الافتتاحية: عن الحكومة القوية والمنسجمة

الافتتاحية: عن الحكومة القوية والمنسجمة

الافتتاحية: عن الحكومة القوية والمنسجمة

  • العلم

ما من شك في أن تأكيد جلالة الملك في خطاب ذكرى المسيرة الخضراء الذي ألقاه جلالته من العاصمة السينغالية داكار على ضرورة تشكيل حكومة قوية ومنسجمة كان الهدف منه و لا يزال أن تتوفر بلادنا على سلطة تنفيذية قوية وقادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية و السياسية التي ستواجهها بلادنا خلال الخمس سنوات المقبلة. وكان جلالته بهذا التوجيه يستشعر حجم وأهمية وخطورة هذه التحديات التي تستوجب تعبئة كاملة وحقيقية.

لكن ما تواتر من تطورات لاحقة يؤشر على أنه ليس هناك إجماع على فهم عمق هذه التوجهات الحكيمة، ذلك أن تعبير  “حكومة قوية ومنسجمة ” أضحى سلاحا فتاكا في أيادي كثير من الفرقاء السياسيين، وراح كل واحد من هؤلاء الفرقاء يتخذ من هذا الهدف النبيل شماعة يعلق عليها حساباته السياسية الضيقة. ومن المثير أن نجد من يدافع عن إشراك أكبر عدد من الأحزاب السياسية في الحكومة المقبلة بضرورة أن تكون ” الحكومة المقبلة قوية ومنسجمة” ونعاين من يشدد على تقليص الفرقاء السياسيين المشاركين في الحكومة المقبلة بالقول بضرورة التوفر على “حكومة قوية ومنسجمة” بيد أنه في الحقيقة فإن هؤلاء الفرقاء لا يتوانون لحظة واحدة عن تغليف حساباتهم السياسوية بهذه الجملة الجميلة، ذلك أن من يريد أن يدخل مدججا بالحلفاء يشهر سلاح القوة و الانسجام في الحكومة، ومن تفطن لحيل الآخرين يصد الباب بنفس التبرير، والجميع يدفع كرة المضرب تحسبا من أن تخرج خارج الدائرة.

الأكيد أن الرأي العام الوطني الذي أضحى يتابع التطورات بكثير من الاستياء يدرك عمق هذه اللعبة التي لم تعد شيقة، وأضحى الملل يتسرب إلى أعماق الباقية المتبقية ممن لا يزالون يثقون في العملية السياسية.

والرأي العام يدرك أيضا المفهوم الحقيقي لتشكيل حكومة قوية ومنسجمة كما تضمنها منطوق الخطاب الملكي التاريخي، إذ هي حكومة مشكلة من فرقاء سياسيين يتقاسمون القناعات والمواقف حيث يجد الانسجام مفهومه الحقيقي، و يتفقون على برنامج عمل اجتماعي و اقتصادي يستجيب للحاجيات الحقيقية لشروط التنمية المطلوبة. والانسجام ليس معناه اشتراطات شخصانية معينة، وليس معناه أن الانسجام يتوقف على مشاركة زيد أو عمرو. والقوة هي أن تنجح السلطة التنفيذية المقبلة في تطبيق صلاحياتها الدستورية دون تردد، هي أن تواجه التحديات دون هوادة، أن تتصدى للفساد والفاسدين دون خوف، أن تصر على تطبيق برنامجها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي دون كلل ولا خنوع ولا خوف .

القوة و الانسجام ليسا مطروحين بهذا الفهم في الظروف الحالية، وهذا ما يجعلنا مختلفين مع استخدامات هذا التعبير في سياقات معينة، سياقات تضع ضمن أولوياتها محاولات إضعاف الطرف الآخر، وتصفية الآخر. سياقات تحاول فرض خريطة مسار للمرحلة المقبلة، سياقات مكتظة بالرسائل السياسية التي تتغير مضامينها من طرف إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى. 

نعم، بلادنا في أمس الحاجة فعلا إلى حكومة قوية ومنسجمة كما أكد على ذلك جلالة الملك محمد السادس نصره الله ، مما يلقي بمسؤولية جسيمة على. الفرقاء السياسيين المعنيين التوجيهات الملكية السامية التي تمثل الإطار الدستوري والأخلاقي للأعمال المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة. وهذه هي المهمة التي فشل فيها الفرقاء المعنيون بها .


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا