الأولاد الحلال على مشارف الانقراض بفرنسا

الأولاد الحلال على مشارف الانقراض بفرنسا

 

أحمد الميداوي

  • بقلم // أحمد الميداوي

يستفاد من آخر البيانات الخاصة بمؤسسة الأسرة أن أزيد من 58 في المئة من مواليد 2016 هم أطفال ولدوا خارج مؤسسة الزواج في فرنسا التي أقرت قبل ثلاثين سنة (1987) قانونا يمنع التمييز بين الأطفال “الحلال” وأولئك المولودون خارج الزواج. ويؤكد هذا الارتفاع المهول في عدد الأطفال “الحرام” تراجع فرنسا عن أنماط حياتها التقليدية وعاداتها القديمة، علما أن ما لا يقل عن 55 في المائة من الفرنسيات تعشن اليوم في منأى عن الرجل إما مطلقات أو رافضات عبء الزواج وما يرافقه من متاعب حسب اعتقادهن.

وقد دخل أكثر من 400 ألف زوج سنة 1995 فيما يسمى قانون “الشراكة المدنية” الذي يوفر اعترافا قانونيا للزوجين لكنه يقف بعيدا عن التزامات عقد الزواج. ومع أن هذا القانون تعرض في البداية للهجوم من جانب اليمين والكنيسة الكاثوليكية لأنه يصب في صالح المثليين (المتزوجون من جنس مماثل)، فان الإحصاءات توضح أن الزواج المدني ارتفعت شعبيته بشكل كبير بين الأشخاص الطبيعيين.
وتترافق هذه التغيرات مع تغيرات أخرى اجتماعية وثقافية أهمها ابتعاد الجيل الحالي عن الدين، وخصوصا عن الكنيسة الكاثوليكية، إضافة إلى الهجرة الكبيرة للمناطق جد المتحضرة أو ما يسمى ب”الأقطاب المدينية” حيث الشباب أكثر استقلالية عن عائلاتهم. وهذه المجتمعات المدينية ليست فقط متسامحة إزاء هذه التحولات، وإنما داعمة لها وللاختيار الشخصي في أسلوب الحياة.

وعزا المكتب الفرنسي للإحصائيات هذه الظاهرة إلى اختفاء معظم الحوافز المالية الخاصة بالزواج فيما أصبح إنجاب غير المتزوجين للأطفال أمرا مقبولا  في مجتمع تخلى باسم الحرية والانفتاح، عن مؤسسة الزواج كمنظومة أخلاقية واجتماعية لها دور حاسم في التوازن العائلي وتربية النشء، وأصبح ينظر إلى الزواج مجرد احتفال لجمع الأقارب والأصدقاء. وقد ارتفعت نسبة الأطفال المولودين خارج إطار الزواج  إلى 58 في المئة من جميع حالات الولادة وأصبحوا أغلبية في المجتمع الفرنسي . ووضعت فرنسا تشريعا للزواج المدني سنة 1995 كوسيلة لتوفير الوضع القانوني لغير المتزوجين يماثل وضع الزواج. ودخل مئات الآلاف من الأزواج فيما يسمى “اتفاق التضامن المدني” منذ ذلك الوقت. ومع انه تعرض في البداية للهجوم من جانب اليمين والكنيسة الكاثوليكية لأنه كان متاحا للمثليين الذين ضغطوا من اجله، فان الإحصاءات توضح أن الزواج المدني ارتفعت شعبيته بشكل كبير بين الاشخاص الطبيعيين.
ومؤسسة الزواج التي كانت، ذات يوم، رابطا اجتماعيا ودينيا قويا، فقدت الكثير من أهميتها، وغدت الأفكار التقليدية التي كانت سائدة في عصور الإصلاحات الدينية والسياسية في أوربا حول الزواج،  ضربا من الماضي. فما عاد الشباب يفكرون في سكن خاص بهم بعد الانتهاء من الدراسة وترك بيوت الآباء، وما عاد تنظيم الروابط العائلية والدخول في حياة راشدة مستقرة، أولوية بالنسبة إليهم.

فالمتزوجون هم اليوم أقلية في دول مثل فرنسا وبريطانيا وأمريكا وكندا وأستراليا وبلدان أوربية أخرى.

وزواج العرف غير مقصور فقط على عامة الشعب الفرنسي. فالرئيس الراحل  فرنسوا ميتران كان قد تزوج بهذه الطريقة من زوجته الثانية، آن بنجو، وهي تصغره بربع قرن وأنجبت منه بنتا سماها مازارين هي اليوم كاتبة وخبيرة إعلامية معروفة. وكذلك فعل الأمير ألبير، أمير إمارة موناكو الذي ارتبط بزواجين عرفيين من سمراء إفريقية، مضيفة طيران، ومن إعلامية هولندية، كانتا تقيمان على حساب الأسرة المالكة في شقتين بموناكو قبل أن يتزوج الأمير في السنة الماضية وفق تقاليد العائلة المالكة من امرأة تصلح للتاج والصولجان.

ننفس الوضع بالنسبة للرئيس فرانسوا هولاند المنتهية ولاته الذي تزوج عرفا بالمرشحة الاشتراكية للرئاسة سنة 2007، سيغولين رويال، التي أنجبت منه أربعة أطفال، ومع رفيقته الصحفية فاليري تريرفيلر، سيدة فرنسا الأولى، وأيضا الرئيس الألماني المرتبط هو الآخر برفيقة تحترف الصحافة هي الأخرى، وتسكن معه القصر الرئاسي، وهو ما يعني أن وجود حبيبتين وليس زوجتين في قصرين رئاسيين أوروبيين، هو مؤشر على مدى تغير النظرة الأوروبية للعائلة، ويطرح أيضا إشكالات بروتوكولية مثل زيارة الرؤساء غير المتزوجين بالطريقة “الحلال” لدولة الفاتيكان وبلدان عربية وإسلامية لا تقبل بالعلاقات بين الرجل والمرأة خارج مؤسسة الزواج.

وتشير تقديرات فرنسا إلى أن التعداد الكلي للسكان ارتفع إلى أزيد من 65 مليون نسمة في فاتح يناير 2017، بزيادة 461 ألفا عن نفس الفترة في العام السابق. غير أن 51 ألفا منهم فقط جاءوا 
من الهجرة، مقابل 81 ألفا في العام الذي سبقه. وتتمتع فرنسا بواحد من أعلى معدلات المواليد في الاتحاد الأوروبي. 

العلم: باريس ـ أحمد الميداوي

الأولاد الحلال على مشارف الانقراض بفرنسا

الأولاد الحلال على مشارف الانقراض بفرنسا

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا