الافتتاحية: صدمة العالم القروي..

الافتتاحية: صدمة العالم القروي..

الافتتاحية: صدمة العالم القروي..

  • العلم

لا جدال في أن التقرير الذي أصدره المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول “تنمية العالم القروي، التحديات والآفاق” وعممه على الرأي العام الوطني كان صادما للغاية بالنظر إلى ما تضمنه من حقائق خطيرة ومذهلة. ولمن فاته الاطلاع عليها نقول له إن نسبة الفقر ترتفع في العالم القروي في بلادنا إلى 79 بالمائة، بمعنى أن من ليس فقراء وهم بالكاد ينفلتون من دائرة الفقر لا يتجاوزون نسبة 21 بالمائة من السكان القرويين، وأن 64 بالمائة منهم يوجدون في وضعية هشاشة، وأن 24 بالمائة منهم يجدون صعوبات في الولوج إلى الخدمات الصحية، بل وأن 75 بالمائة من وفيات الأمهات المغربيات أثناء الولادة هي من نصيب النساء القرويات لأسباب كثيرة ترتبط بالشبكة الطرقية و سوء توزيع الخريطة الصحية ، و أن 97 بالمائة من هؤلاء المواطنين المغاربة لا يرتبطون بشبكات الصرف الصحي، وأن 60 بالمائة منهم لا يرتبطون مباشرة بشبكات الماء الشروب، وأن 3، 1 مليون قروي وقروية لا يستفيدون من شبكات الربط بالكهرباء.

هذه أرقام و نسب مذهلة تؤكد حقائق يجب الوقوف عليها بالتحليل و القراءة و ترتيب النتائج :

أول هذه الحقائق تفيد بأن العالم القروي لا يزال في وضعية تخلف متجذر  وعميق، وبالتالي فإن جميع الشعارات التي أتحفت مسامعنا خلال سنين طويلة و التي كانت تؤكد الاهتمام بالعالم القروي لم تكن في حقيقتها غير أقراص مسكنة لأوجاع التنمية في بلادنا.

ثاني هذه الحقائق تكشف أن بلادنا لا تتوفر على سياسة عمومية ناجحة في مجال التنمية القروية، وأن كل ما هناك مجرد إعلان عن نوايا من هنا وهناك. ورغم وجود صندوق عمومي يتوفر على مبالغ مالية ضخمة تقاتل وزير الفلاحة والصيد البحري ليبقى تحت سلطته، فإن ذلك لم يجد نفعا.

ثالث هذه الحقائق تعري مصداقية البرامج و المشاريع العمومية التي قالت السلطات العمومية في وقت من الأوقات إنها ستحقق التنمية القروية، حيث يتضح الآن أن تأثيراتها كانت جد محدودة ولم تستجب إلى الحدود الدنيا من حاجيات سكان العالم القروي.

إن قضية الحكامة تطرح بإلحاحية كبيرة و شديدة على هذا المستوى لأن تقرير المجلس الإقتصادي و الإجتماعي و البيئي نفسه يكشف في هذا الصدد عن معلومات صادمة حينما يشير إلى عدم تحقيق الأهداف المتوخاة من بعض البرامج الاجتماعية خصوصا في قطاع الصحة، حيث يفيد مثلا بإغلاق عشرات المستوصفات هناك رغم الحاجة الملحة إليها بسبب عدم وجودها في بنية تحتية تسمح لها بأن تحقق الأهداف المتوخاة منها.

رابع هذه الحقائق تكشف عن انعدام التوازن في إنجاز البرامج العمومية ما بين العالمين الحضري والقروي، حيث يكشف التقرير على أن المدينة لا تزال تستحوذ على الجزء الأكبر من كعكة التنمية، وأن القرية المغربية رغم حاجاتها الملحة إلى شروط تنمية حقيقية لا تزال تكتفي بالفتات مما تبقى من التنمية.

إن استمرار هذه المعادلة المغلوطة والضارة يعني حقيقة أخرى أكثر خطورة تكشف عن استمرار اتساع هوة الفوارق ما بين الحاضرة والبادية، وأنه بقدر  ما يتم تغييب القرية عن التنمية بقدر ما تزداد هوة الفوارق، والوضع يؤشر على أنه قد لا يصبح ممكنا ولا متاحا تدارك هذا الأمر الخطير.

ما الحل إذن؟ لأنه قد يقول قائل لقد تعبنا من الكلام و مللنا من التحاليل، نريد الحديث عن حلول ملموسة لإنصاف العالم القروي.

على هذا المستوى، نأمل أن تمثل الصدمة التي تسبب فيها تقرير المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي فرصة لفتح نقاش عام حقيقي و مفيد ينطلق بمنظار  وطنية تشارك فيه جميع الجهات المعنية من سياسيين و نقابيين وخبراء في التنمية القروية و أكاديميين و علماء سوسيولوجيا و غيرهم للتداول في السبل الكفيلة بتحقيق تسريع كبير للتنمية في العالم القروي. ويجب أن يقع التسليم من طرف الجميع بأن تنمية العالم القروي أضحت تمثل أولوية الأولويات بالنسبة للمغاربة قاطبة، ويجب إن اقتضى الأمر إعلان حالة طوارئ في هذا الصدد من قبيل أن تقرر السلطات العمومية تخصيص ثلاثة أرباع الميزانيات السنوية للعشر سنوات المقبلة لتنمية العالم القروي. أو لا بد من مخطط استعجالي للتنمية القروية في بلادنا.

إن  مأساة عالمنا القروي لم تعد تطاق ولا تستحمل، ، ،وهي تنتج مآسي متفرعة في الهجرة واتساع الهوامش المقلقة في المدن وفي تنامي الجريمة وفي استفحال معدلات  الفقر و الأمية والجهل و غيرها كثير .

وسمحوا لنا بقولها صراحة، إن تحقيق التنمية الحقيقية المستدامة لايمكن الحديث عنه إلا عبر لغة العالم القروي، ولا يمكن الولوج إليه إلا من خلال البادية المغربية التي تستحق كل الاهتمام.


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا