الافتتاحية: خطر العطش

الافتتاحية: خطر العطش

الافتتاحية: خطر العطش

إشكالية المياه الصالحة للشرب آخذة في الاستعصاء، إذ أن تراجع المخزون المائي لعوامل طبيعية وبشرية عديدة ومتنوعة يطرح تحديات كبيرة يصعب التكهن بنتائجها. والحقيقة هذه قضية تشغل اهتمام الرأي العام الوطني، ولا يمكن حلها بالاحتجاجات والمواجهات مع القوات العمومية.

إن المبادرة الوازنة التي أقدم عليها جلالة الملك محمد السادس في هذا الصدد بأن  كلف رئيس الحكومة برئاسة لجنة تنظر في الحلول الممكنة لهذه الإشكالية المستعصية تؤشر على العديد من الأمور.

أولا: المبادرة تؤكد المتابعة الدقيقة لجلالة الملك محمد السادس للقضايا العامة كبيرها وصغيرها، وملاحقة هذه المتابعة باتخاذ اجراءات وتدابير .

ثانيا: المتابعة الملكية تتم في إطار الدستور بحيث ينيط مسؤولية إتخاذ إجراءات وتدابير المتابعة للسلطة التنفيذية المكلفة بذلك.

ثالثا: إن اتخاذ  المبادرة من طرف جلالة الملك محمد السادس يعكس حجم ووزن القضية المطروحة، مما يعني أن تدخل جلالته جعل  الجميع معنيا بهذه القضية. 

لاشك أن اللجنة التي يرأسها رئيس الحكومة والتي أمر جلالته بتكوينها قد بدأت في أشغالها، وهي بالتأكيد في مرحلة استجماع المعطيات كافة.

قبل أن تخوض في إنجاز رصد دقيق للأوضاع المائية في البلاد قبل أن تصل إلى مرحلة صياغة حلول مناسبة لهذه القضية المستعصية جدا.

إن هذه الإشكالية ليست جديدة على كل حال، لكن الحكومات السابقة لم تولها  الأهمية التي تستحقها رغم أن جميع المؤشرات كانت تؤكد أن بلادنا تسير نحو أزمة حقيقية بالنسبة للماء، ومع ذلك تغاضت الحكومات السابقة عن مواجهة الأسباب التي كانت تقودنا نحو الأزمة وهي كثيرة على كل حال، ليس أقلها ضعف التهاطلات المطرية، حيث عرفت البلاد خلال العشرية الماضية تقلبات مناخية مثيرة كانت تستوجب دراستها علميا، ثم إن السلطات العمومية ظلت منشغلة عن الهدر المائي الكبير واستنزاف الفرشة المائية، وعشنا في هذا الصدد عقودا من الفوضى والعبث في مجال التعاطي مع المخزون المائي، حيث استفحلت ظاهرة التعامل الفردي مع الماء من خلال حرية  حفر الآبار والتي غزت الفيلات والاقامات الفارغة وانتشار المسابح في الاقامات الخاصة وفي المجال التجاري، ناهيك  عن أن السلطات العمومية نفسها سمحت باستثمارات سياحية مرفقة بملاعب كولف ناهيك عن تشجيع زراعات تتطلب كميات كبيرة جدا من المياه ويضاف  إلى كل  ذلك الإهمال الكبير الذي طال جميع السدود في مجموع التراب الوطني، وغير خاف أن كثيرا من هذه السدود أضحت ممتلئة بالأوحال أكثر مما هي ممتلئة بالمياه المخزونة.

يجب أن نعترف اليوم  أن نجاحنا في تدبير إشكالية الماء لم يكن بالمستوى الذي يمكننا اليوم من مواجهة درجة استفحال الأزمة، وهذا يعني إما أننا لم نكن نتوقع أن يصل مستوى الأزمة إلى المستوى الذي وصل إليه اليوم، وإذا حصل هذا فذلك غباء من سلطاتنا المائية، وإما أن وتيرة معالجتنا للقضية كانت بطيئة جدا ولم تستطع مسايرة التطور السريع والكبير للأزمة.

نعم، لا ينكر إلا جاحد أن البلاد راكمت إصلاحات مهمة على هذا المستوى فيما يتعلق بالمأسسة من وزارة ومجلس أعلى، وفيما يخص بسن سياسة عمومية في مجال الماء تشريعا وتنفيذا، ولكن كل هذا لم يمكن من مواجهة الأزمة والتخفيف من حدتها، ووصل بنا الأمر إلى خروج المواطنين إلى الفضاء العام للاحتجاح على العطش.

 وفي هذا الصدد يمكن المجازفة بالقول بأن العمل والانشغال لم يكن بالمستوى القادر على المواجهة، وبدا وكأن كل ما تم القيام به لحد  الآن حصل من باب القيام بالواجب.

لا حل أمامنا اليوم غير أن نعترف جماعيا بأن بلادنا تواجه خطرا حقيقيا فيما يتعلق بالماء، وأن هذا الخطر يتعاظم بوتيرة يومية، وبالتالي لابد أن تقع التعبئة الشاملة والمطلقة لمواجهة هذا الخطر الذي بدأ ينخر بعض أجزائنا، ويجب أن نعترف اليوم جميعا أن كل الاختيارات التي رفعناها شعارات رنانة لحقبة طويلة من الزمان لم تكن صادقة مع نفسها وأنها سوقت لنا الوهم، ونحن لا نتهم جهة ما لفائدة جهة أخرى، ولكنها الحقيقة  التي نواجه أثرها اليوم ونتحمل جميعا مسؤوليتنا في ذلك.

ولهذا وجبت المراجعة الفورية، وهنا تحضر الأهمية البالغة للمبادرة التي أقدم عليها جلالة الملك محمد السادس نصره الله الذي صارح شعبه في قضية ترتبط بمصير البلاد والعباد.

اللهم اسق  عبادك وبهيمتك….

العلم

الافتتاحية: خطر العطش

الافتتاحية: خطر العطش


شارك برأيك

إلغاء الرد

1 تعليق

  • […] مغرب ميديا لا يتحمل مسؤولية المحتوى المنشور. المقال تم نشره من طرف موقع العلم. لزيارة المقال الاصلي المرجو النقر على الرابط التالي المقال الاصلي على موقع العلم […]

    رد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا