الافتتاحية: الموقف المسؤول في لحظة سياسية تاريخية

الافتتاحية: الموقف المسؤول في لحظة سياسية تاريخية

الافتتاحية: الموقف المسؤول في لحظة سياسية تاريخية

  • العلم

نكاد نجزم أن ما تضمنه بلاغ الديوان الملكي في شأن إعفاء الأستاذ بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة الجديدة لم يكن مفاجئا بالمرة، ولنا ما نستدل به في هذا الشأن.

فلم يخامرنا شك لحظة واحدة في أن  سيادة مقتضيات الدستور هي المسار الوحيد الذي يجب أن يسير عليه ركب المسار السياسي العام في البلاد، وكانت القناعة راسخة في أن جلالة الملك محمد السادس الضامن الأول والرئيسي لهذا الأمر. لذلك لم تجد كثير من الاجتهادات و الدعوات والفتاوى التي ملأت الدنيا خلال الشهور القليلة الماضية، والتي وصلت في بعض الأحايين إلى مستوى التحريض والتأليب مساحة ولو صغيرة في انشغالات المجدين في هذه القضية.

لقد كان مطمئنا منذ اليوم الأول حرص جلالة الملك على احترام الدستور ولا شيء غير ذلك، بأن بادر جلالته بعد يومين من إعلان نتائج الانتخابات التشريعية بتعيين الأستاذ عبدالإلاه بنكيران رئيسا للحكومة وكلفه جلالته بتشكيل الحكومة الجديدة، وأتاح ما يكفي من الوقت للقيام بهذه المهمة. لكن حدث ما حدث وقام كل طرف بالدور الذي يقتنع به أو لا يقتنع به، ووصلت المشاورات إلى الباب المسدود. وكما جاء في بلاغ الديوان الملكي فإنه كانت لجلالة الملك خيارات دستورية أخرى لكنه اختار أن يعتمد منها ما يكرس القراءة الديمقراطية الواضحة لمنطق الدستور، وقرر جلالته إعفاء الأستاذ عبد الإلاه بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة وتعيين شخصية أخرى من حزب العدالة والتنمية رئيسا للحكومة وتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة.

الكرة الآن في مربع عمليات حزب العدالة والتنمية الذي يجب أن تقتنع قيادته وقواعده أن اللحظة السياسية ليست مناسبة لتصفية الحسابات مع من ترى أنهم أعاقوا مهمة رئيس حزبهم في تشكيل الحكومة. لأن الوطن فوق كل الحسابات بما فيها السيئة والخبيثة. ومادام الأمر في إطار الدستور وبضمانات صادقة وواضحة من جلالة الملك محمد السادس فإن التفاعل الإيجابي يبدو أولوية الأولويات في الظروف الدقيقة الحالية، بل وضرورة حتمية بالنسبة لمصلحة الوطن.

أكيد أن مهمة الانتقاص من الدور الكبير الذي قام به الأستاذ بنكيران في المشهد السياسي الوطني ستكون صعبة لمن يحاول أن يسوقها في الظروف الحالية، ويكفي في هذا الصدد الإستدلال بما تضمنه بلاغ الديوان الملكي في هذا الشأن. كما أن مهمة من يحمل معاول الهدم لتدمير أسس الشرعية الانتخابية التي يجب أن تبنى عليها المؤسسات الدستورية لن تكون ممكنة، الآن اتضحت الحقائق وتجلت. فلا ملاذ عن الدستور الذي يزداد قوة بإرادة ملكية صادقة ومؤمنة بمسار إصلاحي سياسي شامل.

إننا مقتنعون بأن القرار الملكي المتضمن في بالغ الديوان الملكي يؤشر على فتح جديد في تاريخ الممارسة الدستورية في المغرب التي تطورت في الاتجاه الإيجابي، ولذلك نقول اليوم إنه على الرغم من الملاحظات الأساسية التي كانت ولا تزال لدينا على بعض الفاعلين السياسيين، فإننا نرى أن التجربة كانت مفيدة جدا للمسار السياسي الإصلاحي العام في البلاد، ويكفي الإستدلال على ذلك بأن تشكيل السلطة التنفيذية لم يعد أمرا  سهلا ومريحا، بل أضحى شاقا ومتعبا في مشهد سياسي نشيط وفاعل. إننا بحق أمام حالة غير مسبوقة في التاريخ السياسي المغربي الحديث وهي بذلك تمثل إضافة نوعية وازنة في تجربة سياسية ودستورية في أمس الحاجة إلى جرعات اجتهادات تستنبت من مشاتل القراءة الديمقراطية للدستور المغربي. لذلك كله نؤكد أن مسؤولية الجميع في ضمان نجاح هذه التجربة واضحة وجلية سواء الذين يعنيهم مباشرة مضمون بلاغ الديوان الملكي أو غيرهم من الفرقاء والأطراف. 

إنها لحظة سياسية تاريخية يجتاز فيها الجميع امتحانا صعبا، فلا بد من الجدية والمسؤولية والنضج!! 


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا