حالنا وحال بلدان كفرنسا، التي تنكر هذا الواقع إلى اليوم وهي حيطة مفهومة، لها مايبررها في القديم والحديث، سيما إذا انتبهنا إلى ما يجري حولنا، أما ألمانيا وإيطاليا، فقد اعترفتا بهذا العمق منذ عقود، وإسبانيا سجلته في دستورها بعد عودتها إلى الديمقراطية.   (ص: 129 )

ويشير إلى : ” هناك مشكلات، واقعة أو متوقعة، تتعلق بحقوق جماعية، كثيرة ومتنوعة، من اللغة إلى توزيع الخيرات مرورا بالتعليم والتجهيز، تبدو اليوم مستعصية على الحل إذ تطرح على المستوى المركزي، وبما أن هذا المستوى ليس متجانسا بالقدر الكافي، فالتوافق حولها صعب جدا، لذا يتحاشى نقاشها بالبرلمان والحكومة، وترفع إلى نظر الحكم الأعلى أي الملك …  أوليس من الأنجع أن توضع هذه الأمور من البداية بأيدي أصحابها، أولئك الذين يتضررون حقا منها أويتعللون بها ؟ …. ( ص : 130 ) .

وقبل هذه الفقرات، وهو يتحدث عن تاريخ الديمقراطية المحلية والأشكال الأولى للجهوية المغربية، فيقول : “عرف المغرب مناطق تاريخية متميزة منها الريف وتافيلالت والصحراء على أطراف المملكة، تعالج اليوم شؤونها وكالات مستقلة تعرف بالموقع الجغرافي ( الشمال، الشرق، الجنوب ) لكن الأول كان قاعدة منطقة الحماية الإسبانية وقبلها إمارة مغراوة وقبل ذلك عرفت بموريتانيا الطنجية، والشرق كان وطن زناتة وقاعدة الدولة المرينية في بدايتها، والجنوب كان قاعدة الدولة المرابطية في أوائلها ” …. ( ص: 128 ) .

وقبل أن نغلق  صفحة  هذه المقارنة المقاربتية المختصرة، لكتابين مغربيين يستمدان عمق تصورهما ومنظورهما من جذور تربة الواقع الاجتماعي والتاريخي والثقافي لبلدنا المغرب، ومن المناخ الدولي العام الذي أصبح يؤطر القوانين الجديدة المنظمة للجهة، ومستلزمات الحكامة الرشيدة المرتبطة بها، لابد من الإشارة إلى أن النموذج الجهوي الجديد الذي سيتبناه المغرب مستقبلا والذي بدأت بعض ملامحه تظهر في الأفق، فإن من شأن هذا التوجه أن يضع على المحك الإرادة الحقيقية للحكام الجزائريين في بناء المستقبل المشترك جهويا ووطنيا ومغاربيا، وذلك على أساس احترام السيادة الوطنية والوحدة الترابية للدول، لأن الاعتراف بسلطات جهوية حقيقية قائمة بذاتها داخل الدول المغاربية الأخرى، من شأنه أن يساهم ليس فقط في دمقرطة بقية هذه الدول، بل كذلك في إنشاء اتحاد متوسطي مرتكز على الشراكات من أجل تحقيق التنمية، خاصة في المناطق التي تعرضت إلى التهميش الاقتصادي والاجتماعي، ومعالجة القضايا المطروحة: كالهجرة وقضايا الإرهاب الدولي على صعيد الفضاء الأورومغاربي والمتوسطي.

الجهوية الموسعة والسياسية من خلال الكاتب الباحث محمد أديب السلاوي والمفكر الأكاديمي عبد الله العروي.. بقلم // د.محمد المرابطي

الجهوية الموسعة والسياسية من خلال الكاتب الباحث محمد أديب السلاوي والمفكر الأكاديمي عبد الله العروي.. بقلم // د.محمد المرابطي


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا