الترجمة سفينة لنقل حمولات الحركة الثقافية عبر العالم

الترجمة سفينة لنقل حمولات الحركة الثقافية عبر العالم

أحمد الميداوي

  • العلم: باريس – أحمد الميداوي

“واقع الترجمة في العالم العربي، واقع مؤلم جدا يتسم بالفوضى والعشوائية والتخلف، ويعكس تأخر الأمة الثقافي والحضاري”، تلك هي الحقيقة التي أجلتها ندوة “منزلة الترجمة في الثقافة العربية.. مكامن الخلل” التي نظمها يومي سابع وثامن بوليوز الجاري بالمركز الفرنسي للثقافات المتوسطية بباريس بمشاركة نحو 30 كاتبا وباحثا من مختلف أرجاء الوطن العربي.

وتأتي الندوة بعد سنتين  من احتفال المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) بمرور 80 عاما  على إنشاء فهرس الترجمات عام 1937 بمبادرة من عصبة الأمم (منظمة الأمم المتحدة حاليا)، وهو عبارة عن قاعدة بيانات للترجمات تشمل معلومات تم توفيرها من قبل المكتبات الوطنية، والمترجمين، واللغويين، والباحثين وقواعد البيانات من جميع أرجاء العالم.

وتشمل قاعدة البيانات الإلكترونية لفهرس الترجمات أكثر من مليوني مدخل تخص 500 ألف مؤلف و78 ألف ناشر في 148 بلدا. ويكشف البحث في هذه القاعدة الفريدة من نوعها أن مؤلفات أغاثا كريستي وجيل فيرن ووليام شكسبير، هي من أكثر الكتابات ترجمةً في العالم، وذلك وفق البيانات التي جُمعت منذ 1979. أما قائمة أكثر الشخصيات ترجمة في العالم، فهي بالغة التنوع، إذ تبين أن الزنجي الأمريكي، مارتن لوتر كينغ، يحتل المركز الأول متبوعا بالنازي الألماني، أدولف هتلر، فيما يحتل لينين المركز الخامس، والروائية باربارا كارتلاند (لها أكثر من 500 كتاب) المركز السادس، وحنا بولس الثاني المركز الثاني والعشرين، وفرانز كافكا المركز الأربعين وأفلاطون المركز الثالث والأربعين وغابرييل غارسيا ماركيز المركز التاسع والأربعين.

 واستعرضت الندوة في ثلاث جلسات حوارية :”حركة الترجمة من العربية وإليها.. من الموروث إلى الراهن” و”الترجمة والهوية الثقافية” و “الترجمة وآفاق اللحظة الراهنة”، بكثير من الحسرة الواقع المتردي للترجمة في العالم العربي التي تعاني من الكثير من الضعف والوهن بسبب نقص الحريات وتغليب المصالح الربحية والتجارية على البعد الثقافي.

واستشهد بعضهم ضمن المحور الأول “حركة الترجمة من العربية وإليها..” بآخر أرقام منظمة اليونسكو القائلة إن العرب البالغ عددهم نحو 300 مليون نسمة لا يترجمون سنويا أكثر من 250 كتابا في حين تترجم إسبانيا (38 مليون نسمة) أكثر من 15 ألف عنوان سنويا.

ونقل الأديب السوري جمال دورمش، رئيس فرع الترجمة باتحاد الكتاب العرب، عن تقرير التنمية الإنسانية العربية، أن متوسط عدد الكتب المترجمة في العالم العربي لا يتجاوز خمسة كتب لكل مليون مواطن سنويا في حين يحظى كل مليون مواطن في بلد صغير مثل الدنمرك بنحو 519 كتابا سنويا، كما يبلغ نصيب كل مليون إسباني في العام 820 كتابا.

الترجمة سفينة لنقل حمولات الحركة الثقافية عبر العالم

وعزت الباحثة المصرية سناء منصور، أستاذة الترجمة في جامعة السربون بباريس، تدهور وضعية الترجمة في البلدان العربية إلى البيئة العربية غير المشجعة وإلى تغليب المصالح التجارية على الثقافة، واعتبرت أن الحل يكمن في إتاحة مزيد من الحريات وعدم تدخل الدولة في نوعية الكتب التي ستترجم.

أما الأديب اللبناني سليم حيرون، فقد شبه في مداخلته ضمن محور “الترجمة والهوية الثقافية”، قضية الترجمة بأنها “سفينة تنقل حمولات الحركة الثقافية عبر العالم” داعيا إلى تدارك “النقص الحاصل للعرب” في هذا المجال والابتعاد عما وصفه بالفوضى في الترجمة من النصوص الأجنبية إلى العربية منتقدا “انبهار” المترجمين العرب أثناء ترجمتهم بعض النصوص الغربية، مما يؤدي، برأيه، إلى إهمال الاختلاف وخصوصيات المتلقي العربي.

وقال إن الفكر العربي “يعيش حركة من التبعية يصعب إنكارها حيث يتم انتزاع مصطلحات غربية جاهزة لا يمكن أن تنبت في مجتمع آخر”. واستغرب بهذا الخصوص شيوع كلمة “المقاربة” وهي كلمة غربية أصلها في العربية هو “المنهج” أو “الدراسة”.

وركزت الندوة في محور “الترجمة وآفاق اللحظة الراهنة” على وجوب خلق قنوات تواصلية بين أبرز المترجمين العرب من مختلف لغات العالم لبحث التحديات التي تواجههم والوصول إلى آليات النهوض بالترجمة وإطْلاع القراء في مختلف الأقطار العربية على نفائس التراجم من علوم وآداب ومعارف الشعوب الأخرى.

ودعت الندوة في ختام أشغالها إلى أهمية رصد وتتبع الواقع الراهن لحركة الترجمة في الوطن العربي وتشجيع المؤسسات الثقافية في المنطقة على تفعيل حركة الترجمة والنقل والوصول إلى النماذج الحيوية لترجمة العلوم والتكنولوجيا، وبناء معاجم علمية متخصصة إضافة إلى السعي إلى تطوير المناهج الجامعية في حقول الترجمة وإنشاء معاهد ترجمة محترفة لتخريج مترجمين مؤهلين وأكفاء.

ويستفاد من خلال فهرس الترجمات، أن اللغات الإنجليزية والاسبانية والفرنسية هي من اللغات التي تُرجمت إليها معظم الكتب، فضلا عن ازدهار مجال النشر في الصين: ففي السنوات العشر بين 1988 و1999، احتلت اللغة الصينية المركز الثلاثين من بين جميع اللغات المستهدفة للترجمة، وبحلول عام 2010، احتلت هذه اللغة المركز السادس والروسية المركز السابع والعربية المركز التاسع والعشرين.

وتؤكد آخر إحصائيات اليونسكو أن ما يترجم في الوطن العربي في السنة لا يتجاوز 350 كتابا، فيما يفوق عدد الكتب المترجمة في دولة صغيرة مثل اليونان (عشرة ملايين نسمة)، 1150 كتابا في السنة. وتترجم فرنسا سنويا سبعة أضعاف ما يترجمه العرب مجتمعون، حسب نفس الإحصائيات التي تؤكد على أنه بالرغم من احتلال اللغة العربية المرتبة السابعة من حيث عدد الناطقين بها في العالم، وذلك بعد الصينية والإنجليزية والهندية والإسبانية والفرنسية والروسية، إلا أن ما ترجم إلى العربية منذ العصر العباسي إلى اليوم لا يتجاوز 15 ألف كتاب، أي ما تترجمه إسبانيا في سنة واحدة.

الترجمة سفينة لنقل حمولات الحركة الثقافية عبر العالم

الترجمة سفينة لنقل حمولات الحركة الثقافية عبر العالم

شارك برأيك

إلغاء الرد

1 تعليق

  • محمد اسموني ـ ابن الحرة
    15 يوليو 2017, 19:27

    العنوان واضح ، و الحديث عن واقعنا مؤلم ، و لكن ما أثار فضولي لقراءة الموضوع و التعليق عنه هو ارتباط الصورة المرافقة للموضوع بالعنوان الشيق ، فتألمت كثيرا لعدم وجود الحرف العربي بين تلك اللغات المشتركة في تزيين لوحة فنية على كف إنسان ، و استغربت في النهاية لأمر من اختار تلك الصورة المعبرة عن الحضارات رغم نفيها للحضارة العربية الإسلامية التي أفادت العالم بأسره ، و ليست هناك لغة في العالم أفادت الحضارات الإنسانية ـ طبعا بفعل الترجمة ـ مثل لغة الضاد …
    لن أخالف ما أغنى الموضوع من أفكار قيمة ، و إن حضرت بعض الدلالات و غابت أخرى فإنني استحضرت فكر النقد الذاتي للزعيم علال الفاسي رحمة الله عليه ، ذلك الفكر الذي نضج في المغرب ـ البلد العربي ـ بفضل جهود الترجمة ، الترجمة التي كانت سعيا للكفاح الوطني ، حتى وإن لم يسجل التاريخ ما صنع الأفذاذ من أبناء هذا الوطن ، فإنني أخذت من دروس الوطنية ـ عن والدي الأبي رحمه ـ أن رجالات المغرب ساهموا في الحركة الوطنية عبر الترجمة بما نافحوا به المستعمر ـ بلغتيه ـ ، فمن رجال الحركة الوطنية من نقحوا الفكر المغربي بالأنجليزية فضلا عن الفرنسية و الاسبانية و الألمانية و الإيطالية … رحمة الله عليهم جميعا ، فهم الذين ألهموني الحديث عن الترجمة إلى العربية و ألهبوا الفكر المغربي بجذوة النقد الذاتي …
    و إن تحدثنا في هامش الموضوع عن ” العرب ” شعوبا و أوطانا و إثنيات لوجدنا اختلافات كثيرة بين المفاهيم و الاستقراءات ، و إن كان العامل المشترك واحدا ، ألا و هو الاستعمار ، فالتاريخ لا يرحمنا بما حفظ علينا من ضعف و هوان و تفرقة منذ غزو التاثار و المغول ، و استيلاب الفكر العربي بقوميات و أجناس ، لم يسلم المغرب منها بفعل حروب الاسترداد بعد سقوط غرناطة …
    لا يهمني الحديث عن الماضي الدفين ، بقدر ما استهوتني الغيرة عن لغة الضاد و هوان أهلها بعد الحرب العالمية الأولى ، و الغربة تبدو من انتشار الفكر الماركسي ـ أو الاشتراكية ـ التي ينسبها البعض إلى اللغة الروسية رغم نشأتها في الجرمان ، المهم أن الترجمة إلى الفرنسية لم تنبت في الجزائر ، بل أدخلها الفكر الاستعمار إلى الجزائر باللغة الفرنسية ، أما نحن في المملكة المغربية فلم تفلح الاشتراكية في تموجاتها بلغة موليير ، و إنما وجدت من يتزلج عليها و اعتمدها ثقافة أو ركيزة لبناء حضارة بائدة …
    لا ننكر مساهمة المغاربة في التفاعل الحضاري و الفكري ، و لك واقعنا الحالي لا يشفع لنا أن نلوم غيرنا ، فإننا تعيب زماننا و العيب فينا …. فحال تدريس اللغة العربية يثير كثيرا من التساؤلات التي تجيب عن أسئلة المفكرين (( إن الفكر العربي “يعيش حركة من التبعية يصعب إنكارها )) ….
    أذكر بما جاء في مداخلتي خلال ندوة ( الأسرة و المدرسة ) في مارس 2002 بمدينة فاس أنني ركزت على أهمية الترجمة في تدريس المواد العلمية بالمدرسة المغربية ، و قد كررت نفس الفكرة في مؤسسة الزعيم علال الفاسي أثناء مداخلتي في عرض الأستاذ موسى الشامي في موضوع (( اللغة العربية و اللغة الفرنسية .. أيها أصعب في التعلم ؟ ))
    فأحمد الله على تواضعي و لا أنسى فضل الله علي بما منحت من شرف التضحية في سبيل اللغة العربية ،، اعترافا و تقديرا لفكر النقد الذاتي …. و السلام

    رد