أستاذي غلاب: عذراً على وقاحتي!

أستاذي غلاب: عذراً على وقاحتي!

 

* بقلم // زكية حادوش

 

بدايةً أعترفُ بأنني أكثرتُ من المرثيات والبكائيات في كتاباتي الأخيرة، لكني ما عساي أفعل؟ كيف لا أتأثر وأبكي بدموع الروح وبحرقة اليتم وأنا أراهم يرحلون تباعاً؟ ولا ضير في ذلك ما دامت تلك الدموع صادقة والحرقة على هذا الوطن وليس على الذات تنهش كل يوم قطعة من دواخلي.

برحيل “سي عبد الكريم” نطوي صفحات وليس صفحة واحدة من تاريخنا الوطني، ومن تاريخ جريدة العلم، معقل فرسان الصحافة الثلاثة: عبد الجبار السحيمي، محمد العربي المساري والآن عبد الكريم غلاب رحمهم الله وأكرم مثواهم. 

يرحلون تباعا وما من خَلَف… فهل قدرنا في هذه البلاد أن نشاهدهم يغادرون ونبحث فيمن حولنا عن رجالات من طينتهم أو على الأقل يقتربون منهم في بعض خصالهم ولا نجد غير الخواء؟

من باب الواقعية وبكل موضوعية إعلامية (كانت ستعجب الفرسان الثلاثة) هم رجال استثنائيون، لا يعَوَّضون. وليس في الأمر مبالغة ولا تشاؤم إن اعترفنا أنه من شبه المستحيل أن نجد بديلا اليوم وعلى هذه الأرض المعطاء لأشخاص مميزين من حجم الهرم “سي عبد الكريم”، بثقافته الموسوعية، وقلمه الساحر وأخلاقه العالية كما عرفته. 

تحضرني صور من ذلك الماضي الجميل حين كان يأتي “المدير غلاب” يوميا إلى الجريدة بكامل أناقته ورصانته التي كانت صراحة تفحم مشاكستي. وعندما عهد إلي بالصفحة الأخيرة وقررتُ – وكان قرارا أحاديا الله سامحني الله – أن تلك الصفحة لم تعد تحتمل المقالات الطويلة والمواد الثقيلة لأن أغلبية القراء (ولا أدري من أعطاني الحق في الحديث باسمهم!) لم يعد لهم وقت لقراءة “الزرابي” وبالأحرى الاستمتاع بها. فأقدمت على وضع بقايا لحديث الأربعاء. في ترفعه، كما عن صغائر الأمور، لم ينزعج صاحب “حديث الأربعاء” الأستاذ غلاب، وهو مدير الجريدة، من أفعال صحافية شابة مشاغبة، رغم محاولات الكائدين الإيقاع بيننا. بل طلب مني بكل هدوء كم من صفحة “بروفة” أريد أن يأخذها “حديث الأربعاء”، والتزم بذلك الحيز. الحقيقة أنني عجبت لموقفه هذا، كما كنت أعجب بسلاسته في الكتابة ووضوح رؤيته، وخطه الأنيق الذي يحتل الصفحة دون هدر، ومع ذلك لا يتعِب بصر المحرر ولا المصحح.

هو لوحده مدرسة في الكتابة بمختلف أشكالها… هو لوحده مدرسة قائمة الذات في الأدب: الأدب بمفهومه الأخلاقي والثقافي. لم يتأفف يوما حين كنت أتعمد تأخير بعض الترجمات الصغيرة التي كان يطلبها مني، إلى أن أقفل الصفحات الموكلة إلي وإلى أن أنتهي من كتاباتي. وأجد نوعاً من “المتعة الصبيانية” في تحسيسه بأني أقوم بها بدافع “الكرم” لأني أشتغل مع الجريدة وليس مع مديرها! ربما حتى أتفادى علاقة “الباطرونا” مع “البروليتاريا” بيننا، فكل ما كنت أرغب فيه هو أن نشكل جسما واحدا كصحافيين، وأن أتعلم منه أسرار مهنة المتاعب.

لم يكن يتضايق بسبب مثل هذه الأشياء، لكنه لم يرضى عني حين غادرت الجريدة رغم أني شرحت له أن مكاني في كتابة الدولة في البيئة سيجعلني أخدم بلادي أيضاً وإن كان من موقع مختلف، وأنني إلى جانب الدكتور مولاي أحمد عراقي (عافاه الله) سنناضل على جبهة أخرى خدمة لقضايا حيوية ومشروع مجتمعي مشترك آمنا به ولا نزال.

اسمح لي “سي عبد الكريم” أن أقول لك ما لم أتجرأ على إخبارك به من قبل: عذراً لأني غادرت الجريدة دون رضاك. قدمت استقالتي فقلت لي” العودة إلى الأصل فضيلة” ضاناً بأن التحاقي بالبيئة كان بفعل “اتحاديتي”، فأجبتك “كلنا من تراب وسنعود إليه”. يا لوقاحتي!

عفواً لأني كنت أختبئ حين أسمع خطواتك تخرج أو تدخل إلى المصعد في عمارة علال بن عبد الله، حتى لا أصادفك. فذلك لم يكن إلا خجلاً!

 عفواً لأنني ما لبثت أتساءل هل أستحق أن تستشهد بي في كتابك “عبد الكريم غلاب في مذكرات سياسية وصحافية” وتنعتني ب”الصحفية المقتدرة”، وتقتبس بكل أمانة ما كتبته عن أحداث الريف. 

قبل أن أودعك الوداع الأخير هذه الظهيرة، أعتذر منك من كل قلبي…عذراً على وقاحتي! وعلى جبينك أطبع قبلة البنوة البارة. سامحني ونم مطمئنا أيها الأب الروحي لجيل كامل من الصحافيين والكتاب والمثقفين!    

أستاذي غلاب: عذراً على وقاحتي! بقلم // زكية حادوش

زكية حادوش

شارك برأيك

إلغاء الرد