التراث المعماري بالمغرب يفتح اللوحة على آفاق التشكيل العالمي

التراث المعماري بالمغرب يفتح اللوحة على آفاق التشكيل العالمي

الكاتب الباحث محمد أديب السلاوي

الكاتب الباحث محمد أديب السلاوي

اشتغل الفنان التشكيلي في المغرب الراهن، على تراثه العريق، على مستوى التراث المعماري الإسلامي في المغرب، تستوقفنا الرموز التراثية في هذا الاتجاه نماذج حسن العلوي/ محمد السرغيني/ محمد جريد/ محمد الحمري/ مصطفى بوعبيد/ مريم مزيان (من الرعيل الأول)/ ليس فقط بغناها اللوني أو بحرفيتها المتفوقة، ولكن أيضا بإلحاحها الشديد على تسجيل التراث المعماري/ الهندسي، عبر الشهادات التي مازالت متبقية على الطبيعة.

-1-

من خلال أعمال هؤلاء الفنانين، نتعرف على الوحدات الهندسية، التي انطلقت أشكالها قبل مئات السنين في المدن والقرى العتيقة، أو في الصحاري البعيدة، عبر الآثار البربرية/ الإفريقية، أو عبر حضارة الشرق/ حضارة الأندلس بكل تفاصيلها الجمالية/ النفسية/ الروحية، باعتبارها تراثا وطنيا عريقا، يجسم لنا ملامح هويتنا الثقافية.فمن خلال الأقواس والقباب والمنحنيات والمنمنمات والنوافذ والنحوث والنقوش الخشبية والنقوش الجبسية والحجرية والمسطحات الجمالية، يمزج هؤلاء الفنانين بحيوية، الماضي، عبر مداخل بصرية واضحة (تركيبية) تتجه إلى الجذور الهندسية: الدوائر/ الخطوط العريضة الرأسية والأفقية ليستخرجوا منها صورة ذلك الماضي بهندسيته ومناعته، إن الوحدة الهندسية في الكثير من هذه الأعمال كالفكرة الواحدة، تنتقل من بعد لآخر، وتربط الصورة بالصورة والفضاء بالفضاء في هارمونية شديدة الشبه بالهندسية الثقافية/ الجمالية المستهدفة. 

الأمر لا يختلف عند الفنان الفطري محمد بن علال، وخاصة في أعماله التكوينية، إنه على إغراقه في التسطيح، حاول أن يتعامل مع الوحدات الهندسية من خلال إشكالها المتداخلة، ومن خلال تناغمها اللوني، ليعبر -انطباعيا- عن جذور الماضي بوضوح انتمائي.  

إن عنصر الاختلاف الوحيد بينه وبين باقي الفنانين في هذا الاتجاه، يتجلى في إصراره على تجميد الزمن في حين يصر حسن العلوي/ جريد/ بوعبيد على تحريك الزمن وانطلاقته حيا على القماش. الزمن هنا لا يعني مطلقا إثبات هوية العصر الذي تعبر عنه اللوحة، بقدر ما يعني استفادته من سمة التفتح التشكيلي، فالقباب والصوامع والفتحات الجذارية والأقواس، تبقى في نهاية المطاف عند المرحوم محمد بن علال رموزا ماضوية ساكنة، تجمد الماضي بشكل ملفت للنظر وتقدسه، أكثر مما تستقرئه  تنخرط في عوالمه.- 

في هذا المضمار، تشكل أعمال الفنانين عزيز برحو/ عزام مدكور/ المرحوم محمد دواح، نسيجا مستقلا ونقلة نوعية في مجال البحث التشكيلي التراثي. إن الرموز التراثية، الممتدة من الحرف إلى القباب، ومن الفضاء إلى النقوش، والتي تنبعث كالاشارات الضوئية من خلفيات المشاهد، التي تتوضح شيئا فشيئا في الأحجام الأمامية، وتتوحد مع نسيج الذكريات الطفولية الخاصة، (مسجد/ سور المدينة/ البيوت الطينية/ النقوش الصحراوية العربية)، إذ تصبح الصورة البصرية (تجريديا) مجزأة إلى تفاصيل صغيرة، على امتداد لوني/ تشخيصي، تعطى الانطباع أن الأسس البنائية في هذا البحث لا تستمد وعيها من التراث الماضي الذي ما يزال متحركا حيا في البيئة المعاصرة فحسب، وإنما تستمده من قيمة هذا التراث نفسه.الاختلاف الشكلي/ الأسلوبي/ المدرسي بين الفنانين الثلاثة، لا يمس تعاملهم مع التراث وحده، وإنما يمتد إلى الرؤى الفنية الذاتية، وهذا في حد ذاته يعد مكسبا مهما لاستقلالية هؤلاء الفنانين، فالاختلاف في الرؤى والتعامل لا يمس التراث في هويته وجوهره، بقدرما يتجه إلى تسجيل ورصد هذا التراث من خلال رؤاهم الفنية الذاتية.ينخرط في هذا الاختلاف من جانب آخر، الفنان أحمد قريفلة والفنان إبراهيم عامري. 

لأول يمزج “الوحدة الهندسية” بالكائن البشري، من خلال الخطوط العريضة والعناصر الأساسية لتفكيره وتعامله مع التراث، وتأثره به. والثاني يختصر الوحدة الهندسية في مدخل عام، يطل من خلاله على التحولات التي طرأت على هذه الوحدة من خلال تشكيلها التجريدي.إن رؤيتهما الأسلوبية لا تتصل في أعمالهما التشكيلية برؤيتهما للتراث، وإنما تنفرد بنزوعها إلى التعبير عن العلاقة المميزة بين الفنان المبدع، وتراثه، واستجابتها لدواعي الفطرة وقوانين الحياة المتحركة، إنهما يرفضان الحدود بين هذا الكائن وفضائه التراثي يلتجئان إلى التخريج والتلبيس والتأويل، وإلى اختصار هذا التراث في رموزه التجريدية المميزة، ولكنهما ضمن هذا “الاختصار” يغامران في قراءة تكاد تكون منهجية من حيث الطرح، والاستقصاء… وتكاد تكون موحدة في الأسلوب وفي طريقة هذا الطرح/ الاستقصاء. 

-2-

الاختلاف في الرؤى يمكن أن يمتد في هذه القراءة بعيدا، وإلى مساحة أكبر عندما نريد أن نخضع أعمال الفنانين الذين اشتغلوا على التراث، من خلال فطريتهم الذاتية، التي جعلتهم يحتلون مراكز مختلفة ومتباينة في الحركة التشكيلية المغربية. إن مولاي أحمد الودغيري/ مولاي أحمد الإدريسي/ فاطمة حسن/ مولاي علي العلوي وغيرهم كثير، يلتقون في رؤيتهم الشاملة للتراث… ولوحداته الهندسية على الخصوص، من خلال هذه “الفطرية”، ولكنهم مع ذلك يختلفون بقوة في قراءتهم الذاتية لهويته الثقافية.وعلى أن هذا الاختلاف، شديد للغاية، وبين الغاية، سواء على مستوى الاستيعاب والتعامل، أو على نطاق التنظير الإبداعي، فإنه من وجهة نظر خاصة، يعتبر ظاهرة صحية، تضع هذا التراث بكل إشكالاته ومواصفاته، محل حوار بين أعلام الحركة التشكيلية المغربية في مختلف توجهاتها الفنية والثقافية، وبالنسبة لكل أجيالها/ شبابها، وروادها الأول، وتجعل من هذا التراث، ميدانا فسيحا للبحث والاستقصاء باعتباره قضية مركزية وأساسية في حركة الفكر التشكيلي المعاصر.

-3-

وعلى مستوى التراث البيئي المغربي، تستوقفنا نماذج هامة ومعبرة لفنانين ينتمون لمختلف الأجيال والمدارس والاتجاهات التشكيلية، نذكر من بينهم محمد علي الرباطي/ فاطمة حسن/ الشعبية طلال/ مولاي احمد الودغيري/ فاطمة الودغيري/ المكي مغارة/ محمد اللساني/ محمد الرايس/ مولاي احمد العلوي/ محمد السرغيني وغيرهم كثير من الذين اشتغلوا على التراث البيئي المغربي، والذين التقطت أعمالهم العديد من الرموز التراثية بالمدن/ القرى/ القلاع/ القصور/ الأسواق/ الحارات، اضافة إلى التقاليد الاجتماعية العريقة، التي تطبع البيئة المغربية في مختلف الأقاليم والجهات، في سبيل إبراز الهوية الثقافية والحضارية، بعيدا عن ملامح التشويش التي تعرضت لها هذه البيئة، خلال التغيرات الطارئة التي عرفتها على يد الإدارة الاستعمارية خلال القرن الماضي. ومع أن الميراث الذي سجلته أعمال هؤلاء الفنانين، ضخم وهائل ويشكل في مجموعه ثروة حضارية/ تاريخية/ فكرية هامة، فإن غالبيته لم تتجاوز حدود الزمان، لتضع أمامنا مشهدا شموليا عن القيم الفنية/ الجمالية لهذا التراث وخصائصه ومعطياته. 

ولا بأس هنا من الإشارة، إلى أن التراث البيئي الحضاري/ الفني المتواصل بالمغرب، وإذا ما أرادنا حصر خصائصه الفنية/ الجمالية، سنجدها في نهاية المطاف، ترتكز على المظاهر الخارجية: التوحد/ التكتل/ التداخل/ وهو ما يعني من وجهة أخرى، أن المبدعين الذين استهوتهم مظاهر هذا التراث في العالمين الحضري والقروي بالمغرب، قد ضربوا صفحا عن خصائصه الداخلية، وعن الفنون العديدة التي يزخر بها، وهو ما يجعلنا نؤكد مرة أخرى، على ضرورة تعميق البحث في أغوار تراثنا البيئي المتعدد الألوان والأشكال والرموز بالعاملين الحضري والقروي بالمغرب العتيق. 

بقلم // محمد أديب السلاوي

شارك برأيك

إلغاء الرد