أرقام مفزعة عن واقع تخاصمنا مع الكتاب نحن أمة إقرأ… بقلم // أحمد الميداوي

أرقام مفزعة عن واقع تخاصمنا مع الكتاب نحن أمة إقرأ… بقلم // أحمد الميداوي

أحمد الميداوي

 

لفتت انتباهي بشكل مقلق نتائج لجنة تتبع شؤون النشر التابعة للمنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) والقائلة إن العالم العربي يقف في ذيل قائمة الأمم القارئة حيث معدل القراءة فيه لا يتعدى ربع صفحة للفرد سنويا، فيما تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الأولى.

وقد تم الإعلان عن هذه الأرقام في ختام المؤتمر السنوي الدولي للكتاب والنشر الذي تعقده المنظمة في أواخر شهر فبراير من كل سنة لقياس مجال الإقبال على القراءة، حيث أكد عضو اللجنة، المصري عبد الكريم محمود السباعي، في كلمة بالمناسبة أن “متوسط القراءة في الوطن العربي لا يتعدى ربع صفحة للفرد سنويا بينما تصل معدلات القراءة في أميركا إلى 11 كتابا للفرد سنويا وفي فرنسا إلى سبعة كتب، وهو ما يؤكد مدى التدني الذي وصلت إليه معدلات القراءة في الوطن العربي.

وتفيد لجنة تتبع شؤون النشر أيضا بأن العالم العربي ينشر 1650 كتابا سنويا بينما تنشر الولايات المتحدة وحدها 85 ألف كتاب سنويا، فيما نصيب كل مليون عربي لا يتجاوز ثلاثين كتابا، مقابل 854 كتابا لكل مليون أوروبي. ويدعونا هذا المشهد إلى وضع عنوان عريض لواقعنا الثقافي: “بيننا وبين الكتاب عقدة نفسية” قد تزيد في تعميق مستوى انحطاطنا في مسار التحصيل، نحن سلالة الجاحظ الذي مات بين كتبه وابن عقيل الذي كان يقرأ مشيا..
فآخر أرقام شركات التوزيع الفرنسية تفيد بأن عدد قراء الجرائد التقليدية بلغ 15 مليون قارئ سنة 2016 انضاف إليهم ستة ملايين من القراء الجدد للصحافة المجانية، أي نحو ثلث السكان ممن ابتلوا بالنهل من قنوات المعرفة التي تشكل الصحافة المكتوبة إحدى دعاماتها الأساسية. وتوضح دراسة أنجزها المعهد الفرنسي للإحصاء ونشرتها جريدة “لوفيغارو” في الشهر الماضي أن الأسر الفرنسية أنفقت سنة 2015 أكثر من سبعة مليارات أورو (حوالي 80 مليار درهم) في الصحف و3،5 مليارات في الكتب (40 مليار درهم)، وأن الرجل والمرأة يخصصان ميزانية شبه متساوية لاقتناء الصحف، إلا أن حصة المرأة لشراء الكتب هي أعلى بنسبة 15% من حصة الرجل، فيما تتفاوت هذه الحصص من منطقة جغرافية إلى أخرى.

ونحن من كل هذا نعيش حالة نكوص أو نفور من الكتاب الذي به تقاس درجة الحضارة لدى الأمم، حيث أمة لا تقرأ لا يمكن أن تكون إلا ساذجة التفكير، معطّلة عن الإبداع وعاجزة عن التغيير.
قد تتضارب آراء المغاربة حول أسباب العزوف عن القراءة وتراجع دور الكتاب في حياتنا، فمنهم من سيربط هذا التراجع بالمشاغل اليومية وهموم الحياة وضغوطها المتواصلة التي أدت إلى تناقص ساعات الفراغ في حياتنا، ومنهم من سيفسر الظاهرة بثقل الأعباء المعيشية ومتطلبات الحياة التي لا تترك للمواطن فرصة كافية للقراءة، وتجعله في حالة انشغال دائم لا يقوى معها على التحصيل والتثقيف. وفريق ثالث يجملها، من جهة، في تفشي الأمية وتأصلها في البنيان الثقافي المغربي، ومن جهة ثانية، في تأثيرات الأنترنت الذي يمدك بالمعلومة في زمنها الأصلي. ومهما يكن من تباين في شرح أسباب هذه المعضلة، فإنه من السذاجة أن نظل قابعين وراء مبررات أدت تراكميا إلى هذه الحالة المتدنية من مخاصمة الكتاب ومن بعده الصحف بعد فترة السبعينات والثمانينات التي كانت، لمن عليه أن يتذكر، حقبة شغف بالقراءة والإطلاع، علما أن القراءة كما قال عنها الروائي الروسي الشهير تولستوي، “تداوي جراحات الزمن وتقاس بها حضارات الأمم”.

ربما نحتاج إلى دورات تدريبية على القراءة بعد أن وزعنا أوقاتنا نهارا على مقاهي الخمول والنميمة المعسولة وأدوات “سوف، ليت، ولعل”، وليلا على السمر مع المحطات الإذاعية والشاشات التي لم يرهق أصحابها عيونهم بالقراءة ليقدموا مواد جادة، فيستضيفون أصدقاءهم من المبدعين والمبدعات، وهاتيك يا ثرثرة ويا كلام جميل عن الإبداع يعتبر المواطنين وكأنهم قطيع هائم لا دراية له بشروط التحصيل النافع والمتنوع.

وماذا لو فكرنا في تخصيص يوم وطني للقراءة تليه أيام مسترسلة على طول السنة نقرأ فيها سبع صفحات في اليوم، أي كتاب في الشهر و12 كتابا في السنة. وبذلك سنتصدر قائمة القراء في الوطن العربي الذي يعد هو الآخر من أضعف الأوطان قراءة، حيث معدل ما يخصصه الفرد العربي للقراءة، حسب نفس اللجنة، لا يتجاوز خمس دقائق سنويا.

ولكن أين نحن من هذا اليوم لنشغل بالنا بهواية الكتاب ونجعل منه خير جليس، حتى وإن كنا الأمة التي نزلت فيها أول ما نزل سورة إقرأ. ولا أحد منا سينزعج عندما يعلم أن عدد الكتب المطبوعة سنويا في دولة صغيرة كإسبانيا، يفوق ما طبعه العرب منذ العهد العباسي إلى اليوم، أي قرابة 100 ألف كتاب.

العلم: باريس – أحمد الميداوي

أرقام مفزعة عن واقع تخاصمنا مع الكتاب نحن أمة إقرأ... بقلم // أحمد الميداوي

أرقام مفزعة عن واقع تخاصمنا مع الكتاب نحن أمة إقرأ… بقلم // أحمد الميداوي

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا